ضيف حمزة ضيف خلّفت عمليّة إغتيّال ‘شكريّ بلعيّد ا تضاربًا حادًا في الأراء وإختلافًا بيّنًا بين كل الفرقاء، لم تكن عمليّة الإغتيّال البشعة سوى الغطاء الذيّ يخفي خلافات أفقيّة وعمودية شديدة التوتر والإنقباض، وجاء الإغتيّال لكي يفسح المجال واسعًا لبروز كلّ ما ترسّب في أسفل البئر دون أن تسوّقه وشاية إعلاميّة مسؤولة، أو بادرة سياسيّة ناضجة.المعنى السياسي الذيّ قد يغيب عن الذهنيّة السياسيّة في تونس هو أن تطوّر عمليات الشدّ والمدّ والمبارحة في ذات حلقة الإختلاف، وإعادة خلق الأجواء المتشنجة بكل إمتداداتها المغلقة سوف يقود وبحكم الطبيّعة الى إنفجار حتميّ، يدفع تكلفتهُ من يقفُ في مقدمة الشطر الأماميّ للفرقاء. لكن الجهتيّن تغذيان خلافهما بشتى الطرق، وتدفعان بقوّة نحو خلاف إجتماعيّ لن تكون الإيديولوجيا بعيّدة عنه؛ ممّا قد يقود وبشكل من التتاليّ المنطقي الى حالة إحتراب بين كل جهات المجتمع المختلفة.ما يحدثُ الآن في تونس هو نتاج طبيعيّ لوفود كل الثقافات وتناميّ بروزها على السّطح خاصةً وأن البلد حديثة عهدٍ بالحريات المفتوحة بكل شوائبها وترسّباتها، وبالحيّز الوثير الممنوح من أجل ممارسة العمل السياسيّ، علاوةً على أن المواطن التونسيّ لن يكون متعقلاَ في ممارسة حريّته بعد سنوات مديدة من الكبت والديكتاتوريّة، ومسألة إعادة القطار الى السّكة تحتاج الى الكثيّر من الوقت.عوّدة الشّارع التونسيّ الى المواجهة عبر المسيرة والمسيرة المضادة، يشبهُ المقايضة السياسيّة المعتمدة على الضغطّ بين الجهتين فيّما يشبه الإستعراض الجماهيري لكل طرف.. لم أستبعد مسألة التوظيف السياسيّ للمسيرات دون أن يتحمّل السياسيّ التونسيّ لكل ما قد ينجمُ عن المواجهة فيّما لو حدثت، لأن السياسيّ التونسي أصبح شبيهًا بنظيّره اللبنانيّ يعفيّ نفسه من مغبّة التوقع لكيّ يُخليّ نفسه من المسؤوليّة السياسيّة، ويسلك أيسر الطرق للخروج من عنق الزجاجة بأقلّ ثمن سياسيّ ممكن، وربما هذا الأمر يساهم في إنتاج المزيد من المبررات.. ولن تكون هذه المبررات في واقع الأمر إلّا مِشدًا للتعبير عن الفشل بذرائع شبيهة بالنُسك إستجداءً للمغفرة .. تونس بكل ثرائها الجماليّ وحداثة تجربتها لن تتحمّل المزيد من العنف والتراشق السياسيّ لأنها وأكثر من أيّ وقت مضى تحتاجُ الى الأمن والحيّاة الإجتماعيّة المستقرة.السيّد احمادي الجباليّ’ رئيس الوزراء تعهّد بتشكيّل حكومة مستقلة غير حزبيّة ابحلول منتصف الأسبوع المقبلب ملوحًا بالإستقالة في حالة فشل هذا المسعى، حسب ما أفادت به وسائل إعلام تونسيّة. في الواقع هذا القرار هو الأنسب حاليًا من أجل رأب الصّدع، وتخفيّف حدّة التوتر، وإن كان هذا الأمر قد يضيف مرحلة إنتقاليّة أخرى، لكنه قدّ يفكّ الضغط قليلًا عن الشّارع ويرجئ الإستقرار السياسيّ الى حين. لكن هل تسمح احركة النهضةب بتقليّم أظافرها وفرملة توسعها الأفقيّ في الحيّاة الإدارية والسياسيّة في المجتمع التونسيّ؟ أعتقد أن النهضة تقفُ على مرتفع وعرٍ جدًا، وجميع الخيارات السياسيّة أمامها لا تخلوّ من اتخسيّسب مبرمج لبدانتها السياسيّة، وقضيّة تحمّلها المسؤوليّة لن تكون إلّا في صالح الوطن، في أشد حالاته توترًا وتصلبًا.. وهو الامر الذيّ يقتضيّ أن تخفّف من نجرسيّتها، وان تتعامل مع الأوضاع الحاليّة بما يحتاجه الممكن السياسيّ.