د. يحيى مصطفى كامل تعيش مصر لحظةً شديدة الجنون بكل ما تحمله الكلمة من معان، فالاستقطاب على أشده، والأعصاب مشدودةٌ متوترة…تظاهراتٌ واعتصاماتٌ في كل مكانٍ وعصيان مدني يتسع … وتيرة التصعيد لا تعرف هوادةً أو بطئاً و يبدو كلا الفريقين ماضياً في طريقه نحو أفقٍ مسدودٍ تماماً لا تلوح فيه بارقـــة تفاهم ولا يشتركان سوى في الشك المتبادل والتربص…أما الجمهور فيحبس أنفاسه مراقباً ذلك الصراع…يراقبه بمزيجٍ من اليأس والغضب على حراكٍ ثوري عظيم لم يُترجم إلى مكاسب مادية يشعر بها ولم يحصد الكثيرون سوى وقف الأحوال والانفلات الامني وارتفاع الأسعار.غير أن أكثر ما يثير الدهشة هو قرارات د مرسي وحكومته وتصريحاتهما وسلوكهما، إذ عبثاً يجهد المرء نفسه في محاولة التماس المبررات أو العثور على نمط أو آليات لإتخاذ القرارات تساعده على الفهم فلا يجد، اللهم إلا إذا عددنا العشوائية والصدامية والحماقة نمطاً، وحتى إذا وضعنا بعين الاعتبار مشروع ‘التمكين’، ذلك السر العلني الأشهر الذي صار ممجوجاً من كثرة ما رددته الألسنة وابتذلته الأقلام، فإن ذلك ليس كافيا لتفسير ما نراه من تخبط، فأنا قد أفهم أن تسعى جماعةٌ هذه أفكارها وبنيتها التنظيمية وهذا تاريخها للانفراد بالسلطة وتنفيذ مشروعها (ذلك الذي لم أفلح رغم كل ما قرأت في التوصل إليه…)، لكنني لا أفهم انعدام الكياسة وتعمد تجاهل الواقع والإصرار على المراوغة تفادياً لتقديم أية تنازلات…لا أفهم التصريحات المنفلتة والاستفزازية والجهولة التي تصدر يميناً ويساراً من قياديين بارزين في الجماعة ذات التنظيم الحديدي الصارم والتي سرعان ما ينفيها متحدثٌ باسمها مستنكراً تمثيلها ‘للخط الرسمي’، كما أنني لا أعرف بمَ أصف القرارت التي تتخذ ليتم التراجع عنها بعد بضعة ساعات و قرار حظر التجول في مدن القناة ولا أستطيع أن أصدق أنه في خضم كل هذا أن يمضي قدماً بالانتخابات ثم يتم تحديد موعدها لتصادف أعياد الإخوة المسيحين…أليس لدى الرئاسة ومؤسسات الدولة رزنامة مسجلٌ بها الأعياد والمناسبات الرسمية؟! ثم يعدهم الرئيس بحديث فيخرج عليهم بعد تأخير ست ساعات دون أن يكلف أحدٌ نفسه بتقديم اعتذار.في رأيي أن ذلك التجاهل للواقع بمعارضته ومشاكله والتعالي عليه بالإضافة إلى ما بات أكيداً من فقدان الرؤية والكوادر القادرة على إدارة دولة كمصر هما أس البلاء، إذ إن المشاكل لن تحل نفسها فضلاً عن كونها لن تتبخر كما أن إشاحة البصر عن الصورة القبيحة لن يلغي وجودها.محصلة كل ما سبق أن مصر تعيش أزمةً حقيقيةً أخذت بالفعل في تمزيق البلد لمدنٍ محاصرة وأخرى لم تحسم رأيها أتنضم أم لا، وما كان يصعب بل يستحيل تصوره سوى من قبيل التهريج صار واقعاً معاشاً كأن يعلن حيٌ مثل حي ‘شبرا’ استقلاله، وفي غياب أي خطواتٍ حقيقية ملموسة حتى الآن بهدف التوافق البناء أو الحوار الذي يقرب الفرقاء، وفي ظل حالة الإرهاق وفراغ الصبر المستشرية بين قطاعاتٍ متعاظمة من الشعب تعود المؤسسة العسكرية لتطل على الساحة مرةً اخرى… هي في حقيقة الأمر لم تختف أبداً وإنما كانت قد تورات مفسحةً المجال للحكومة ‘المنتخبة’… إلا أنها تعود هذه المرة باستدعاءٍ شعبيٍ واسع…تعود كمخلصٍ منتظر…فما من يومٍ يمر الآن إلا ونقرأ أو نسمع عن أمجادها ودورها في الحفاظ على لحمة الوطن وتماسك نسيجه الاجتماعي وعن الصراع المكتوم حيناً والمعلن حيناً آخر بين الجماعة والقوات المسلحة، الأمر الذي يؤكد عليه ويفاقم من حدته تصريحاتٌ استفزازية متسرعة من قبل بعض الإخوة البارزين وما تجره من ردودٍ حادة بدأت تأخذ صيغة التهديد من قبل بعض قيادات الجيش… و إني لأزعم أن تساؤل: ‘هل سينقلب الجيش؟!’ بات هاجساً متسلطاً على أذهان كل المصريين فهم مسكونون به حتى ليقضي كثـــيرٌ من الناس جل وقته في طرح الحجج وتفنيدها وضرب أخماسٍ في أسداس والتخمين والتنبؤ بميعاد ذلك الانقلاب الذي بات البعض ينام ويصحو في انتظار هلاله واستحضاراً لفرجه.في يقيني الشخصي أن العلاقة بين الطرفين تشهد توتراً، وربما يكون حاداً، إلا أن الرهان على مسارٍ معينٍ للأحداث أمرٌ بالغ الصعوبة نظراً للتعقيد الشديد للواقع ولوجود عوامل وضغوط عديدة على كلا الطرفين، فمصر ليست دولة هامشية وإنما أكبر وأهم دولة في قلب العالمين العربي والإسلامي، كما أن الخط الذي يفصل بين واقع ذلك الخلاف وتمنيات كارهي ورافضي حكم الإخوان ليس واضحاً تماماً.الأهم من كل ذلك والأخطر هو ما يفضحه ذلك الجدل وما يبرهن عليه ذلك الاستدعاء من حالة اليأس والرغبة في الخلاص الجاثمة على صدور الناس…نفس اولئك الذين هتفوا: ‘يسقط يسقط حكم العسكر’ يستغيثون بالقوات المسلحة لإنقاذهم…كأنهم لم يتهموهم بالتواطؤ مع الإخوان والبلطجية بالأمس ولم يحملوهم عيون ودماء شهداء سقطوا في ماسبير وشارع محمد محمود وما إلى غير ذلك من المعارك والمواجهات، ولعلي لا أبالغ حين أقول أن أولئك الذين لن يصرحوا يترحيبهم بانقلابٍ إذا ما حدث سيكتفون بالصمت الموافق المتواطئ.يأسٌ محزن وحصادٌ بائس ذلك الذي يضعنا أمام تلك الخيارات الصعبة…أنواصل صراعاً لا تبدو فيه بادرة انفراج أم نعود تحت الوصاية التي ثرنا عليها؟! .و المشكلة أن ذلك لن يكون آخر تلك الخيارات، فالثورة من حيث كونها كسراً للنمط السائد تفرض علينا الخيارات بين احتمالاتٍ عديدة، نحن أبناء الشعوب التي اعتادت على من يتخذ كل القرارات المصيرية بالنيابة عنها.لقد دعا د مرسي القوى الوطنية إلى حوارٍ إلا أنه فعل ذلك في حديثٍ جاء متأخراً عن موعده بست ساعات فأذيع بعد منتصف الليل يدعو إلى حوارٍ باكراً، ولا نعلم أي ٍ يومٍ يقصد …هكذا بلا جدول أعمال ولا اتفاقٍ على أطرٍ يتم الحوار من خلالها على عادة جلسات المصاطب والصلح الودية …يتعين على الرئيس والجماعة محاولة التقارب واحتضان معارضيهم وتقديم تنازلاتٍ وضماناتٍ موضوعوية تؤكد صدق وجدية نواياهم إذا كان حقاً يريد الخير لمصر ويريد عبور الأزمة، وإني لأتمنى حقاً أن يجتمعوا ويصلوا لأية صيغة توافقية (على الرغم من قناعتي بأن الجماعة ليست لديها قابلية حقيقية للحوار الجاد وتقديم تنازلات) أملاً في تفادي دائرة الانقلابات المفرغة.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير qmdqpt