د. نادية سعد الدين عُلقت المصالحة الفلسطينية لما بعد زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما المرتقبة للأراضي المحتلة، ضمن جولة له بالمنطقة، الشهر الجاري، أسوة بالخطوات اللاحقة للمسعى الأممي، في ارتهان جديد للخارج بعيداً عن الإرادة الوطنية الحقيقية لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة. هذا الإرجاء الأخير، الذي جاء على خلفية عدم حسم قضايا خلافية أساسية في قانون انتخاب المجلس الوطني وعدم تحديد موعد لتشكيل الحكومة وإجراء الانتخابات خلال لقاء الإطار القيادي لتفعيل وتطوير منظمة التحرير الذي عقد يومي 8 و9 من شهر شباط (فبراير) الماضي في القاهرة، تسبب في إنهاء جولة جديدة من حوار المصالحة بدون حدوث اختراق فعلي في ملفاتها، الذي أجلّ بحثها إلى نهاية الشهر الجاري، بينما قد يمتد التنفيذ لوقت زمني آخر.وما يجري حالياً من اجتماعات متقطعة، سواء في القاهرة أم في الأراضي المحتلة، لبعض لجان المصالحة، مثل لجنتا الانتخابات المركزية والحريات، لا يوحي بأكثر مما يهدف إليه أساساً، وهو الإبقاء على عجلة عملية المصالحة دائرة، كما العملية السلمية، بانتظار ما ستسفر عنه الأحداث والمتغيرات الجارية في المنطقة.وبرغم أن تلك المتغيرات كانت نفسها قد شكلت دافعاً قوياً لحركتي فتح وحماس، وفق منظور كل منهما، نحو جلسة حوار القاهرة الأخيرة، بحضور القوى والفصائل الفلسطينية، على غرار مفاعيل التوجه إلى اتفاق المصالحة في أيار (مايو) 2011 في القاهرة، في ظل الثورات العربية والأحداث الجارية بالمنطقة والقيادة المصرية الجديدة وضغط الشارع الفلسطيني وأجواء انتصار المقاومة على عدوان الاحتلال الأخير ضد قطاع غزة، وتحقيق المكسب الدبلوماسي السياسي، في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، بنيل فلسطين صفة ‘دولة مراقب’ غير عضو في الأمم المتحدة، والخطوات الايجابية اللاحقة في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، مثل إطلاق سراح بعض المعتقلين وتخفيف حدّة التراشق الإعلامي، والسماح بتنظيم مهرجات الانطلاقة لفتح وحماس، والاتفاق على عمل لجان الحريات والمصالحة المجتمعية، وعودة لجنة الانتخابات المركزية إلى قطاع غزة مجدداً، وسط عدوان الاحتلال المتواصل ضد الشعب الفلسطيني ونواتج انتخابات البرلمان الإسرائيلي ‘الكنيست’، التي جرت في 22 كانون الثاني (يناير) الماضي وأفرزت توليفة عنصرية متشددة ستعكس نفسها في حكومة إسرائيلية قادمة أكثر غلواً وتطرفاً وتمدداً استيطانياً وانسداداً للأفق السياسي وتقويضاً لحل الدولتين حدّ تلاشيه.إلا أن محددات المصالحة، وفي مقدمتها ‘الفيتو’ الأمريكي الإسرائيلي ما لم تتوافق مع شروط إحياء العملية السلمية واستئناف المفاوضات، ما تزال تشكل قوة ضغط غير متوازن مع العوامل الدافعة لإنجاحها والأخذ باتجاهها. وقد أسهمت تلك المحددات، إلى جانب غياب الإرادة الحقيقية للمصالحة، في إنهاء حوار القاهرة الأخير، أسوة بسلسلة الحوارات السابقة، بدون نتائج ملموسة، وسط اتهامات متبادلة بين الحركتين بإفشال التقدم في حوار المصالحة. وقد دللت مسألة تأجيل بحث ملفات الانتخابات وتشكيل الحكومة والمجلس الوطني على عدم جدية الطرفين في المصالحة. فمن جانب؛ غاب العنصر الإسرائيلي، الذي يلعب دوراً مهماً في تعميق الانقسام وعدم حله، عن دائرة النقاش، رغم سيطرته على ثلاثة