د. فوزي الأسمر من المفروض أن يكون وزير الخارجية الأمريكي الجديد، جون كيري، أحد الدبلوماسيين الأمريكيين الذين يتمتعون بفهم عميق لقضايا منطقة الشرق الأوسط. بل ذهب البعض إلى القول أن تجربته خلال سنوات عمله تؤهله لأن يلقب بالشخص الذي يفهم عادات وتقاليد وحتى أفكار شعوب المنطقة. وكما له تجارب مع قادة وشخصيات مهمة فيها، في مقدمتهم الرئيس السوري بشّار الأسد، حيث كتبت الصحف أنه في أكثر من مرة أثناء زيارته لسورية خرج هو وزوجته مع الرئيس الأسد وزوجته للعشاء، وهذا معناه أنه يربطهما عامل صداقة شخصي. ولكن تبين أن هناك فرقا بين التعارف الدبلوماسي والسياسي وبين معرفة حقيقة ما يدور في الشارع الشعبي، وما يتطلع لتحقيقه هذا الشارع. فالمعلومات التي يطلع عليها الدبلوماسيون، ويبنون طريقة تفكيرهم وإستراتيجيتهم على أساسها، مأخوذة بأغلبيتها الساحقة من تقارير مخابراتية، يعتمد قسم منها على أخبار جواسيس تنشرها وكالات المخابرات بين الناس لجمع المعلومات، وفي كثير من الأحيان لا تكون هذه المعلومات دقيقة ومعتمدة.وهذا ليس سرا فقد تحدثت عنه مؤخرا وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، أثناء الشهادة التي قدمتها في الكونغرس بشأن مقتل السفير الأمريكي في بنغازي. وقصة مقتل السفير هذه هي آخر قصة تبرهن على ما تقدمنا به. فالمعلومات التي كانت متوفرة، على ما يبدو، تشير إلى أن هناك غليان في الشارع الليبي ولكن ليس لدرجة قتل سفير أكبر دولة.وما حدث لوزير الخارجية كيري أثناء زيارته الأخيرة لمصر، كان نموذجا آخرا. فقد رفض قادة ‘جبهة الإنقاذ الوطني’ مقابلة الوزير الأمريكي، ولم ويكتفوا بذلك بل وجهوا له الإتهامات بأنه يتدخل في شؤونهم الداخلية.وتقول صحيفة ‘كريستيان سينس مونتور’ التي أوردت هذا الخبر (4/3/2013) أن جون كيري تلقى خلال زيارته الأخيرة لمصر (2/3/2013) ‘توبيخات قاسية’ من جانب أحزاب المعارضة الليبرالية المصرية التي ترى في الولايات المتحدة ‘حليفا’ للحركة الإسلامية المصرية’. وكان الوزير كيري قد أثار حفيظة المعارضة المصرية بعد أن كال في مؤتمر صحفي المديح إلى حكومة الرئيس المصري محمد مرسي وعلى الرئيس نفسه، لأنه سمح لمراقبين دوليين مراقبة الإنتخابات البرلمانية والتي من المقرر أن تجري في مصر شهر نيسان (أبريل) القادم، الشيء الذي إعتبرته المعارضة دعما لحزب مرسي في الإنتخابات، وأن هذه الإنتخابات حكم عليها بالنزاهة قبل أن تجري، وموقف كهذا هو تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد. والواقع أن تصرفات أمريكا مع مصر أثارت الكثير من التحفظات، وفرضت موقفا يعبر عن إهانة وليس فيه حسن نية. مثلا في أعقاب ثورة 25 كانون الثاني (يناير) قررت الولايات المتحدة منح مصر مبلغ مليار دولار لتعزيز الحكومة المصرية ورئيسها مرسي. ولكن في تلك الفترة لم تكن الأمور واضحة بالنسبة لتصرفات نظام مرسي مع إسرائيل، حيث كانت هناك شكوك معينة بالنسبة لمستقبل العلاقات. وتحت ضغط اللوبي ألإسرائيلي قرر الكونغرس الأمريكي تأجيل صرف المبلغ.ولكن كيري بزيارته الأخيرة أعلن أن الولايات المتحدة ستقدم 190 مليون دولار كدفعة أولى من أصل مليار دولار، و60 مليون دولار لتطوير مبادرات، دون تحديد نوعية هذه المبادرات، وهو مبلغ ضئيل جدا، مما أثار فضول الكثيرين الذين تساءلوا: لماذا تحصل إسرائيل على كل أموال المساعدات التي تقدم لها (حوالي 3 مليار دولار) دفعة واحدة؟ (هآرتص 4/3/2013 ).والعلاقة بين الإخوان في مصر وبين الولايات المتحدة علاقة قديمة ومستمرة وكتب عنها الكثير. ولكن وقع تحت يدي مقال قديم (نسبيا) يشير إلى التعاون القائم بين نظام محمد مرسي وبين الولايات المتحدة عنوان المقال: ‘وورلد تربيون (صحيفة أمريكية): أسلحة أمريكية تحمي نظاما إسلاميا في مصر’ (21/8/2012 ). تقول الصحيفه أنه صدرت أوامر للجيش المصري بالدفاع عن النظام الإسلامي الجديد في مصر بقيادة الرئيس محمد مرسي. وتضيف الصحيفة: ‘إن الحرس الجمهوري المكلف بحماية النظام، قد أصدر أوامر بتفريق المتظاهرين وإجبارهم على مغادرة محيط قصر الإتحادية بحلول الساعة الثالثة عصرا’. ورحلة الإستكشاف هذه بدأت تظهر رويدا رويدا بأنها أوسع من إستكشاف. فعندما تقررت الزيارة واكبتها حملة إعلامية تقول أن هدف الرئيس أوباما هو الإستماع لوجهات النظر، وأنه لا يحمل أية مشاريع في جعبته. ولكن اليوم يتحدثون في واشنطن بصراحة عن مشاريع جديدة. وفي البداية قيل أن أوباما سيزور إسرائيل والأراضي الفلسطينية، ولكن سرعان ما أصبحت جولة لدى أصدقاء أمريكا في المنطقة دون أن يقال أن الرئيس سيزور هذه الدول، ولكن بلا شك هناك تنسيق دائر بين هذه الدول وبين الولايات المتحدة.إذن إنها ليست رحلة إستكشاف، بل رحلة تنفيذ مخططات مرسومة. فعلى ما يبدو فإن الرئيس الأمريكي أوباما سيصل إلى المنطقة وهو يحمل الجزرة والعصا، إذ لا يستطيع أن يسمح لنفسه بفشل جديد، لأن ذلك معناه تحطيم صورته التاريخية.والسؤال هو مدى مقدرة أوباما تنفيذ المخططات التي يحملها؟ الأمور في المنطقة معقدة لدرجة أن تنفيذها يحتاج إلى، ليس فقط مقدرة إقناع، بل إلى شجاعة إجبار الأطراف قبول مواقفه. وهذا في رأيي لن يحدث. كاتب فلسطينيqmdqpt