الشيخ اراشد الغنوشيب وصف جميّع الدلائل والقرائن التي سردها االجباليّ’ بالــبغير مقنعة’، ونفى أن يكون هنالك إنقسام داخل الحركة بشأن هذا القرار.. طبيعيّ جدًا أن لا يقبل االغنوشيب هذا القرار لأنه ليس في مصلحة حركته ولا يخدم أفقها السياسيّ، لكن مصلحة الوطن يجبُ أن تسبق كافة الإعتبارات الحزبيّة، وما ساقه من أنّ مبررات االجباليّ’ لم تكن مقنعة دليل على أن هذا الأخيّر لم يستشر الحركة حين أخذ بالقرار الذي يراه صائبًا.تبدو هذه الخطوة شجاعةً من السيد االجبالي’، إذّ خرقَ إجماعًا ما.. قد يصبُ في إبقاء الحكومة ومدّها بروافد عمرية إضافيّة، والسير نحو حزم أمنيّ في قمع المظاهرات.. االجباليّب تفادى الذيّ قد يحدث فيّما لو بقيّت الحكومة بأقل الأضرار الممكنة، ودون التمحّل في أيّ مواجهة أمنيّة قد تزيد في الإحتقان أكثرممّا تشيّ بالإنفراج.. مسألة ترتيب الأولويات في رزنامة النهضة قد تشّكل أزمة داخليّة حقيقيّة تمس بالسويّة السياسيّة لهذا الفصيّل الحزبي. الأزمات والإنشقاقات الداخليّة هي التي تهددُ مستقبل الحزب وليس خروجه من الحكومة، لأنه في حالة تفكّك أجزائه.. قد يكون بقاؤه على متن الحكومة مجرد ترميّز سياسي فارغ سرعان ما يتماثل للزوال.إنسحاب وزراء االمؤتمر من أجل الجمهورية امن الحكومة يجعلها ليست بمنأى عن التفكك التامّ، والسبب هو شعور المتتبع أن عمليّة إغتيال اشكريّ بلعيدب أسقطت ورق التوت الأخيّر على ضعف تماسك حكومة الترويكا من الأساس، وفضحت مدى التناقض الحديّ بين أطرافها، وإختلافهم على الأداء السياسيّ.شعور حزب النهضة التونسيّ بالفشل في تحقيّق إستقراره السياسيّ في ظل تجاذبات عميّقة يبدو جليًا في تأرجح أعضائه وإنقسامهم في تحديد أولويّة حقيقيّة قادمة، وبقاء الحزب على تصلّبه قد يزيدُ في إهتزاز جبهته الداخليّة، هنا مصلحة النهضة تحتمُ عليها قبول حكومة اتكنوقراطب حفاظًا على توازنها الداخليّ بالدرجة الأولى، لأن جسمها السياسيّ لن يتحمّل أكثر… خاصة وأنه حديث التجربة في الممارسة السياسية بعد أن إستغرق سنوات في عوالم التنظيّر.إنسحاب وزراء االمؤتمر من أجل الجمهوريةب من الحكومة قد يمعنُ في تعميّق الهوّة بين القيّادة السياسيّة للترويكا وقواعدها الحزبيّة ، والسبب الإضافيّ – علاوةً على المذكور آنفًا – هو شعور مكوّنات الحكومة أنها بإزاء كتلة سياسيّة أخفقت في مواجهة التغيّرات التي طرأت على المجتمع التونسيّ ومسألة إنهيارها الوشيّك ليست مستبعدة، بعدّ مدّ مد وجزر وغموض خفيّف يلفُ موقف االمؤتمر من أجل الجمهوريّةب ..غير أن تأكيّد السيد : االهادي بن عبّاسب عضو المكتب السياسي لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وكاتب الدولة لدى وزير الخارجية إستقالة وزاراء المؤتمر بشكل رسميّ وحاسم ؛ جاء ليزيّد الأمور تعقيدًا ويضيّق الخناق على النهضة..هنالك نوعيّن من التطرف : التطرف الأصليّ: المتوفر ضمّن الثقافة المصّمة والمتأزمة والعادات والتقاليّد الصارمة وهذا يحتاجُ الى هبّة ثقافيّة من أجل إستئصالهِ من التركيّبة الإجتماعيّة ككلّ، طبيعيّ جدًا أن يصطدمَ بجملة من العوامل المعقدة… وهنالك: تطرفًا وافدًا: وهو صلب المشّكلة.. تونس كجسم وطنيّ وجغرافيّ حديثة عهدٍ بحالات الإحتقان الدينيّ والفوضى ذات المرجعيّات الفئويّة الضيّقة والصّلبة، لذلك مسألة ارتقاء التطرف الى عمليّات تصفيّة يُعتبر تطوراً شبيهًا بالإنتخاب الطبيعيّ الأحاديّ..