كـ ‘شعب ورئيس’

حجم الخط
0

عزت القمحاوي سواء خطط القائد لأخذ شعبه إلى حرب أو إلى صناديق الانتخاب، لا غنى عن تجسيد شكل التلاحم بينهما في صورة. وقد كان عبدالناصر أحد الظواهر العالمية واستثناءً عربيًا في العلاقة مع الجماهير حيًا وميتًا. لا يتحرك في مدينة حتى لا يبقى من أهلها أحد لم تجرفه الرغبة في مشاهدة الزعيم الذي لم تقتصر جماهيريته على المصريين. وكانت جنازته آخر تقارب جسدي تلقائي بين الشعب والزعيم؛ اكتمل قوس حياته الشخص بمشهد تدافع الجماهير نحو الجثمان، الأمر الذي جعل الزعماء المعزين يتوهون وسط الزحام. لكن موت الأصل لم يتهدد حياة الصورة التي تحولت إلى أيقونة عصية على التقليد.لم يستغن السادات عن الجماهير، لكن الحشد لم يكن تلقائيًا. دشن الرئيس الذي لا يحظى بالإجماع عصر الجماهير المنتقاه أمنيًا التي تصطف بانضباط على جانبي الطريق. ولم يلبث اغتياله أن ضاعف خوف السلطة ووضع النهاية لجمهورية الصفين.مع مبارك بدأت جمهورية الفراغ. يمضي الموكب المحروس جيدًا في شوارع تم إخلاؤها، وحل صفا الحرس على جانبي الطريق، وفي مرحلة لاحقة بدأ إخلاء البنايات بما فيها الشقق السكنية التي كان على أصحابها أن يتركوها أمانة في أيدي الحرس والقناصة الذين يطلون من الشبابيك والشرفات.ومع كل هذه الاحتياطات ترسبت من الجمهوريتين السابقتين عادة التلويح للجماهير. لسنوات أخذ مبارك يلوح لجمهور افتراضي غير موجود. لكن الحياة بلا شعب لا تطاق. كان لابد من اصطناع مناسبات قليلة تجمع الرئيس بالشعب، أو بالأحرى بنموذج صوري يُمثل دور الشعب. ومن تلك المناسبات احتفال احتفال عيد العمال في أول ايار/مايو من كل عام.يدخل الرئيس القاعة ملوحًا بيمناه للحشد الممعن في تمثيل الشعب؛ فمن يكون الشعب إن لم يكن العمال؟!تضج القاعة بالهتاف ويأخذ الرئيس مكانه على المنصة، هذا الاقتراب والانفتاح على مساحة المسرح يوجب رفع اليد الأخرى. يلوح الرئيس بذراعيه لتغمر تحيته القاعة من يمينها إلى اليسار، ثم يموج يديه باتجاه بعضهما البعض كمروحتين، إيذانًا بإغلاق باب المجاملة وفتح باب الهدوء ليبدأ كلمته. وهو بهذا يوفر لجماهيره الحبيبة جهودها للتصفيق الذي يجب أن يتتابع بين فقرة بليدة وأخرى غير بليغة.العمال المزيفون؛ رؤساء وأعضاء النقابات العمالية الذين حجزوا مواقعهم في الدرك الأسفل من النظام، استطاعت السلطة أن تجعل منهم ديكوراً وعبئاً على حقوق زملائهم، يعوضون بحرارة التصفيق في قاعة الاحتفال بطالتهم طوال العام، حيث يكون عرق الاحتفال الذي ينز من كروشهم ووجوههم، هو كل ما يربطهم بالطبقة التي كانوا ينتمون إليها.بسبب طول العشرة، في القاعة ذاتها، نشأت بين مبارك وممثلي العمال ألفة لا تخلو من هراش ومداعبة، كأن يتظاهر في الختام بنسيان أمر العلاوة التي يعلنها كل عام، فتنطلق أصوات من وسط القاعة: العلاوة يا ريس!