محمود القيعي أذكر خلال إقامتي بالعاصمة الأوكرانية كييف أنني بكيت مرتين لن أنساهما ما حييت: الأولى عندما كنت أشاهد كلمة السيد حسن نصر الله في 14/7/ 2006 وهو يقول كلمته المشهودة المملوءة عزة وكرامة: ‘الآن في عرض البحر في مقابل بيروت، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وعلى بيوت الناس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق وستغرق ومعها عشرات الجنود الإسرائيليين الصهاينة’. لم أتمالك نفسي -أنا العربي المغترب- وأنا أشاهد نصر الله العربي المسلم يقابل صلف الاسرائيليين وغطرستهم، بقوة وعزيمة أدخلتهم الجحور، وزلزلت الأرض من تحت اقدامهم.
المرة الثانية التي بكيت فيها عندما شاهدت على شاشات التليفاز صور اغتيال المناضل الكبير الشهيد عبد العزيز الرنتيسي التي تحل ذكرى استشهاده بعد أيام.
لا أدري سر هذه الدموع التي انسابت فجأة من عيني، ولم أجد إلى إيقافها سبيلا؟.
أهي الدموع على موت العزة والكرامة التي كان يمثلها الرنتيسي، ولا عجب، أليس هو عبد العزيز وله من اسمه أوفى نصيب؟!
أم أنها الدموع على أمة هانت على نفسها، فكانت على غيرها أهون؟.
ما زلت أذكر جرأته في الحق، وإيمانه الراسخ رسوخ الجبال، وهو يردد قول الله تعالى’ ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون’. يعجب المرء من الشعب الذي أنجب أمثال: يحيى عياش، فتحي الشقاقي، أبو على مصطفى غسان كنفاني، ناجي العلي، صلاح شحادة، أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل أبو شنب وغيرهم كثيرون، أن يكون حاله على هذه الصورة من الفرقة والتشرذم والاختلاف الذي يجعل منه لقمة سائغة لأعدائه.
أمير الشعراء شوقي شوقي له بيت جميل في قصيدة له في مدح النبي محمد صلوات الله عليه، يقول فيهٍا:
والشر إن تلقه بالخير ضقت به.. ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم إسرائيل هي التي زرعت الشر في المنطقة، باحتلالها الأرض العربية، على مرأى ومسمع من العالم الغربي المنافق، وتمادت في طغيانها بقتل الأطفال والنساء وحرقهم بقنابل الفسفور الابيض وغيرها من الأسلحة المحرمة دوليا، ولن يردعها عن غيها إلا بمقابلة غرورها بغرور مثله أو أشد.
القوة التي نرجوها لأمتنا لن تتحقق وهي على هذا النحو من الضعف والخزي والحرص على الحياة.
نتذكر الشهيد عبد العزيز الرنتيسي طبيب الأطفال الشاعر المرهف، الذي طلب الشهادة، وقال في إحدى مقابلاته باللغة الإنجليزية: الموت آت سواء بالسكتة القلبية أو بالأباتشي، وأنا أفضل الاباتشي. نتذكر الرنتيسي ونذكر به، ونترحم عليه، لأنه كان غاية في العزة، وغاية في القوة، وغاية في الكرامة، في زمن عزت فيه القوة، وغابت فيه العزة، وانعدمت فيه الكرامة.’ كاتب وصحافي مصري