ملفات على الأقل من ملفات المصالحة وهي الحكومة والأمن والانتخابات، وقدرته على تعطيلها وإفشالها، بسبب استفادته من استمرار الانقسام لمتابعة مشروعه الاستيطاني التهويدي في فلسطين المحتلة، والذي مكنّه حتى الآن من قضمّ زهاء 80′ من مساحة الضفة الغربية، مبقياً أقل من 20′ فقط للفلسطينيين، تعادل 12′ من فلسطين التاريخية، فيما تمتد ‘البقعة’ الخارجة عن يدّه المحتلة ضمن ثمانية ‘كانتونات’ غير متصلة جغرافياً، لتشكل، مع مساحة قطاع غزة، قوام الكيان الفلسطيني المستقبلي، وفق الرؤية الإسرائيلية، الذي لا يخرج بالنسبة إليها عن إطار حكم ذاتي معني بالشؤون المدنية للسكان، باستثناء السيادة والأمن الموكولين إليه.ومن الجانب الآخر، أعطى هذا التأجيل حتى نهاية الشهر الجاري، أي إلى حين معرفة نتائج زيارة أوباما، مؤشراً قوياً، بالنسبة للبعض، على استمرار تعويل السلطة الفلسطينية على مسار التفاوض باعتباره خياراً استراتيجياً أوحداً يجبُّ ما عداه من البدائل الأخرى، برغم تجريبه 20 عاماً بدون تحقيق أي تقدم على صعيد الحقوق الفلسطينية، بما يجعل المصالحة رهينة الخارج وليس شأناً داخلياً، سواء جرى تقديمها كقربان شرعية لمسار التفاوض في حال نجاح الزيارة باستئنافه، أم تم التجاوز عنها رضوخاً لمطلب واشنطن، أو نتيجة فشل الزيارة.بينما لا تشي المؤشرات الراهنة عن امتلاك الإدارة الأمريكية لخطة واضحة لحل الصراع، وإنما إدارته فقط، على غرار نواتج الولاية الرئاسية الأولى لأوباما التي اتسمت بالانحياز المفتوح للكيان الإسرائيلي وفشل الضغط عليه لوقف الاستيطان مقابل الضغط على السلطة لاستئناف المفاوضات بدون شروط مسبقة، أي بدون وقف الاستيطان والالتزام بمرجعية حدود العام 1967 والإفراج عن الأسرى، وهي متطلبات فلسطينية للعودة إلى التفاوض.بل إن الإدارة الأمريكية نفسها قللت من حجم التوقعات المرشحة عن زيارة أوباما على صعيد العملية السلمية، في ظل محاذير الضغط الأمريكي على الجانب الفلسطيني للقبول بصيغة ‘ما’ على قاعدة ما يسمى إجــــراءات حسن النية وبناء الثقة من خلال الانسحاب من بعض المناطق وتسليمها للسلطة وتخفيف بعض الإجراءات على الحواجز وتحديد زمني للتفاوض والإفراج عن بعض الأسرى، في محاولة للالتــــفاف على جريمة الاحتلال الأخيرة بقتل الأسير عرفات جرادات الذي استشهد نتيجة التعذيب أثناء التحقيق في أحد سجون الاحتلال وما أحدثه من هبة جماهيرية غاضبة للمطالبة بتحقيق دولي ومحاكمة الاحتلال على جريمته والإفراج عن الأسرى، بخاصة المضربين منهم عن الطعام منذ فترة طويلة وأولئك الذين أعيد اعتقالهم، وفق قانون عسكري إسرائيلي، بعد تحررهم في إطار ‘صفقة التبادل’ التي تمت، عام 2011، بين حماس وسلطات الاحتلال عبر الوساطة والرعاية المصرية.وفي المحصلة، فمهما اختلفت عناوين استئناف التفاوض وصيغه، إلا أنها ستدخل السلطة مجدداً في دائرة مساره المغلقة التي لن تولد سوى تعميق المأزق الراهن، ولكنها ستسمح للاحتلال بالإفلات من ضغط اللحظة وعدم الالتزام بشيء خلا ما تجسده يدّه المحتلة من تبديد أوهام رغبته بالسلام، وإغلاق الأفق السياسي، واستلاب الأرض والتاريخ معاً، طالما بقي نمط لقاءات المصالحة اللامتناهية هو السائد من دون الاتفاق على استراتيجية وطنية موحدة لترتيب البيت الداخلي ومواجهة عدوان الاحتلال المتواصل ضد الشعب الفلسطيني.’ صحفية وباحثة من الأردنqmdqpt