صاحب الجسد الصلب يهزمه السرطان: تشافيز ناقد السياسة الامريكية ونصير المحرومين والفقراء يرحل تاركا وراءه ثورة لم تكتمل

حجم الخط
0

اعداد ابراهيم درويشلندن ـ ‘القدس العربي’ ـ اعداد ابراهيم درويش: وغو تشافيز (1954-2013) الرئيس الفنزويلي الذي هزمه مرض السرطان مات مثل بطله سيمون بوليفار شابا لم يكمل مثله الثورة. طلب في انتخابات العام الماضي 30 عاما اخرى كي يجذر احلام الثورة البوليفارية، ويؤكد مشروعه الاجتماعي في تحويل ثروة البلاد النفطية نحو القطاعات المحرومة من الشعب واستثمارها في التعليم والصحة ومساعدة الفقراء، اعطاه الشعب التفويض، لكن الحياة او القدر حرمه من الحلم، ليكمل في ذلك. في رحلة تشافيز الى المجد ملمح رومانسي عن ولد فقير ولد في بلدة سابانيتا- اقليم باريناس غرب البلاد، لوالدين عملا معلمين، احب القراءة وروبنسون كروزو لكن ادمانه لعبة البيسبول قاده للتسجيل في الكلية العسكرية في سن السابعة عشرة. وكضابط شاب شعر بالخيبة والغضب على النظام، وكما قال لاحقا فقد ادى به فساد النظام وانتهاكات حقوق الانسان للتعاطف مع الجماعات المسلحة التي كانت من المفترض ان يقاتلها اكثر من تعاطفه مع قادته. ومن خلال شقيقه الاستاذ الجامعي ذي الافكار الراديكالية استطاع الاتصال مع العصابات المسلحة التي سيتآمر معها لاحقا للاعلان عن ثورته. وفي نفس القصة حكاية عن الولد الذي تربى في حجر جدته التي غرست فيه قصص الماضي والحكايات الشعبية، وفيها عن ولد احب الرسم والغناء وحلم بان يكون جنديا، حيث دخل الجيش وقاد في عام 1992 انقلابا فاشلا خرج منه ليدخل معترك السياسة ويفوز بالانتخابات وليتسيد المشهد الفنزويلي والعالمي مدة اربعة عشر عاما. تشافيز الذي وصفه الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز بالرجل الذي يملك جسدا من اسمنت صلب، كان من المفترض ان ينتهي نهاية مدوية اما بالسقوط او الانتصار، اي تحقيق احلام ثورته لكنه مات نهاية سريالية تناقض الصوت المدوي، فالرجل الذي كان حاضرا بصوته وجسده وقبعته الحمراء اختفى منذ نهاية العام الماضي للعلاج في كوبا وعاد ولم يره احد منذ شهرين، وينتهي جسدا هامدا، على سرير المرض في المستشفى العسكري في كاراكاس، لا شيء حوله الا الصمت وهو الذي كان في قلب الحياة وصخبها، عارضا وراقصا ومغنيا، قائدا ورئيسا. لكن الرئيس الذي طلب من الحياة عمرا جديدا كان يعيش موتا معلنا مثل نصار بطل ماركيز في ‘قصة موت معلن’. فقد حرق تشافيز كل المسافات وكل ما لديه من طاقة قبل ان يفاجىء شعبه الذي احبته غالبيته وكرهته النخبة التي حرمها من مميزاتها، في حزيران (يونيو) 2011 بان الاطباء استخرجوا من بطنه ورما سرطانيا بحجم كرة البيسبول اللعبة التي احبها منذ الصغر، مع ان تشافيز كان كعادته وبطريقته الاستعراضية موقنا انه سيهزم المرض لكنه ‘الكوماندات- القائد’ هزم وترك خلفه ثورة لم تكتمل وشعبا حزينا ويشعر بالصدمة لانه تعود على الرئيس الذي يتسيد امواج الاثير والتلفاز، كل يوم ببرنامجه المعروف ‘الو ايها الرئيس’، والذي كان يتحدث فيه بدون نص جاهز وعلى السليقة، مع الناس يناقش قضايا اجتماعية مختلفة