الامبريالية وتفتيت العالم
الامبريالية وتفتيت العالم افتتح القرن الحادي والعشرين علي مشهد مرعب من التفتت والتشظي للدول القائمة، وشبيه بهذا المشهد مشهد سابق حدث عند افتتاح القرن الماضي. ففي بداية القرن العشرين انهارت امبراطوريات ودول ضخمة كالدولة العثمانية، والامبراطورية النمساوية المجرية، وتأخر مصير الدولة القيصرية الروسية عن اللحاق بركب التفتت هذا الي نهاية ذلك القــــــرن بفضل الثورة البلشفية وحدها، كما قسم شرق المتوسط الي دول صغيرة، واستكملت الامبريالية هذا التفتيت بعد الحرب العالمية الثانية عبر تفتيت شبه القارة الهندية علي اسس دينية. كانت الدول سابقة الذكر، الروسية، والنمساوية المجرية، والعثمانية دول متعددة القوميات وداخلها درجة لا بأس بها من التعايش بين الاقوام والقوميات والاديان والجماعات المشكلة لها. وقد افسح انهيارها – تأخر انهيار الدولة الروسية قرنا كاملا بسبب الثورة البلشفية كما ذكرنا – افسح المجال ظاهرياً لصعود ما يسمي بالدول القومية، لكن النظرة الفاحصة المدققة تلاحظ علي الفور ان هذه الدول القومية المزعومة التي نجمت عن انهيار الدول الكبيرة اندمجت بالنظام الرأسمالي العالمي، بل اذا اردنا الدقة نقول ان الامبريالية قد التهمتها فتحولت الي ملحقات صغيرة بالمراكز الامبريالية سواء بشكل استعماري مباشر كحال شرق المتوسط بعد انهيار الدولة العثمانية وتقاسمها باتفاقية سايكس بيكو، او بشكل غير مباشر كما حل بدول البلقان واليونان وتركيا. ونفس الامر لاحظناه عند استقلال القوميات المكونة للاتحاد السوفييتي في جمهوريات مستقلة فقد ارتهنت هذه الجمهوريات المستقلة للامبريالية عامة والامريكية منها بشكل خاص، حيث يمكننا اليوم ملاحظة شبكة قواعد عسكرية امتدت وما زالت تتمدد في الفضاء السوفييتي السابق سواء في شرق اوروبا ام في الدول المستقلة عنه هذا عدا عن ارتهان هذه الدول للاحتكارات الاقتصادية الغربية. اما في نسخة الاعادة التفتيتية التي نلاحظها اليوم – بداية القرن الحالي – فان التفتيت يتم تحت شعارات مختلفة، قومية، او دينية، او مذهبية، او قبلية، او مناطقية. ان كل اختلاف او تمايز افرزته الحياة في مجتمع من المجتمعات يصلح ان يكون شعارا للتمزيق والتفتيت اذا استلزمت ذلك مصالح امبريالية فسرعان ما يتم تلقفه من سادة النظام الدولي ويتم تأليف قصة درامية حوله من مواد محلية وتسخر لها ميديا هائلة واموال لشراء نخب متواطئة مع مشروع التفتيت ! ان ما يجري في العراق من مشاريع فيدرالية وانفصالية يعبر عن جوهر الامبريالية القائم علي التفتيت والتذرية وصولاً الي خلق الفرد الذراتي الذي يسبح في سديم لا تربطه اي صلة به، فيصرح وحيداً مستوحشاً من هذا العالم المرعب الذي يحيط به. واذا قدر لهذا المشروع ان يمر – وهو لن يمر بفضل المقاومة – فستحل كارثة الكوارث علي البشرية، لان الانسان سيرتد الي عصر ما قبل الاجتماع البشري حين كان فرداً هائماً عارياً كالوحوش في الغابات، مع افضلية للوحوش عليه لانها تعيش ضمن جماعات اما هو فسيكون فرداً، ذرة، هائماً في غابات الاسمنت. د. ثائر دوريرسالة علي البريد الالكتروني6