ويشير إليهم الرئيس أن انتظروا، ويكمل في موضوعات السياسة الخارجية والداخلية، إلى أن تبلغ الإثارة مداها فيستجيب لما يطلبه الجمهور/الشعب ويعلن قرار العلاوة. في احتفالات 2009 كان أصحاب الأيدي الناعمة من مغتصبي تمثيل العمال يأملون في تصفيقة الختام التي تزف خبر إعلان العلاوة السنوية في الراتب. لكن الرئيس لم يختم كالمعتاد، لكن الرئيس خذلهم وبدلاً من إعلان القرار باح بحميمية مؤثرة للعمال، كيف يقاتل لاستخلاص علاوة لهم، حاملاً على رجال المال الذين يجب أن يكفوا عن ‘الفشخرة’ والإنفاق المبالغ فيه!حتى يوم الإجازة لم يتحصل عليه العمال في سابقة أولى من نوعها، وصار واضحًا أن مصالح رجال الأعمال هي التي تحكم، وقد تأكد هذا في آخر ثرثراته مع العمال في احتفالات 2010 عندما تحدث عن الحاجة إلى تشريعات عمالية تحفظ للعمال حقوقهم.انعدام الفعالية في السياسة الخارجية صبغ العقدين الأخيرين من حكم مبارك، وظهر في خطاب مفرداته (النصح، الأمل، الاقتراح) نصحنا صدام بكذا، أو نصحنا الفلسطينيين، أو وعدنا الإسرائيليون…إلى آخر هذا القاموس. وقد كان آخر احتفالين بعيد العمال تأكيدًا على تمدد العجز ليشمل الأوضاع الداخلية.اكتفى الرئيس بدور الوسيط بين العامل وصاحب العمل، ولكن من لا يملك قراره لا يضمن بقاءه. وبعد آخر تمثيليات الزعامة مع مغتصبي تمثيل العمال كان اللقاء مع مغتصبي تمثيل الشعب كله في افتتاح البرلمان المزور، بعد ذلك لم ير المصريون صور مبارك (الرئيس) إلا وحيدًا في بيانات ما قبل بيان التنحي الذي ألقاه عمر سليمان.وعلى الرغم من السرعة التي هتف بها المصريون ضد حكم المجلس العسكري لشئون البلاد، أزاح المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس بشكل خاطف ستائر النسيان عن سلوك التلاحم مع الجماهير. كانت صدمة مزدوجة للشارع الغاضب أن يرى القائد العسكري في شوارع وسط القاهرة وببدلة مدنية للمرة الأولى في سبتمبر 2011، الأمر الذي أثار شكوكًا بشأن نوايا تسليم السلطة لرئيس مدني. بالطبع كانت الجولة تسللاً وتضمنت مصافحات لأصحاب المحال كالتي يمكن أن يقوم بها رئيس حي، ولا تمت بصلة لحركة عبدالناصر بين الجموع الهادرة. وقد مرت الجولة الخاطفة بسلام، لكن الشباب خرجوا في أول مظاهرة بعدها بهتاف يلخص أزمة التلاعب بالثورة: ‘يلبس بدلة، يلبس بوكسر..يسقط يسقط حكم العسكر’. وكان ما كان من أمر الطبخة التي انتهت بانتخاب الإخواني محمد مرسي رئيسًا. وقد أعطى في أول أيامه انطباعًا بعودة التلاحم بين الرئيس والشعب. في خطابه بميدان التحرير عقب الفوز، وقف على المنصة وسط الحشد، وفي حركة استعراضية فتح دفتي الجاكت معلنًا أنه لا يرتدي قميصًا واقيًا من الرصاص. هل فطن في تلك اللحظة إلى المحاكاة الكاريكاتيرية لصورة عبد الناصر في ميدان المنشية؟لم يكن تحدي رصاصة مفترضة وسط طوق إخواني وأمني اختبارًا يساوي ثبات عبدالناصر في مواجهة رصاصة انطلقت بالفعل مستهدفة حياته. وهذا ما يجعل لحظة عبدالناصر خالدة في التاريخ بينما انطوت لقطة مرسي بسرعة غير عادية.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية