تعيش الامة العربية هذه الايام مرحلة من أدق المراحل التي مرت بها خلال مسيرتها التاريخية الطويلة وهو ما يجعلنا بحاجة ملحة الى نخبة عربية واعية لمتطلبات المرحلة وواعية لمسؤولياتها القومية ومستعدة لتحمل تلك المسؤوليات من نشر للوعي بين صفوف الجماهير بهدف تاطيرها وتوجيهها حتى تستوعب خطورة ما يخطط لهذه الامة من مؤامرات تهدد كيانها، والمسؤولية هنا تقع في الدرجة الاولى على القوى القومية دون غيرها لأنها وحدها المؤهلة للقيام بهذه المسؤولية لكونها صاحبة المصلحة وهي القادرة على قيادة الجماهير نحو التقدم والوحدة ومواجة مخططات الاعداء الهادفة الى تمزيق الامة بهدف السيطرة على ثرواتها، ان الامة في حاجة هذه الايام الى حراك شعبي قوي يؤسس لبعث الخط القومي، الذي يجعل في مقدمة اهتماماته النضال من اجل الاستقلال الوطني والعدالة الاجتماعية وإعادة بناء تحالف يعيد السلطة للشعب ويرسخ المبادئ القومية واليسارية والليبرالية الاجتماعية ويرد الاعتبار لمبادئ القومية العربية، ليس بدواعي تصحيح المسار فقط وإنما أيضا من أجل المستقبل. ولأننا وبعد سنتين من الحراك العربي أو ما يسميه الغرب بـ’الربيع العربي’ وهو حراك شعبي قوي قاده شباب يطمح إلى الحياة الكريمة المتمثلة في توفير فرص العمل وسيطرة الشعب على مقاليد السلطة التي علق عليها آمالا كبيرة واعتبرها الكثيرون ثورة لا بد أن تغير الأنظمة القائمة، بغية تمكن الشعب العربي من التحكم في أموره من خلال الممارسة الديمقراطية التي- إن تمت- لا بد وأن تحدث نقلة نوعية في الوطن العربي من حيث ممارسة السلطة وتسخير الثروات العربية لخدمة الشعب وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتمكن كذلك من نقلة نوعية للعمل العربي المشترك، تؤدي إلى تحرير الأرض المحتلة في فلسطين وسورية ولبنان.ورغم هذه الآمال العريضة، فإنه- وللأسف الشديد- سرعان ما خابت آمال الشعوب العربية، سواء منها من كان له الفضل في إحداث هذه التغيرات أو من تابعها آملا منها الخير لوطننا العربي الذي ما زال يعيش على هامش ما يحدث من نهضة علمية واجتماعية في العالم، ناهيك عن الممارسة الديمقراطية التي لم يعد من الممكن لأي شعب التقدم من دونها وهي الغائب الأكبر في وطننا العربي .واليوم، وبعد أن تغيرت بعض الأنظمة التي كانت تحكم في عدة أقطار عربية ومن ضمنها أكبر دولة عربية مصر، نلاحظ أن الأمور في هذه الدول تسير نحو الأسوأ من حيث الوضع الاقتصادي وغياب الممارسة الديمقراطية، حيث أن الأنظمة الجديدة أصبحت أكثر تسلطا من تلك التي كانت قائمة، ولأن الهم الوحيد للحكام العرب الجدد هو تصفية ما تبقى من قوى الممانعة غير مهتمين بكون العدو: إسرائيل ما زلت تحتل ارضنا، اننا لم نعد نسمع كلمة واحدة عن قضية العرب المركزية: قضية فلسطين التي تم إعداد خطة غربية ذكية لإنهائها من خلال الإطاحة بالأنظمة التي تدعمها أو يمكن أن تدعمها وإشغال المواطن العربي بأمور لا يمكن أن تؤدي إثارتها إلا إلى المزيد من التمزق كسني وشيعي ومسيحي وعلوي الي غيرها من المصطلحات التي كنا نظن ان الانسان العربي تجاوزها منذ فترة طويلة. ان هذا الاحياء للطائفة المذهبية والعرقية وحتى القبلية لإشغال الشعب العربي في امور لا يمكن ان تؤدي به إلا الى مزيد من التخلف كانت نتيجــــتها ما نشاهده اليوم من تدمير للبنى التحتية وتسليح لقوى الإرهاب وضرب قوى المقــاومة في سورية ولبنان، حتـــــى من طرف الأنظمة التي كان عليها أن تسموا إلى مستوى الاهتمامات الكبرى للأمة مـــع أننا ندرك أن من يحكمونها ليسوا هم من أحدث التغيير، لكن باستلامهم للسلطة كان عليهم إشراك القوى التي أحدثت التغيير الذي استغل من طرف الغرب ليجيء بهذه الأنظمة الجديدة التي أصبح الجميع يدرك علاقاتها القديمة- الجديدة بالقوى الاستعمارية التي لا سعي لها سوى التحكم في الثروات العربية وهو ما تم لها.لقد كانت مصر قلب العروبة النابض وما زالت تمثل وجهة للجماهير العربية، خاصة وأن شعبها قام بثورة حضارية أثبتت وعيه وقدرته على مواجهة الأحداث بما يخدم مصالح الأمة.هذه المؤامرة لن تتوقف عند البلدان التي اشتعلت فيها النيران حتى الآن بل ستطال الجميع خاصة الدول التي لديها إمكانيات اقتصادية أو ثروات طبيعية مهمة. لأن الأمر يتعلق بـ’سايكس بيكو’ جديد تتم فيها إعادة تشكيل خريطة المنطقة بما يخدم اللاعبين الرئيسيين: الدول الغربية والعثمانيين الجدد.وعليه فإن الإنسان العربي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بإدراك هذه الحقائق والعمل على إفشال هذا المخطط التآمري الخطير. الكوري ولد احميتي – نواكشوطqmn