مروان العياصرة تأسيساً على معنى الكذبة بحسب الكاتب والسياسي الانجليزي (جوناثان سويفت) بأنها ليست في الوضع غير المباشر للكلمات – فحسب – بل في الرغبة والنية، وبأنها عذر محميّ أيضا، تأسيسا على هذا فإن مفهوم (الحكومة البرلمانية) الذي يطرح حاليا في الأردن، هو من قبيل الوضع غير المباشر للكلمات.ومن قبيل الرغبة والنية المعكوسة أيضا، فلو قدر لهذا المفهوم أن يضع وجهه أمام المرآة لرآه مغمورا بأكوام من الأسئلة التي ليس لها سوى إجابة واحدة مستعارة من قول (ألدوس هكسلي)، بأنه بإمكان كذبة مثيرة التغطية على حقيقة مملة.. الحقيقة المملكة فعليا هي أسلاك الديمقراطية المعرَّاة التي يتم كهربة الشارع والناس وكل المجتمع بها، إمعانا في تسيير الأمور بحسب المعتاد والطبيعي والمرغوب، لكن في هذه المرحلة تطلب الأمر أن يكون المعتاد مختلفا شكليا حد الالتباس، بعد أن جاء مجلس النواب محملا بأفكار ورغبات الاختلاف عن سابقه والاقتراب من الشارع والعزف على أوتاره وإيقاعاته، حتى لو كان هذا من باب الحماسة الأولى التي تظهر على متسلقي الجبال على سبيل المثال الذين ما إن يخطوا أول خطوة نحو التعلق بأطراف الأصابع ومصارعة الهواء حتى يبدأوا باللهاث وأخذ قسط من الراحة وهم معلقين ومتأرجحين بالحبال.حبال الحكومة طويلة، وهذا مثل آخر من المأثور الشفاهي الشعبي الأردني، والتعلق بها والتأرجح عليها لا يحتاج إلا لهز الرأس وكلمات من جنس (ثقة.. وثقة ونص ..)، الفكرة أن الأجهزة الرسمية المعنية بالتعامل مع مجلس النواب الجديد والتشكيل الحكومي المرتقب فهمت أن محاولة مجلس النواب الحالي وهو المولود من خلال قانون انتخاب تصرح الهيئة المستقلة للانتخابات بأنه غير ناضج ويحتاج لتعديلات حتى يصل إلى حالة الانسجام مع المعايير الدولية ان محاولته بأن يكون مختلفا ومهما في هذه المرحلة السياسية الحرجة، تحتاج أيضا لمحاولة حكومية من نوع مختلف لاستدراجه وتطويعه، لذا كان الذكاء الرسمي أن يتم توظيف الوضع غير المباشر للكلمات في سياق الحديث عن (حكومة برلمانية)، فجاء القرار بأن يقوم رئيس ديوان الملك فايز الطراونة وهو للمفارقة العجيبة المطرود شعبيا من حكومته السابقة، بتكليف ملكي بإدارة مشاورات تشكيل الحكومة القادمة، ولعل هذه المشاورات ليست سوى فبركة ديمقراطية، أو أنها في أحسن أحوالها أقصد أسوأ أحوالها، من نوع المشورة التي (تصنع إنسانا مستعداً) بحسب قول فرانسيس بيكون، بمعنى الأردني أن يكون هذا الإنسان مستعدا لحسم القرار من مصدره، وهذا بحد ذاته يبقي الوضع على ما هو عليه من أن صناعة رئيس الوزراء ليست سوى مهمة رسمية ودور حكومي أيضا، وإن بدت بصورة شعبية برلمانية تشاورية.بحسب آراء الشارع، والناس وأحاديث اللقاءات العامة، وبحسب التعبير الشعبي الدارج (اللعبة مكشوفة)، واللغة الرسمية التي تنضج تحتها المشاورات كل حروفها علة، قابلة للمد للحد الذي يحبس الأنفاس بانتظار تسمية رئيس الوزراء الجديد المحتمل ان يكون قديما أيضا، والذي لن يكون ثمة خيارات مفتوحة أمامه للعمل إلا في حدود القرارات المسبقة التي حددت توقعاتنا أساسا، ابتداءً من قرار الإصرار على قانون الانتخاب الحالي المنقوص، والذي رأت هيئته المستقلة أخيرا أنه يحتاج للتعديل، وليس انتهاءً بقرار المشاورات الحكومية النيابية، أو بتوصيف أدق، الفقاعة التي لا تحمل إلا الفراغ.أتساءل، إلى متى سنبقى نحن الأردنيون زبائن مرغمين لشركة مساهمة مقفلة تسمى وطن، وإلى أي حدّ سنبقى معلقين بخيط عنكبوت يمسك فم فقاعة مهيأة لأن تنفجر فنسقط..؟، إننا المفترى علينا حدّ التعب، والمقامرون المفترون حوَّلوا كل أسلحتنا إلى خشب.. لكننا بالتأكيد رغم كل هذا، لن نعض أصابعنا، ولن نُطرِق كالبلهاء بلا قرار، وكما قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهة (لا شيء أقرب من يد إلى جسد، وإنَّ اليد إذا فسدت قطعت وإذا قطعت حسمت).’ كاتب أردني مقيم في البحرينqmdqpt