المحسوم وغير المحسوم في معارك ‘التمكين’ من سلطات ومؤسسات الدولة

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياببدأت قوى عديدة تستنجد بالقوات المسلحة للعودة لتدير شؤون البلاد في ظروفها الصعبة والمعقدة. والسؤال الذي نطرحه على الإدارة المصرية الحالية، الممثلة في مكتب الإرشاد باعتباره الحاكم الفعلي للبلاد. من هو الذي أوصل هؤلاء إلى حد طلب تدخل المؤسسة العسكرية؟ والرد ببساطة هو حالة الاحتقان والإغلاق المحكم لكل الأبواب والطرق المؤدية إلى الحلول الممكنة، ويتحمل مكتب الإرشاد المسؤولية كاملة في هذا الشأن، وكلنا يعلم أن من بين تلك القوى من وقف ضد إدارة المجلس الأعلى للقوات المسلحة للمرحلة الانتقالية الأولى (فما زال المرشد يدير مرحلة انتقالية يبدو أنها سوف تتجدد إلى أن تنتهي عملية ‘تمكين’ الإخوان الجارية من مفاصل الدولة)، وهناك من يرى أن نار القوات المسلحة ولا جنة حكم المرشد!وقد تأثر الرأي العام كثيرا بهذا؛ قلقا على مستقبل مصر، ومما يمكن أن يترتب على اتساع العصيان المدني في بور سعيد ومدن القناة وطنطا والمحلة والمنصورة، وهذا العصيان لم يهز شعرة في رأس مسؤول، ولم يجد اهتماما يذكر من مكتب الإرشاد، وهذا كاشف لمستوى الفشل الذريع في إدارة الحكم والدولة، وأصبح المرء يشك في قدرة أصحاب القرار على التصرف السليم، ويمتد الشك إلى سلامة وصحة ما يحملون من مؤهلات علمية وأكاديمية عليا، فمثل تلك المؤهلات تمكن صاحبها أيا كان الموقف مما يحمل من فكر وما يعتنق من اراء وعقائد سياسية أو دينية أو اجتماعية؛ تمكنه من رصد الظواهر ومعرفة علتها والعمل على علاجها أو التخفيف من وطأة ما هو معقد منها.والمرشد العام يحمل درجة الدكتوراه في الطب البيطري، ومحمد مرسي يحمل نفس الدرجة في الهندسة، ومع ذلك وجد من السهل وصف العصيان بالبلطجة والخروج على القانون، وذلك في حواره مع عمرو الليثي على قناة ‘المحور’، وهذا تكرار لموقفه ضد بورسعيد في 26 يناير الماضي، وحلوله الأمنية القاصرة، وإعلانه حالة الطوارئ وحظر التجول في مدن القناة الثلاثة، ويعيد إلى الذهن تأييده للقتل والتعذيب على أسوار قصره وبداخله، وكنا ممن تصوروا أن أهل مرسي وعشيرته قد غسلوا أيديهم من ركام الدم الذي طبع حركتهم تاريخيا، ويتحمل مكتب الإرشاد وزر عودة ذلك التراث الدامي في مواجهة المخالفين والخصوم، ويتحمل المسؤولية السياسية والجنائية والأخلاقية عن دم أبرياء استشهدوا وأصيبوا عقب الإعلان الدستوري الباطل وذلك في مذبحة نوفمبر 2012، التي لطخت يد مرسي مبكرا بدم الثوار، ولم يكن قد مضى على وجوده في منصبه سوى أشهر قليلة، وجاء الدم نقطة فاصلة صدعت شرعيته وجعلت منصب الرئيس يبدو شاغرا في انتظار من يشغله.وزاد الشك في قدرة مرسي نفسه على إدارة شؤون البلاد، وهو ما سمح لمكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة بالتدخل ومراجعة حواره مع عمرو الليثي، وتم حذف الكثير منه قبل بثه، ولذلك تأخر ساعات ليذاع فجر اليوم التالي المقرر للبث، وما زال مكتب الإرشاد يعمل كجماعة سرية محظورة ومعزولة؛ لا يشعر بحجم وكم الرفض الزائد لحكمه.ونرى ونتابع مخطط تقويض أركان الدولة، وقد قطع مكتب الإرشاد شوطا كبيرا في هذا المضمار، وهو يحسبه نجاحا، منذ أن ادعى أن د. مرسي ‘أزاح العسكر عن الحكم بعد ستين عاما’ ومنحه قدرة شمشونية خارقة، وهو ما قال به القيادي الإخواني على عبد الفتاح واصفا قوة د. مرسي الإعجازية في إزاحة ‘العسكر’ وكان ذلك خلال محاضرة له بمسجد الهدى والنور فى مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة نهاية الشهر الماضي، قال: ‘عملوا للرئيس الفخ (يقصد المجلس الأعلى للقوات المسلحة) بتاع رفح بس هو استفاد منه وراح مطهر الجيش فحول المحنة لمنحة، فكان أسد وكان لوحده وماكانش معاه لا جيش تبعه، ولا حرس جمهوري تبعه، ولا مخابرات تبعه وقتها ربنا نصره’. وعلى الفور سعى مكتب الإرشاد لاحتواء الغضب الذي اندلع فور بث قناة ‘صدى البلد’ الفضائية لنص المحاضرة، وعقد حزب الحرية والعدالة اجتماعا درس إيقاف القيادي الإخواني للتخفيف من وقع التصريحات على الضباط والجنود، ومن جانبه بادر علي عبد الفتاح بحذف مقطع الشريط من حسابه الشخصي على شبكة التواصل الاجتماعي ‘فيسبوك’، وتنصل منه ونفى ما فيه.وعلى مستوى العمل الأمني؛ أفسح مكتب الإرشاد الطريق أمام المليشيات والجماعات الطائفية والمذهبية المسلحة لبدء جولة جديدة تعيد إلى الأذهان معارك تسعينات القرن الماضي، وكانت في مواجهة الشرطة، أما هذه المرة فإنها رديف للطائفية والمذهبية في مواجهة الشعب مباشرة، ولعب الاستعلاء الذي يمارسه مكتب الإرشاد دورا في إذكاء الصراع الجديد بصورة أسوأ مما كان إبان حكم الحزب الوطنى المنحل وهذا أعاد الشرعية إلى الشارع، مع الأخذ في الحسبان تطورات إقليمية ودولية محتملة قد لا تقبل بسياسات الإخوان المسلمين، فالعالم والعرب؛ بمن فيهم المصريون، قد لا يتحملون نظما طائفية أو مذهبية تكلفهم غاليا، ويكفيهم ما هو قائم في العراق والسعودية وليبيا والسودان، ومن المتوقع أن يقوم في سوريا، وهناك من يفضل أن تكون مصر تركيا أخرى، وهذا معاكس لهوى مكتب الإرشاد وتطلعه إلى أن تكون مصر ‘باكستان العرب’، وقاعدة خلافة مرتقبة. وقد لا يتمكن المرشد من استغلال القوات المسلحة في معركة كهذه، أو جعلها سندا للعنف الطائفي والمذهبي الدولي.وتضاف معركة القضاء إلى نجاحات مكتب الإرشاد، وتمكنه من الإجهاز على استقلاله، ولعبت دعايته السوداء دورا خطيرا في تشويهه، وبمساعدة جماعة ‘تيار الاستقلال’، التي تكونت قبل الثورة، ورأسها زكريا عبد العزيز، وانضوى فيها أحمد مكي وزير العدل الحالي، ومحمود الخضيري نائب رئيس نادي قضاة الإسكندرية الأسبق وعضو مجلس الشعب المنحل؛ لعبت دورا خطيرا في إضعاف السلطة القضائية، وبدوا خلايا إخوانية كانت نائمة؛ ضمت حسام الغرياني رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق، ورئيس الجمعية التأسيسية التي ‘سلقت’ الدستور الحالي بليل، ويمكن استثناء القاضي هشام البسطاويسي الذي لم يتورط في أفعال فاضحة سياسيا، كالتي تورط فيها ‘تيار الاستقلال’ بعد أن ظهر كخلايا يقظة ونشطة مع جماعة ‘قضاة من أجل مصر’، وحملتها الضارية ضد القضاة الذين رفضوا الإشراف على الاستفتاء، وضد نادي القضاة، وبررت حصار المحكمة الدستورية العليا وغضت الطرف عنه، وساندت تعيين نائب عام غير شرعي بقرار د. مرسي، وأغمضت عينها عن قضاة اتهموا بالتدخل لصالح تمرير الدستور المعيب أثناء إشرافهم على لجان الاستفتاء الأخير. وقد تكون معركة مكتب الإرشاد مع القضاة على أعتاب الحسم، بعد خفوت صوت القضاة وخروجهم من معادلة القوة السياسية. وبدت معركة مكتب الإرشاد ضد الأزهر سهلة، بتأثير مليشياته الألكترونية، وحملتها ضد المؤسسة الدينية العريقة، وشدها مذهبيا وطائفيا، وجاء رد الفعل في شكل تهديد من أعضاء في هيئة كبار العلماء بنقل الأزهر من مصر إلى بلد عربي آخر(!!)، وبعد أن كان الأزهر منارة للتقريب بين المذاهب الإسلامية أدخلته الضغوط إلى نفق الطائفية المظلم، وهو نفق دخله من قبل الشيخ يوسف القرضاوي بموقفه المناهض للمسلمين ‘الشيعة’، واعتبر مكتب الإرشاد بعمقه القطبي الوهابي أن إيران ‘الشيعية’ أخطر على المسلمين من الدولة الصهيونية(!!)