سهير بن عمارة بطلة فيلم ‘مانمتش’: لا أدري كيف ظهر هؤلاء الناس وهذه ليست تونس التي نتمناها

حجم الخط
0

التقتها فاطمة عطفة: فنانة تونسية مثقفة، تمتاز بأدائها العفوي وحضورها الجميل وصدقها الشفاف. وهي تؤكد أن رسالة الفن لا تتحقق إلا بالحرية. تحب البساطة والتفاهم والاحترام المتبادل في التعامل بين الناس، بعيدا عن الفوضى في الفكر والتصرف والعمل. وبقدر ما تحاول أن تنجح في أداء أدوارها التمثيلية، فهي تحترم تجربة جيل الرواد وتعمل على الاستفادة منهم وإغناء تجربتها الفنية. ومن يشاهدها على الشاشة أو يحادثها في الواقع يجد شخصية محببة ومنسجمة مع نفسها، فكرا وثقافة ومعاملة. وإذا كانت تنظر إلى النجاح في عملها باهتمام أكبر من أي شيء آخر، فهي تؤكد أن الفنان التونسي مشغول بإبداعه الفني، بعيدا عن أضواء النجوم. ‘ النجمة المحبوبة سهير، كنا التقينا للمرة الثانية في مهرجان أبو ظبي السينمائي مع عمل متميز سيبقى في ذاكرة السينما بالإضافة لتأثيره الإيجابي في هذه المرحلة التي نمر بها، وأنت ممثلة في هذا العمل، كيف بدأت مع هذا المخرج الكبير نوري أبو زيد؟ ‘ ‘المخرج أبو زيد شاهدني في أول ظهور لي على التلفاز واتصل بي وقال لي: لدي مشروع سينمائي وأتمنى أن تدخلي معي في مغامرة سينمائية، فقلت له أنا أتشرف، فنوري بو زيد مخرج تونسي معروف في العالم العربي وفي العالم أجمع وهو أستاذي. بدأت المشروع وكان اسمه ‘اسكت، عيب’! ولم يحصل على الدعم للأسف، وكانت لديه الفكرة الخاصة بهذا السيناريو الذي شاركته فيه جومين دو ماري، وهي سيناريست كانت قد كتبت الموضوع قصة طويلة فاقتبسها ليحولها إلى فيلم سينمائي، وكان من حسن حظي أن أتابع هذا العمل لحظة بلحظة، فكان كلما كتب شيئا من السيناريو يقول لي: اقرئي وأعطيني رأيك. فلم أكن أعطي رأيي من خلال شخصيتي، بل كنت حريصة على العمل بأكمله حرصا كبيرا؛ وكان هذا قبل الثورة. ثم جاءت الثورة فتأجل تصوير الفيلم، لأن الظروف في البلد تغيرت والأمن لم يكن مناسبا للتصوير، وتطورت الأحداث في تونس فدخلت قصة الثورة كشبكة نسجت عليها حكاية الفيلم. المشكلة أن هناك أشخاصا من الذين شاهدوا الفيلم لم يصدقوا أن مشاكل من هذا النوع ممكن أن تحدث لدينا في تونس. نحن لسنا قادرين أن نتحدث في مسائل فقهية أو موضوع الحجاب، هل هو فرض أو غير فرض.. لا، أبدا. الموضوع يتناول الحكاية من منظور اجتماعي ونفسي أكثر منه ديني. نحن في تونس مسلمون منذ قرون، ولكن لدينا تقاليد في اللباس ومجتمعنا من بعد الحرب العالمية الثانية انفتح على تجارب أخرى وعلى حكايات تحررية وتنويرية. فالإسلام لدينا عرف بالاعتدال، وعرفنا نوعية من اللباس معينة. الثورة، ماذا فعلت الثورة؟ كأن هناك قارورة مضغوطة وانفجرت فخرجت منها أشكال وأشخاص لديهم أفكار وآراء غريبة عن الواقع التونسي. كانوا موجودين بيننا، ولكن لم نكن نراهم. لكن بعد الثورة ظهروا في الشوارع ورأيناهم بكثرة. وبالنسبة لنا، وبعد أن استلموا الحكم، جعلونا نشعر أن هذه ليست تونس التي كنا نتمناها ونحلم بها’.’ لا شك أنها فرصة غالية عندما تجتمع رؤية ممثلة شابة ومثقفة مثلك مع رؤية مخرج قدير يمتاز بمكانة عالمية ويشترك الاثنان في صنع الفيلم، بدءا من السيناريو. هذا اللقاء مع مخرج وممثل من جيل الرواد، كم أثرى تجربتك السينمائية؟ ‘ ‘أنا كيف أرى المخرج نوري، الفنان والأستاذ، هذا من الصعب أن اختصره في كلمات. هو إنسان متقدم في بالسن ولديه تجربة كبيرة، وعاصر ثلاثة أجيال قبلي، لكنه ما زال يحمل روح الشباب في إبداعه المتجدد، وهو محافظ على شبابه ويراني من منظور أني شابة ولدي نوعا ما حكمة أشخاص كبار بالعمر، فكان التواصل بالأساس مبنيا على الثقة والتفاهم وتبادل الرأي، وقد أعطاني الحرية الكبيرة مثلا في أن أصور الشخصية في الفيلم بجوانبها النفسية والاجتماعية، الجوانية والظاهرية. فالمخرج نوري بالرغم من تجربته الغنية والكبيرة لا يشعرك بأنه صاحب سلطة عليك، ولا شك أن اجتماع العنصر الثقافي يثري العمل ويفرز شيئا جيدا بكل تأكيد، وأهم شيء أن يكون العمل متكاملا ومنسجما مع رؤيته ومقتنعا به’.’ بعد تقديمك لهذا العمل، هل تخافين أن تواجهي ردة فعل لدى الآخرين أم أنك لم تحسبي لهذا الأمر حسابا، وكان همك الوحيد أن تقدمي قناعاتك؟ ‘ ‘أنا منذ البداية أعرف الوضع في تونس كيف هو، وكنت متابعة بالرغم من الأحداث الواقعة فأنا محضرة روحي لكل شيء وحتى إن تعرضت للسب فإن الجهات التي تسب معروفة من هي، وسوف أرد بطريقة راقية فقط، لكني مدركة لرسالة الفن وأنا مقتنعة بالذي فعلته’.’ بالتاكيد العمل كان يفرض عليك أن تتعاملي مع الورق ومع رؤيتك وإحساسك، لكن هل فكرت أن تنزلي لوحدك إلى الأسواق وتتجولي بين الناس الفقراء وتلتقطي قصصا صغيرة ولمحات تغني تصورك للشخصية من حيث الرؤية والرؤيا معا، الفنية والتعبيرية؟’ ‘أنا هذا ما أفعله بفيلم أو من دون فيلم، فأنا أحب أن أكون من الناس وبين الناس، وكثيرا ما تجدينني أمشي في الشارع وأجلس في المقهى لوحدي ولا أخرج مع مجموعة، بل أحب أن أمشي لوحدي وأشاهد وأقرأ الوجوه والحركات وردود الأفعال، فأنا في حالة مشاهدة وتواصل دائم مع الشارع، إن كان لدي دور في عمل ما أم لا. وعندما يأتيني دور، أعرف من أين آتي به لأن ذاكرتي يكون فيها مخزون كبير وتجربتي وحياتي غنية، فأنا دوما على أهبة ولا أدع روحي لآخر لحظة. فمثلا، أنا تعجبني شخصية العبد بالفيلم والطفلة التي تلبس وشاحا وهي تعمل في مطعم وكنت ألاحقها كي أشاهدها’.’ هل تسجلين الملاحظات اليومية التي ترينها مهمة في حياتك أم أنك تعتمدين على ذاكرتك فقط، وكم هي مهمة قوة الذاكرة بالنسبة للممثل؟’ ‘لدي ذاكرة نظرية قوية جدا فأسجل كل شيء في ذاكرتي، بالإضافة لحواسي’.’ خلال فترة العمل، هل أثر عليك وضع الحجاب من الناحية النفسية، وهل الممثل يتقمص الشخصية ويبقى فيها بعض الوقت أم أنه يخرج منها عند انتهاء التصوير؟’ ‘نعم كثيرا ما يؤثر الدور على الممثل ما دام مشغولا به. وأنا كنت مستوعبة لشخصية عائشة، وعندما كان ينادي: يا عائشة امشي.. كنت أتلفت، وأنا تدربت على الشخصية على مراحل لأنها شخصية بعيدة عني كل البعد، ولا تشبهني. وهذا الأمر الذي أعتبره حاجزا يزيد لي في تجربتي أنا كممثلة، فعائشة تدربت عليها قليلا قليلا حتى برعت بها، وكما قلت لك عند وقت التصوير عندما ينادون عائشة أتلفت بشكل عفوي. وفي تصوري وتقدير كثير من المشاهدين أني نجحت في العبير عن هذه الشخصية، عائشة هي شخصية مركبة مليئة بالتناقضات، وأهم تناقض موجود بها أنها دوما تتراوح بين الرغبة والخوف’.’ ما هو جديدك بعد هذا الفيلم؟’ ‘لا يوجد عمل جديد لكن هناك سيناريو لشريط سينمائي قصير أعمل عليه، وهو يتناول حالة الإحباط التي عشناها’.’ أنت كيف ترين سهير من نظرتك كامرأة في هذه المجتمعات العربية وما يجري حاليا؟ هل ترين أنه لصالح المرأة ودورها في الحياة والمجتمع؟ وكيف نبني أنفسنا بطريقة أقوى وأفضل سواء إبداعيا أو من المجتمع نفسه؟’ ‘هي نقطة تحول كبيرة في التاريخ نحن نعيشها ولسنا فاهمين لها حتى الآن. نحن في وسطها، ولكننا جالسون نواكب الأحداث وهي سريعة والأمور تتغير، وربما تأتي في مصلحتنا وربما لا تأتي في مصلحتنا. وأنا أقول من موقعي كامراة: علي أن أدافع عن حريتي وشخصيتي ومبادئي وذاتي، هذا حقي بقدر ما هو واجب. وأهم شيء لو أردنا أن نلخص الأمر هو أن الناس الذين لم يتصالحوا مع أنفسهم ولم يفكروا بأن يجلسوا ويقولوا نحن نريد أن نعيش هكذا وهكذا. لكنهم تركوا الأمر فوضى أفكار وفوضى كبيرة من جميع النواحي. يجب على كل شخص أن يتصالح مع نفسه ويحدد طريقه ومبادئه وما الذي يريده. أنت إنسان، إلى أين تريد أن تصل؟ ولماذا لا تعبر عن نفسك بصدق وتحترم غيرك وتعامله بتفهم وصدق كما تحب أن يعاملك؟ وقتها تسوى الأزمات، مهما كانت كبيرة. وهنا لا نتكلم عن السياسة وحدها ولكن نتكلم عن الحالة الإنسانية والاجتماعية، عن الحياة كلها’.’ نجمة شابة وجميلة مثلك، هل يفرحك إشارة الغير إلى تألق نجوميتك أم تفرحين أكثر بالإشارة إلى أهمية عملك ونجاحه؟ ‘ ‘البارحة أوقفني شخص لا أعرفه وسألني أنت نجمة أو سينمائية، فقلت له أنا سينمائية فقال لي أنت إن شاء الله يكون لك مستقبل كبير، وأنت إنسانة محترمة جدا وتستحقين أن تكوني سينمائية متميزة. نحن في تونس ليس لدينا نجومية، وأنا كل ما يهمني هو العمل وقيمته ومن يقدمه وشهادة الناس، خاصة من المتفرج العادي. فالنقاد يتراوح النجم برأيهم حسب أعماله، والصحفي هذا النجم يعجبه والآخر لا يعجبه، لكن المتفرج العادي الذي يتقبل المشهد والفيلم بحواسه الفطرية، فهذا هو الذي يهمني رأيه. وأنا عندما خرجت من الفيلم عندها قال لي الناس لقد كنت مقنعة جدا وقد أبكيتني، هذا كله يزيدني ثقة في روحي’.’ كيف ترين المهرجانات السينمائية وتطورها بين موسم وآخر؟ ‘ ‘المهرجان الأخير كما رأيته في أبوظبي كان من حسن إلى أحسن، وليس لدي تعليق على التنظيم فهو في غاية الحرفية والروعة، وكذلك الترحيب والحفاوة والمعاملة الطيبة التي وجدناها كانت رائعة ولا يمكن أن تنسى. ومن خلال هذا اللقاء، أنا أحب أن أقدم لهم الشكر الكبير’. qmaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية