يذكر الفرنسيون بمرارة يوم 24 فبراير1971، عندما فاجأهم الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين بقرار الدولة الجزائرية استكمال سيادتها بإعلان تأميم المحررقات، بعدما ضمنت اتفاقيات ايفيان السيادة المزدوجة بين فرنسا والجزائر على النفط الجزائري بعد الاستقلال.ومنذ ذلك التاريخ، بدأت تتضح معالم حرب فرنسية مؤجلة، خطط لها الساسة الفرنسيون للتعويض عن هزيمتهم العسكرية وفشل مشروعهم الديغولي في شطب الصحراء الجزائرية عن جسم الجزائر المستقلة. وكانت أولى تجليات تلك الحرب الاقتصادية، مغادرة جميع خبراء النفط الفرنسيين العاملين في مجمع حاسي مسعود بالجنوب الجزائري بهدف إحداث إرباك في قطاع النفط وتعطيل الإنتاج في مجال حيوي بالنسبة لدولة فتية خارجة لتوها من إحتلال دام 132 سنة. إلا أن سواعد الإطارات الوطنية على قلتها في تلك الحقبة، استطاعت رفع التحدي باستلامها مقاليد عملية تسيير انتاج حقل حاسي مسعود النفطي، معلنين عن نوفبر ثاني،عنوانه اقتصادي هذه المرة، بعد نوفمبر عسكري أول، سطرته أشلاء ودماء أحرار وحرائر الجزائر. وبعد مرور 42 سنة من ذلك اليوم الخالد، ها هي الجزائر تعيش هذه الأيام الذكرى على وقع أصداء فضائح الفساد والرشاوى التي تعصف بالشركة الوطنية للطاقة ‘سونطراك’ والتي تضمن 98 ‘ من الدخل القومي الجزائري من العملة الصعبة. فضائح بدأت متحكم فيها في وزارة بلعيد عبد السلام، ثم ازدادت وطأتها في عهد الراحل الشاذلي بن جديد، لتصبح حديث المجالس العامة والخاصة في عهد الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة، كما جاء على لسان الخبير والمسؤول النفطي الجزائري السابق حسين مالطي.هذه الفضائح، المتكلم والمسكوت عنها على السواء، جاءت نتيجة حتمية لصراع أجنحة وتصفية حسابات في أعلى هرم السلطة للسيطرة على مقاليد الحكم، بعد عودة لوبي ‘حزب فرنسا’ إلى توجـــــيه ومراقبــــة قطاع المحروقات، وفق ما ورد في كتاب ‘القصة السرية للبترول الجزائري’ للسيد مالطي. هذا الوضع الكارثي لعملية الاستنزاف والتكالــــب على مداخيـل الريع النفطي المقدرة بـ50 مليار دولار سنويا، بدأ يشكل خطرا كبيرا وقنـبلة موقوتة أصبحت تهــــدد كينونة الدولة الجزائرية، التي ما زالت بعد خمسين سنة من استرجاع سيادتها رهينة لوبيات فرنكفولية متنفذة ومتواطئة مع عدو الأمس في إدارة حرب فرنسية بالوكالة، شعارها السهر على ضمان مصالح قصر الاليزي الاستراتيجية، في بلد أضحى مسرحا لتنافس دولي محموم بين الفرنسيين والأمركيين من أجل السيطرة على مصادر الطاقة في منطقة جيواستراتيجية فائقة الأهمية. عبد الحميد فطوش[email protected]