د. صبري صيدم لتحقق مجدا كهذا هذه الأيام عليك أن تكون صاحبا لشركة للتقانة قادرة على التكوّن بفعل حفنة من الدولارات لتصل خلال أعوامها الخمسة الأولى إلى قيمة شرائية تتعدى حاجز الميليارات العشرة. فلو ظن أحدهم بأن كلامي هذا مزاحاً فعليه أن يقرأ سيرة شركات عملاقة ‘كجوجل وفيسبوك ومايكروسوفت وأمازون وغيرهم من عمالقة الساعة.أو أن تكون سياسياً بارعاً أو محظوظاً لتحدث طفرة غير مسبوقة في عالمك، كأن تكون الرجل الأسود الأول الذي يتربع على عرش دولة تتصرف كما يراها البعض كإمبراطورية اعتاد رؤوساء بيض على رئاستها. وإن كان البعض مرة أخرى يشكك في الأمر فعليه النظر إلى بارك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.أو أن تكون بابا الفاتيكان فتختار طوعاً أن تتنحى جانباً من موقع لم يستقل منه أحد منذ 600 عام. بل عادة ما يبقى سيد المكان في مكانه وعلى كرسيه حتى يلفظ أنفاسه الكبيرة والأخيرة. والدليل موجود عند بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس والذي صدم العالم بأسره بقراره التنحي فضمن بالتأكيد مكانه في التاريخ.أو يجب أن تكون مالكا لشركة اتصالات جبارة تحصد المليارات مقابل بيع الهواء، أو سياسياً مالكاً لناصية الانقلاب، أو متظاهراً يغير حكم طاغية ومسيرة أمة، أو فناناً مشهوراً في هوليود وتموت في ظروف غامضة، أو رياضياً معاقاً تشارك في بطولة الرياضيين الأصحاء، أو رجل فضاء مبدع، أو مغامراً يركب السماء ويقفز من أحشائها والقائمة تطول.ويمكنك طبعا أن تكون أسيراً في جنوب أفريقيا يُلقى بك في سجن نائم على جزيرة نائية لثلاثين عاماً من ثم تخرج فتغير مسار التاريخ وتتحول من السجين الأطول اعتقالاً إلى الرجل الأول، والدليل بطبيعة الحال موجود لدى نيلسون مانديلا.فما بالكم بأسرى حكمتهم إسرائيل 20 أو ثلاثين مؤبدا أي ما مجموعه 1200 عام أو من ‘سجنتهم دولة الاحتلال دونما محاكمة في تحدٍ واضحٍ لحقوق الكائنات الحية قاطبة تحت مسمى ‘الاعتقال الإداري’ فيضربون عن الطعام لمئات الأيام دون رادع للسجان أومنصف للسجين؟وما بالكم بشعب ابُتلعت أرضه وسُرقت مياهه وبنى جلاده أطول جدار وأطول احتلال وأطول مستوطنة وأطول سجن وأطول نقطة تفتيش وأقصر رؤية للعدالة؟! كل هذا ربما يخصك كفلسطيني بمكان في التاريخ لكنه وكما يشهد الفلسطينيون يحرمك من أعدل مكانة في الدنيا! ‘لأن المحتل يمتلك كما يرى هو حق لا ينازعه فيه أحد فيحجز التاريخ والجغرافيا.وحتى في طرائفنا الفلسطينية تكررت محاولاتنا لحجز مكاننا في التاريخ حتى بخفة الروح وظرافة الفكرة كالسعي للدخول موسوعة جينيس بأكبر علم وأكبر ثوب وأكبر سدر للكنافة وأكبر صحن للمسخن الفلسطيني وأكبر تبولة ممزوجة بزيت بلادنا. كل هذا الجهد قوبل بترحاب وتهليل. لكن عندما فكر أحد الذين ساهموا في حملة جينيس هذه أن يعود فيقدم طلباً لإدراج جدار الضم العنصري في ذات الموسوعة جاءه الرد بالرفض وبصورة قاطعة.لذا فإن الفلسطيني لا يحرم من أرضه فقط بل يحرم من احتجاجه على من يفرض عليه الحرمان في حرب تستعر معها رغبة المحتل في مقاومة الحق والحقوق.’الأهم أن التاريخ لن يقف عند أحدٍ تماماً كما لم يفعل من قبل. فلا الاحتلالات صمدت ولا الطغاة عاشوا أبد الدهر. إذا القضية في السعي لاسترداد الحقوق المسلوبة هي قضية وقت وإصرار وانتماء. لكن المشكلة الأكبر بالنسبة للبشرية هو أن التاريخ يثبت وفي كل يوم لجمهور المستبدين بأن هؤلاء لم يتعلموا يوماً من التاريخ.’ كاتب فلسطينيqmdqpt