واحيانا يتخلل الحديث اغان واناشيد، ومعدل ما كان يقدمه كان يصل اسبوعيا الى 40 ساعة. تشافيز كان جزءا من شعبه يحزن لحزنه، ويبكي مع المواطنين الذين دمرت الفيضانات بيوتهم. ولانه رئيس شعبي كان يعمل بشكل دائم وينتهي من عمله حتى الساعة الثالثة صباحا، وكان يشرب في اليوم 30 فنجانا من القهوة، ولم يكن يذهب في اجازات او عطلات، وعلى خلاف استاذه ومعلمه وملهمه فيديل كاسترو لم يكن له خليفة طبيعي اي اخ، ومن هنا المخاوف على المستقبل الذي ينتظر هذا البلد النفطي المهم في امريكا اللاتينية. ومع ذلك يتوقع ان يفوز نائبه نيكولاس مادورو الذي سيدير البلاد مدة شهر لحين عقد الانتخابات وقد يواجه مرشح المعارضة الخاسر هنريك كابريل.وفي هذا الاطار فالاسئلة المطروحة الان عن فنزويلا البوليفارية ما بعد تشافيز، وتتعلق بفرضية فوز كابريل المعارض، فلو فاز في الانتخابات فان حلم الثورة الاشتراكية وتجربة تشافيز ستتوقف، وفي اطار اخر ففي حالة فوز مادورو فسيواجه معركة من داخل البيت ترتبط بالقوى داخل المعسكر التشافيزي ومؤيديه على مستوى القاعدة، فخلال رحلته مع المرض اقتنع الكثيرون ان قصة السرطان ما هي الا حيلة لخداع المعارضة، لكن المرض كان حقيقة وكان تشافيز يعرف انه يموت، على الرغم من نبرته المتحدية ‘سنهزمه’ والاشكالي ان لا احد يعرف طبيعة المرض التي قتله، فهو سر حفظ مع ملفات فيديل كاسترو الطبية، ذلك ان تشافيز قضى فترته العلاجية في هافانا- العاصمة الكوبية. والسؤال الان هو عن ارث تشافيز، وهو سؤال سينشغل بالاجابة عليه المؤرخون والباحثون السياسيون، وسيناقشونه لسنوات وعقود طويلة. فتشافيز من جانب ظل شخصا ملهما ومحبوبا ومركزا للاعجاب، وحزب الموالاة له واسع وعميق في داخل المجتمع الفنزويلي وخارجه ومن جانب اخر، ظل شخصا مثيرا للانقسام والجدل في الخارج والداخل. في داخل هذا الانقسام صورتان عن تشافيز الاولى الديكتاتور الذي سجن وقمع معارضيه، جوع شعبه، ودعم الارهاب في العالم والاخرى عن تشافيز البطل الذي اعطى صوتا للمحرومين، ووقف في وجه امريكا وعمق جذور الديمقراطية في بلاده. واي حكم على تشافيز سيكون ضمن هذين الحكمين، فتشافيز كان خليطا بين الحاكم الاتوقراطي والديمقراطي ـ العادل المستبد، التقدمي وفي نظر المعارضة البلطجي. ولعل الاشكالية في التعامل في شخصية محورية اكتسبت رمزية مهمة في السياق التاريخي الان تنبع من ان تناقضات الرمز نفسه كانت وراء شخصيته التي جذبت اليها الاتباع، فكما اشرنا فقد اراد تشافيز ان يكون بوليفار نهاية القرن العشرين والواحد والعشرين، وثورته البوليفارية، فالثورة ارادت تحقيق طموحات الفقراء والمحرومين وبناء دولة العدالة لكن تشافيز اقام نظاما يدور حول شخصه، فقد القى القيود على ولاية الرئيس، وقيد من حرية الاعلام الخاص، وسيطر على القوات المسلحة والسلطات التنفيذية والتشريعية، وشركة النفط الفنزيلية. وفي اطار اخر، اغمض عينه على نشاطات الجماعات المسلحة التي تقاتل الحكومة الكولومبية (فارك) واعتبر روبرت موغابي والعقيد معمر القذافي وبشار الاسد اخوة له في النضال. ولكن الانتقاد الاكبر لتشافيز هو فشله في الادارة فبعد عقود من مداخيل النفط التي وصلت الى تريليون دولار، لم تستفد البلاد كثيرا من الثروة النفطية، فالشوارع مليئة بالحفر والجسور تتداعى ومحطات تصفية النفط تتوقف، وانقطاع تيار الكهرباء امر عادي، والمستشفيات الحكومية تفوح منها الروائح الكريهة والسجون تمتلىء بالقذارة، فيما تنتشر الجريمة والاختطاف بشكل استدعى فرض حظر تجول في بعض المناطق، وجرى تعويم العملة وهجرت العقول الشابة البلاد.وهذا الوضع يشير الى حالة من الفساد، ففي الوقت الذي يتمكن فيه المواطن من ملء خزان سيارته بالنفط بسعر زهيد فان الحصول على رخصة لانشاء شركة خاصة يحتاج الى اشهر، ويضاف الى ذلك طبقة من اصحاب المليارات والمتطفلين الذين نهبوا ثروة الدولة. وقد اثر هذا على الزراعة الوطنية والصناعة التي سحقت، وعليه فقد سد الاستيراد الفجوة، حيث تمتلئ الموانئ بالحاويات العملاقة التي تشير للتناقض بين شعارات الثورة ‘ الخبز سيادة’ و ‘ الصناعة استقلال’. وحتى نفهم السر، فعلينا العودة الى حياة تشافيز الولد والشاب، فتشافيز الولد الفقير الذي احب الحكايات الشعبية، والرسم والبيبسبول، انضم في عام 1982 الى الكلية العسكرية في كاراكاس، ومع تقدمه في سلك القيادة العسكرية كبر حلمه في تحقيق حلم بوليفار غير المنجز وتحرير شعبه من الفقر والبؤس الذي يعيش فيه، ففي شباط (فبراير) 1992 قاد انقلابا فاشلا. لكن تشافيز حول مهزلة انقلابه واستسلامه المتلفز الى انتصار سياسي. وحكم عليه بالسجن مدة ثلاثين عاما، وانتشرت نكتة في حينه ان تشافيز استحق عاما على مؤامرته الانقلابية و 29 عاما على فشله. لكنه لم يقض سوى عامين في السجن حيث خرج وقاد حركة اجتماعية جمعت مجموعات على مستوى القاعدة الشعبية واحزاب سياسية صغيرة. ومع ان تشافيز اعد دستورا حمل الكثير من ملامحه رؤية تقدمية الا انه راكم السلطات في يده. وظلت لغة تشافيز الشعبية هي التي حببت تشافيز الى قلوب المواطنين، فهجومه على الاغنياء الذين وصفهم بالخنازير، ومصاصي الدماء ولكن تشافيز همش الطبقة المتوسطة والنخب التقليدية. قد انقسمت البلاد الى ثلث يدعم الرئيس واخر يكرهه اما الثالث فهو لا مع هذا الفريق او ذاك. ومع ذلك كان تشافيز قادرا على الانتصار على المعارضة التي حاولت الاطاحة به في عام 2002 بدعم من ادارة جورج بوش، وعندما اعلنت مرة اخرى عن الاضراب العام ودعت للاستفتاء العام. وبوفاة تشافيز يكون قد انزاح عن المسرح العالمي اهم ناقد لسياسة واشنطن، والرجل الذي عارض حرب العراق ووصف الرئيس الامريكي السابق جورج بوش بـ ‘الشيطان’ و’الحمار’، ومن هنا جاءت رسالة الرئيس الامريكي الحالي باراك اوباما مشوبة بالحذر حيث اكدت على موقف امريكا والتزامها بالوقوف الى جانب الشعب الفنزويلي وعبرت عن فتح صفحة جديدة في علاقاتها ليس مع فنزويلا ولكن دول امريكا اللاتينية الاخرى.وتظل وفاة تشافيز فرصة لاوباما كي يعيد ترتيب العلاقة بين البلدين، حيث اقترحت الادارة على نائب تشافيز تبادل السفراء وسياسة اعادة العلاقات خطوة خطوة اي من خلال التعاون في قضايا مكافحة المخدرات والطاقة.qarqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية