اجرى الحوار: محمد البغوري: محمد أنقار من الرموز الإبداعية والنقدية التي لا تعرف الاسترخاء ولا الملل، وهي تباشر أبحاثها وانشغالاتها في طبقات جيولوجية من المعارف، وصنوف القول. إنه عقل ألمعي استطاع أن يطرز صورا رائعة من الإبداع والكتابة السرديين، فجاءت غاية في الإمتاع والإفادات، وتزداد الصورة شعلا وإشراقات حينما يحرص أشد الحرص على لغته الرائقة الماتعة في مفرداتها وتصويرها.. كل تلك المياسم والعلائم نتلمسها قوة وفعلا في متنه الأدبي الثر، واجتهاداته النقدية التي لا تخلو بدورها من الإبداع والأصالة، وجرأة العقل الواعي المثقف. كان لنا معه هذا اللقاء الذي أسفر عن بوح وجاذبية وشغف معرفي.. للقارئ والمهتم هذه المحاورة الجميلة:’ هل في وسعك أن تصف لنا علاقتك بالكتاب، ومدى المتعة التي تحصلها وأنت بمعية خير جليس؟’ هي علاقة ملتبسة لا أظن أن الوصف المنطقي المباشر قادر على تشخيصها. ومع ذلك لنحاول ولو عن طريق تسجيل المقاربات القصيرة ورصد السمات الضبابية.في معظم أوقات النهار تكون علاقتي بالكتاب وعموم الورق المكتوب علاقة اندماج تام أو شبه تام. هي القاعدة وغيرها من المشاغل استثناءات. بمعنى آخر؛ إني أقيس ماهية وجودي اليومي بمقدار تفاعلي مع القراءة والكتابة. وتبعاً لهذا الارتباط الوطيد لا يكون ثمة وجود لمتعة عابرة، وإنما تتحول المتعة إلى شرط من شروط الوجود ذاته. وفي هذا الوضع الجواني أتمنى أن تخضع علاقاتي الاجتماعية والأسرية هي الأخرى إلى تلك الهيمنة المعنوية الكثيفة. هكذا أحلم بأن يحدثني أصدقائي ومعارفي وسائر من أصادفهم حديثَ كتاب أو مجلة أو جريدة. لا يعني هذا أيَّ نوع من المثالية المطلقة أو الانفصام قدر ما يعني ذلك الحلمَ الجميل بأن نغدو جميعنا مجتمعاً قارئاً، بحيث تستحيل حتى الثرثرات والتفاهات التي نتداولها يومياً إلى كلام يستند إلى المكتوب سواء بين دفتي كتاب أم المدون في حاسوب. هذه الأحلام تحصل ‘في معظم أوقات النهار’ كما أشرت في البداية. لكن في غيرها يكون الابتعاد الاضطراري عن الجليس الأنيس لأسباب شتى مما يفضي إلى حالات من التوتر. ‘ من الإشكالات العويصة تلك الوطيدة التواشج بالمصطلح النقدي في بعديه القديم والحديث. ما نظرة الناقد محمد أنقار إلى هذه المسألة؟ ‘ ينحت الباحثون وعموم الناس المصطلحات قصد تحقيق أكبر قدر ممكن من التواصل فيما بينهم. تلك هي الماهية العميقة للمصطلحات. وكما ترى فالقصد حضاري، بل وحتى إنساني. لكن الذي حدث في زماننا أن فئات عريضة من الباحثين ومن يشبههم قدسوا المصطلح لما أن اعتمدوه في حد ذاته وليس بوصفه وسيلة تواصلية إنسانية. ثم إنهم نزعوا عنه صفة التشارك وضيقوا دائرة إشعاعه، وأمعنوا في تركيبه وتعقيده إلى درجة أن دلالاته بقيت حكراً على من يجالسونهم أو يحيطون بهم. والواقع أن مثل ذلك حصل حتى في العصور القديمة لما أمعن بعضهم في تضييق الخناق على المصطلحات في شتى ميادين العلوم والفنون. لكن في رأيي أن النتائج العملية للتشغيل الضيق للمصطلحات اليوم أكبر بحكم تدخلٍ كثيف لمقاصد مادية وتجارية ومصالح قاصرة. أما بالنسبة إلى النقد الأدبي فقد أسهم تعقيد المصطلحات، أو نحتها على عجل، أو مراعاة لمصالح مشبوهة في صرف الناس عن القراءة وهبوط قيمة الأدب ورجاله، وتفويت فرص كثيرة لتحقيق حتى التنمية البشرية بواسطة الإبداع. فقد توخى كثير من المتطفلين على حقلي الأدب والنقد أن لا يتحقق التواصل بمفهومه الطبيعي، وتعمدوا أن يظلوا بذلك ضمن دائرة الغموض من أجل ألا يُدرك الناس خواءهم ويكتشفوا أن لا رسالة لهم في الحياة وفي عموم الإبداع.’ لقد زاوجتَ بين النقد والإبداع ومازلت. هل من فواصل بين التجربتين؟ ‘ بالنسبة إليَّ ليس ثمة فواصل بين النقد والإبداع وإنما هناك صراع. بدأتُ بكتابة القصة القصيرة في أواخر ستينات القرن الماضي، كما نشرت في الفترة ذاتها بعض المقالات ولكن بدرجة أقل. لكن الذي حدث أن مستلزمات التدريس الثانوي ثم الجامعي رجحتْ، في فترة من حياتي، كفة النقد على كفة الإبداع. ولقد اقتضى ذلك مني تصفية الطريق وتمهيده من خلال نشر الإنتاج النقدي، وفي النية التفرغ بعد ذلك للإنتاج الأدبي. غير أن تجربة النقد طالت ولازمتني دهراً إلى درجة أني اكتشفت عدم قدرتي على تجاوزها أو التخلص منها. إلا أني اكتشفت، في الوقت ذاته، أنها لم تكن تجربة سلبية كل السلب. ولنا في هذا االسياق تجربة أمبرتو إيكو الذي اعترف بأنه إذا لم يكن قد مارس الكتابة النقدية لَـمَا كان في إمكانه كتابة تلك الروائع الروائية. وهذا تخريج صحيح تُثبته التجارب الإبداعية العالمية. إذ كلما كان المبدع قادراً على إخضاع كتاباته لنقد صارم إلا وزكَا إنتاجه وقلّت ثغراته الجمالية والتكوينية. ومن حسن حظي أني أفلحت في المدة الأخيرة في كبح جماح النقد الأدبي في أعماقي، فاسحاً المجال لرجحان كفة الإبداع. كأني بذلك أعود إلى النبع الأول، إلى الفيض الذي يعرفه المبدعون خلال فترة شبابهم.هناك من الدارسين من يرى أن موضوع الصورة والتصوير في الرواية والقصة لم يحظ باهتمام النقد الروائي والقصصي. هل توافق على ذلك؟ـ هذا تخريج صحيح وغير صحيح في نفس الآن. هو صحيح بحكم الظاهر وغير صحيح بحكم الواقع الأدبي الذي عشناه ومازلنا نعيشه. وتوضيح ذلك أن إشكال الصورة الروائية لا يزال حياً يتطور اعتماداً على الكتابات والإشارات التي تظهر بين الحين والحين. لو دققت النظر اليوم في عديد من الكتابات التي تصدر للاحظتَ أنها إما تعترف صراحة بتطوير هذا الإشكال، وإما تقتبس منه مع الإشارة إلى مجهود أصحابه الأول أو عدم الإشارة، وإما من خلال محاورته من بعيد لكن من دون أن تشير إلى مصادره. إذن هناك حضور للإشكال، غير أن ما ينقصه هو جمع شتاته حتى نرقى به إلى أن يغدو ‘ظاهرة’ في حياتنا النقدية إلى جانب ظواهر أخرى. أضف إلى كل ذلك أن ‘نقادنا الكبار’ يتحاشون مناقشة كل جديد يخالف نقدهم الإيديولوجي المتوراث. هم يخافون، إن فعلوا، أن يَكتشف الناس انعدام تصوراتهم النقدية. لكن مع هذا وذاك لا بد من أن يقوم المرء بنقد ذاتي يسعى من خلاله إلى تطوير أدواته النقدية، ويسعى باستمرار إلى تحيينها، وجعلها تواكب مستجدات العصر التي تتحول وتتغير بإيقاع سريع جداً. ولقد سبق أن عمقتُ هذه النقطة في حوار آخر أُجري معي منذ فترة. أما عن طبيعة الإشكال في حد ذاته فيكفي الإطلاع على كتاب مصطفى الورياغلي الصادر قبل شهور قليلة حول ‘الصورة الروائية. دينامية التخييل وسلطة الجنس’ لكي يتأكد المرء من أهميته وخطورته.’ بوصفك ناقداً وقارئاً للرواية المغربية؛ ما تقويمك لهذا الجنس الأدبي؟’ خلال العرض الذي قدمته في الدورة الخامسة عشرة لعيد الكتاب بتطوان طرحتُ على نفسي وعلى الحاضرين سؤالاً شبيهاً. بالطبع لم يكن لديّ جواب قاطع، لكني دعوتُ القاعةَ إلى تلمسه من خلال أسئلة واحتمالات جانبية. في هذا السياق أقررتُ بأن الرواية المغربية لا تنقصها المواهب ولا الموضوعات، ومع ذلك نحس أو نحدس نحن القراء أن ‘شيئاً’ ما ينقصها، وأن بها خللاً غير واضح المعالم. واحتملتُ أن ذلك ربما تمثل في غياب الرؤية السردية المتقاربة السمات فيما بين الروائيين. وهو احتمال له صلة بغياب تبادل التعارف فيما بينهم من شأنه أن يفضي إلى نوع من المنافسة غير البناءة، بحيث ترى الروائي الجديد يبدأ من الصفر غير عابئ بالتجارب المغربية الأخرى التي سبقته أو التي تعاصره. ولم أقصد بداهة بهذه الفكرة أن تتطابق الكتابات الروائية عندنا أو يحصل أي نوع من أنواع الاعتراف المجامل كما هو سائد الآن. إنما قصدت إلى تقارب خطوط الرؤيا مع حصول الاختلافات والتباينات بين كتاب الرواية عندنا، وضربت لذلك أمثلة من الغرب وحتى من مصر. ومن أجل المزيد من التوضيح استعنتُ بنماذج من عالم الغناء المصري الذي بلغ في زمنه الجميل شأواً عالياً نتيجة المنافسة التي كانت قائمة على التعارف المتبادل وعلى إتمام ما أنجزه الآخر. على كل حال إننا في المغرب عادة ما نقر بمثل تلك الاحتمالات ونبدي تحفظنا تجاه عديد من الكتابات الروائية المغربية عندما نكون في مجالس حميمة. لكن أمام الملإ نقول كلاماً آخر. وربما كان هذا الموقف المنفصم وجهاً ثانياً من وجوه الإشكال الجمالي الذي حاولتُ وأحاول تشخيص معالمه.’ ما حدود الالتباس بين السيرة الذاتية والرواية؟ ‘ هي بالفعل حدود ملتبسة، لكنها لا تخلو من قدر بيّن من الوضوح. تفسير ذلك يمكن أن يكون وفق الآتي:لا توجد رواية من دون سيرة ذاتية، كما أن السيرة الذاتية نفسها لابد أن تتخذ شكلاً روائياً أو سردياً قريباً منه. ولا أظن أن ثمة روائياً يمكن أن يُنكر حضور أجزاء من سيرته الذاتية في أعماله. إنما الذي يحصل هو أن مقدار تلك السيرة قد يزيد أو ينقص. قد يبدو جلياً بقوة أو يضعف. قد يتماهى كثيراً مع الحبكة الروائية أو قد يعلن عن نفسه بإلحاح لافت. باختصار؛ ثمة تفاوت كبير في استلهام السيرة الذاتية في كتابة الروايات. لكن السحر يتحقق عندما يفلح المبدع في تبطين تلك السيرة وإخفائها إلى أبعد حد. ولنا في إبداع نجيب محفوظ أمثلة ملموسة على ما أقول.’ من الأشكال التي برزت في مجال الكتابة الروائية شكل احتفى بالتجربة الصوفية (عبد الإله بنعرفة/ أحمد التوفيق/ فريد الأنصاري وغيرهم). هل في استطاعتنا أن نتحدث عن رواية عرفانية؟’ يمكن الحديث عن تلك الرواية من حيث هي نوع روائي تهيمن فيه التجربة الصوفية مثلما تهيمن مضامين أخرى في أنواع أخرى من الروايات. لكن المحك ليس هو النوع وإنما الحبكة الروائية المعتمدة في التكوين: هل هي مقنعة أم لا. وفي هذه الرتبة تتساوى الرواية العرفانية أو الصوفية مع غيرها من الأنواع. ‘ يقول جبرا إبراهيم جبرا ‘الروائي لا يعيش في ملكوت خاص به، ولا يستمد من خياله فقط مادته الروائية، ومهما أغرق في الخيال لا بد أن يستمد رموزه من مجتمعه، ولا بد أن يعكس صورة لواقعه كما يفعل المؤرخ’. ما قراءتك لهذا التصور؟ ‘ هذا تصور منطقي تثبته كل التجارب الإبداعية. ذلك أن القول بوجود أديب منفصل عن مجتمعه وعن زمانه هو وهم كبير. والأديب حتى وإن بدا ظاهرياً أنه يستلهم ذاته دون غيرها من المصادر فإنه في العمق وطيد الصلة بالآخرين. إن الذات بمنـزلة مصفاة يستخلص المبدع من خلالها صوراً عن علاقاته الإجتماعية والثقافية والسياسية. بعد ذلك قد يمعن في ‘تشفير’ أو ‘ترميز’ تلك الصور، أو قد يقدمها للناس جلية واضحة.’ إن الكتابة عند أنقار تنـزع إلى صوغ السؤال عن ماهية القيم الفنية الأصيلة. إنها نداء لاقتناص المتعة واللذاذة الجماليتين. هل تشاطرنا الرأي؟’ المتعة الجمالية عندي ليست منفصلة على الإطلاق عن العلاقة بالآخرين كما سبق أن قلت. صحيح أن السؤال عن ماهية القيم الفنية يؤرقني باستمرار، إن على مستوى الإبداع أو على مستوى النقد، ومع ذلك يهمني كثيراً أن يشاطرني الآخرون تلك المتعة مادامت في حقيقة الأمر مستمدَّة منهم. إن شرط تحقيق التواصل حاضر لدي دوماً. لذلك فإن طبيعة المتعة التي تتحدث عنها في سؤالك تتجلى في الانفتاح ومراعاة مختلف شروط التلقي.’ تشكل السينما رافداً مركزياً في خيال وذاكرة أنقار. هلاّ حدثتنا عن هذا الرافد وتجلياته في إبداعك وعموم كتاباتك؟ ‘ السينما مدرسة تربى فيها جيلي مثلما تربى في المدرسة التعليمية. فقد تشربنا، في وقت واحد حبَّ الصورة الورقية والصورة السينمائية. لذا غدا من الصعب الفصل بين هذين المصدرين. والنتيجة أن مفهوم الصورة عندي قد اتسع ليُدخل في اعتباره كلَّ السمات التي يمكن استشرافها من خلال كل أنواع الصور. إن جمالية اللقطة السينمائية أو الصورة الفوتوغرافية هي من القوة بحيث يصعب عليَّ تجاوزها حينما أكتب إبداعاً أو أمارس نقداً. وفضلاً عن أني استثمرت كل ذلك في صياغة مصطلح ‘الصورة الروائية’ نقداً؛ فإن عموم كتابتي السردية لا تكاد تخلو من إشارات إلى السينما والتلفاز والممثلين وغيرهم من العناصر التصويرية والتشخيصية.’ إن من يتأمل جيداً المسيرة الإبداعية لمحمد أنقار لا يخطئ بأنه قارئ للإبداع الفكري والفلسفي. فما حاجة الإبداع الأدبي إلى الفكر والفلسفة؟’ في فترة غير بعيدة كنت قد نشرت مقالاً بعنوان ‘ما بين الفلسفة والأدب من اتصال’ أوضحت فيه بعض الجوانب التي تضمنها سؤالك. وخلاصة الفكرة أن الأدب في عمقه فلسفة، وأن الأدب الخالد هو الذي يستطيع صاحبه أن يصوغه في ضوء الأفكار المتعالية. لكن ذلك لا يعني أن الأدب لا يؤثر بدوره في الفلسفة حينما يخضعها إلى سماته النوعية ويكيفها بها. ولقد بدأتُ أقتنع في المدة الأخيرة بأن الرواية على سبيل المثال قدر ما هي في حاجة ماسة إلى التحبيك الـمُـقْنع تحتاج كذلك إلى جرعات قوية من الفكر الفلسفي إن هي تطلعت إلى تحقيق الجودة.’ في كل ما كتبت من الإبداع القصصي والروائي تحضر مدينة تطوان بذاكرتها وحاضرها (فضاءات/ أمكنة/ تاريخ أشخاص..). ما السر في الارتباط القوي والذوقي بتطوان؟ ‘ السر يكمن أولاً في أن تطوان هي مسقط الرأس، وثانياً في أنها المكان الذي أعرف تفاصيله وجزئياته أكثر من غيره. ولا يخفى عنك أن كبار الأدباء، منهم ماركث، يوصون بأن يكتب المبدع عن أشياء يعرفها جيداً لا عن تلك التي يجهلها. حتى وإن كان المقصود تخييلاً فإن فحوى الوصية يظل ساري المفعول.’ ماذا عن الكتابة الروائية والقصصية النسائية في المغرب؟ ‘ ما سبق أن قلته عن الرواية الصوفية أو العرفانية يمكن أن ينطبق إلى حد بعيد على الرواية النسائية في المغرب. فأن تكتب المرأة أو الرجل الرواية والقصة لا يعني شيئاً آخر غير مطالبتهما بالتجويد. صحيح أن سمات الأنوثة لا بد أن يكون لها تأثير مخصوص في الكتابة النسائية، لكن تبقى الكلمة الأخيرة للتجويد والقدرة على صياغة الأكوان السردية بطريقة مقنعة أو غير مقنعة؟’ هل من طقوس تروق للأستاذ أنقار في القراءة والكتابة؟’ في مناسبة سابقة ذكرتُ من تلك الطقوس أن يكون المكان الذي أكتب فيه حسَن التنظيم والترتيب والإضاءة. إذ قبل أن أقرأ أو أكتب لا بد أن أُرتب الفوضى التي تحيط بي إن كانت ثمة فوضى. من ذلك أيضاً أن أتفرغ للكتابة فراغاً تاماً من دون منشطات؛ كالشاي أوالقهوة، ومن دون موسيقى، ومن دون أحاديث جانبية. وأود أن أضيف في هذا الصدد أني لا أجلس على كرسي أمام المائدة لكي أكتب، وإنما أجلس في الفراش، واضعاً فوق حضني مائدة خشبية صغيرة شبيهة بتلك التي تُعطى للمرضى في المستشفيات من أجل الأكل. هي مائدة صممتُها شخصياً ونفذ فكرتها نجار حاذق، بعد أن عاينتُها في صورة فوتوغرافية لبروست وهو يكتب في فراشه، وفي صورة أخرى لأديب فرنسي آخر. وقد تكون ثمة مناسبة أخرى للحديث طويلاً عن هذه الوسيلة غير المألوفة.’ ألا تفكر في كتابة سيرتك الذاتية؟’ كتابة السيرة الذاتية هي حلمي باستمرار، لكني أعدّها مهمةً تحتاج إلى شروط موضوعية وشخصية لم تتحقق بعد. وفي انتظار أن تتحقق، إن كان ثمة بقية في العمر، أعمد إلى طرق خاصة للحديث عن نفسي وتسريب بعض المعلومات حول شخصي. من ذلك ما أذكره في الحوارات التي تجرى معي بين الحين والحين. ومن ذلك أيضاً ما أشير إليه من انطباعات وتفاصيل ذاتية في مقالاتي النقدية التي قد يتهمها بعضهم، بالانطباعية السطحية. وهي حيلة أستعملها للتخفيف أولاً من جهامة العملية النقدية ذاتها، وثانياً لكي أعطي للذات دوراً حيوياً لا يقل أهمية عن المصطلحات النقدية الأكاديمية وغير الأكاديمية. أضف إلى كل ذلك أني واظبتُ على كتابة يومياتي منذ كنت تلميذاً في الثانوي إلى أن انقطعت عنها قبل شهور قليلة. لذلك فإن التفكير في تلك اليوميات يسبق لدي التفكير في كتابة أو نشر سيرتي الذاتية.qadqpt