بصيغة واقعيّة أكثر من هؤلاء الذيّن إغتالوا اشكريّ’ هل هم توانسة مؤزرين بهذا الوافد المظلم والشنيّع.. أمّ هم فئات تسللت الى تونس بغرض إشاعة الفوضى.. ما أعرفهُ أن حدود تونس متاحة نسبيًا! تونس في المغرب العربيّ مثل لبنان في المشّرق مع حفظ الفارق في التعدد الطائفيّ، كلاهما يُشبهان الزجاج المعشّق بالألوان؛ على الرغم من جمالهِ الأخّاذ إلّا أنه سريع الكسر كلما إمتدت لهُ يد آثمة !إغتيّال الحقوقيّ ‘شكريّ بلعيدب جريمة تكشف مدى عمق النّفق المظلم الذي دخلتهُ تونس منذُ أن رُفع العلم الأسود بدل العلم التونسيّ في أحد الباحّات في العاصمة الخضراء.هذا المؤشر الواقعيّ خطير جدًا، ويبعث على القلق.. لأنّ التركيبة الديمغرافيّة التونسيّة لم تكن تحويّ إيديولوجيا متطرفة قبل سنوات من الآن.. ربما كانت هذه التشكيّلات ملفقة في الظلام وأخذةٌ في النمو الطرديّ كرد فعل على إستبداد ابن عليّب ، لكن المتفق عليه أن الوجه الحضاريّ التونسي لم يكن يخفيّ بثورًا بهذا التصوّر الداكن..والمتاح الثقافي كان يخفيّ هذه العصب تحت السجّاد الى غاية سقوط النظام، فظهرت كفئات تريد أن تحجز مكانًا تحت الضوء، وتثبت للعلن العربيّ أنها كانت موجودة وفاعلة. لكن سياسات بن عليّ وبورقيّبة قمعت هذا التوجه الدينيّ الحاد وقلّمت إنتشارهُ بالقوّة..ونتيجةً لهذا الإخفاق الطويل في المثول كقوّة حقيقيّة، ألقى بظلاله على التركيبة النفسيّة المعقدة لشخصيّة المتطرف، ممّا جعله يتحيّن الفرص حتى يبدو في صورة االموجود المستمر’…عليّنا أن لاننسى أن ضعف هرم الدولة مكّن للتيّار السلفيّ المتشدد من الإنتشار والإتساع بشكل أفقيّ، وكان إستغلاله للمتاح في تونس واضحًا.. لذلك لم أستغرب خروجهم كمجموعات متكاملة النّصاب لحماية الممتلكات العامة بعد الفوضى التي أعقبت إغتيّال اشكريّ بلعيدب .. طبعًا لم يكن المواطن التونسيّ ليشجب تصرفًا كهذا! لأنه بحاجة للأمن في ظلّ غياب الدولة وبروز المافيا كظهيّر ثالث في العمليّة.. ولكن ترهل شعور هذا المواطن بعدم جدوى الكادر الأمنيّ قدّ يمنح صكًا إضافيًا للسلفيين في تونس ويوثق الصّلة بين هذا الفصيّل والشّعب، ويزيد من مخاوف الدولة من تحوّله الى ذراع سياسيّ مؤزر بقوّة ملفتة.الجميّع يجزم أن تونس على تماس مع المجهول والقرائن الآخذة في النمو في الظلّ تبدو شديدة الإصرارعلى الظهور كقوة ثالثة تستطيّع أن تمثل المفقود من الحيّاة التونسيّة، خاصة وأن الشّعب لم يعد يملك مؤونة الصبر اللازمة..تخطئ الدولة لو تفكر في المواجهة الأمنيّة معهم أو حدّ إنتشارهم بوسائل القوّة، لأن مثل هذه المواجهات يزيدُ من كمّ التعاطف معهم، ويذكر الشّعب بالأساليّب القديمة المتبعة في خنق القوى الموازية للنّظام..لذلك يبدو الأفق التونسيّ جدير بأنّ يتلبّد بكافة الإحتمالات خاصة وأن الخيارات أصبحت حجر الزاوية في تأسيس خلايا سياسيّة، ترغب بإقتحام السلطة ولو إدعّت طوبويّة بيضاء وزهدًا متورعًا عن العمل السياسيّ، لكن الشواهد تغنيّ عن الوثوق بنقاء العمل الخيريّ من أيّ تصور سياسيّ.كاتب تونسيqmdqpt