، ومعنى هذا أنهم مع أي هجوم صهيوني وأمريكي غربي محتمل ضد إيران!!.وحقق مكتب الإرشاد نجاحات كبرى على صعيد وزارة الداخلية؛ وحولها إلى مجال حيوي أمني.. طائفي ومذهبي (مليشيا) لحركة الإخوان، وذلك فور إقالة وزير الداخلية السابق أحمد جمال الدين. وكان قد رفض تنفيذ تعليمات الرئاسة بإطلاق الرصاص الحي على المعتصمين أمام القصر الجمهوري (المعروف بقصر الاتحادية) في نوفمبر الماضي، وخروج جمال الدين أعاد الشرطة يدا باطشة في خدمة المليشيات المسلحة وفرق اغتيال الثوار حرة طليقة، وقناصتها عالية الاحتراف، وعاد التعذيب والسحل بدرجة فاقت ما كان يتم على يد زبانية حبيب العادلي وجمال مبارك وبلطجية رجال أعماله.وهناك جبهتان بدتا مستعصيتين.. الأولى جبهة الإعلام، ورغم حملات ‘شيطنة’ الإعلام الوطني ورموزه، ومساواته بإعلام الفلول، ونسي المرشد العام أن الإعلاميين الذين وصفهم بـ’سحرة فرعون’ هم الذين فتحوا أمام جماعته طريق الحكم، ويجد مكتب الإرشاد صعوبة بالغة في الانتصار في هذه المعركة. فالإعلاميون مجربون ومتمرسون وفدائيون، لم يرهبهم ‘سيف المعز’ السابق ولم يغرهم ‘ذهب الحاكم بأمره’ الراهن، ولا يخشون التحرش الجنسي السياسي، وقد خبروه مبكرا، ولو كانت المرحومة الصحافية الشابة نوال علي على قيد الحياة لأدلت بشهادتها، وكانت ضحية التحرش مع بدايات استخدامه كسلاح وضيع ومهين في ايار/مايو 2005، وقد عاد وزادت وتيرته تحت حكم المرشد، وفي عصره صار تحرشا جماعيا وممنهجا؛ تقوم به فرق منظمة؛ تبدأ مهمتها بحصار الضحية وعزلها ثم افتراسها تحت سمع وبصر وزير داخلية إخواني يرهب به النساء والرجال على حد سواء، ومع ذلك لم تغب الثورة عن الشارع، وتزداد اشتعالا يوما بعد يوم. والجبهة الثانية هي جبهة القوات المسلحة، ومع أنها كانت عند حسن الظن بها، في حفل التسليم والتسلم لـ’الرئيس’ المنتخب بما يليق واستقبلته بالتحية العسكرية الواجبة؛ ومعناها الولاء لرمز الدولة، ورأسها. ولم تُستقبل رسالتها هذه بما ينبغي، وجاء الرد عليها سريعا في أول مناسبة وكانت الاحتفال بذكرى اكتوبر الماضي؛ يوم فخر العسكرية العربية وليس المصرية فحسب. طاف مرسي في سيارة مكشوفة داخل استاد القاهرة دون رفقة القائد العام للقوات المسلحة صانعة معجزة اكتوبر العسكرية، إلى أن تسربت مؤخرا شائعة إقالة د. مرسي لوزير الدفاع الفريق أول عبدالفتاح السيسي ورئيس أركانه الفريق صبحي صدقي، وكان الشيخ محمد بديع قد سبق واتهم قيادات القوات المسلحة بالفساد، ثم تراجع عن اتهامه، ورفضت القوات المسلحة ذلك التحريض، وسارعت الرئاسة بالنفي، مع رسالة شكر من مرسي لوزير الدفاع على دور القوات المسلحة في تأمين مؤتمر قمة التعاون الإسلامي بعد انتهائه بأثني عشر يوما!!ومكتب الإرشاد وملحقاته في الرئاسة وفي حزب الحرية والعدالة وبين المليشيات المسلحة والألكترونية لن يتراجع عن موقفه في إضعاف المؤسسة العسكرية، كمؤسسة وطنية لها دور تاريخي واضح، وليس أمامها إلا أن تكون في حضن الشعب، ولا تقع في فخ من يزينون لها الانقلاب على الحكم، فالثورة عفية وقادرة على تصحيح المسارات المعوجة مهما كلفت من دم وجهد ومال، وبعد أن زالت غشاوة تجاوزات المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة المشير حسين طنطاوي والفريق سامي عنان؛ بعدها عاد شعار ‘الشعب والجيش يد واحدة’ منطلقا من بورسعيد والسويس والإسماعيلية وممتدا إلى باقي مصر بأسرها.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية