فادي سعدقال لي شيخٌ مرّةً:’الحبّ الذي يصلبكَ، اقلعْ مساميره بأسنانك،الندوب لن تنزف ثانية’.شجرة في الليل تصرخ من الوحدة وأنتَ أقسمتَ أن لا تترك الدمعة تتدحرج على الحجر الذي هو وجهكَ.القلب الذي تركتَه ذات يوم على المفرق البعيد. أحدّهم أخبركَ أنّه ما زال حيّاً. كان المطر قد غسل أحزانكَ الأبديّة. وبكامل أناقتكَ ذهبتَ لاسترجاعه.لم تجدْ إلاّ العاهرة السوداء ذاتها تنتظركَ كالعادة. نخلع أخطاءنا على السرير. نطويها ونصفّها في خزانة غرفتكِ الصغيرةفنبدو ناصعَيْن حتى الصباحنفتح النافذة، تصلنا رائحة البحر. نتفرّج من شرفة شقّتكِ على المتريّضين، وتُضحكنا سراويلهم الملوّنة. فننسى أشياء كثيرة كانتْ تستحق القول، ويحلّ المساءنعيد الكرّة على السرير. وهكذا…قطرات ماء تزرب على وجه الستارةتتجمّع بين قدميكِ الصغيرتَيْن. هناكَحيث تهفّ ريح دافئة. سنتذكّر هذا الدمع كبحيرة عميقة من الوداعقلتُ لكِ مرّةً: ‘قد أرحلُ’.كنّا على الكنبة البنيّةنلوّح بأذرعنا في الهواء. شفاهنا مُتعبة، عينانا محمرّتان من الضجروذبابة عنيدة تحوّم في الهواء الثقيل. من أغلق النافذة؟ظننتِ أني أمزحكم كنتِ مخطئة!كنتُ أفكّر بكِ في المطاراتأحدّق في وجوه الغرباء، وأحسدهمالحقيبة المتعَبة التي أتأبطّها، والمعطف الطويل في شتاءات أميركا المعتمةوالروايات التي كنتُ أحملها إليكِ. لم تسألي يوماً عن عناوينهافقط: ‘متى ستكتب قصيدة من أجلي؟’ها أنا أفعل.كلّ شيء كان يحدث في الصباح. كأنّها القبلة الأولى.ابتسامة الجدار. وصورة المسيح فوق رأسَيْناكان يتفرّج مُرغَماً’ارحميه من هذا الفجور’، كنتُ أقول لكِ… ‘فجدران البيت كثيرة’.ورائحة البارحة التي تتسلّل بصمتٍ من الخلوة الضيّقة بيننا. تدندن وهي تغسل وجهها الرضيّ.زجاجة الماء التي تحدّق فاغرة الرأس في السقفكلّ شيء كان يحدث بتصميم يشبه حرباً طويلةحتى لا نتجرّأ على النسيان.التفاصيل التي ظلّتْ تترسّبكسماء شماليّة تندف من دون راحة. والوحل الذي يتركه بعد ذلك دفءٌ بسيطالأفضل أن نرتاح، ونكمل التهام ألواح الشوكولاتهكما نفعل دائماً أيّام الآحاد الطويلة. فجارتكِ المجهولة التي تحبّ ارتداء قبّعات غريبةتستحق يوماً خالياً من صراخنا. عندما بدأنا، بدأتْ ثورات أيضاً.قلتُ لكِ: ‘هذه ستنتصر وتنتهي، ونحن سنبقى’.خطوط الكحل كانت تسيل من عينَيْكِ الفرعونيّتَيْن، تحفر الطريق التي أتسلّل منها بعيداً عن كمّاشة اليأس.المعابد التي كنتِ ترسمينها بلسانكِ. وخيال رمسيس الذي كان يجلس دائماً في ركنكِ المفضّلوأصابع حتشبسوت التي تخرج من فمكِ كأغنية.والهكسوس… كم كنتِ تمقتين عرباتهم التي تجرّها الخيول!أين سأهربُ الآن؟وكلّ شيء لم ينتهِ. إلاّ الذي كان بيننا.في هذه الليلة الخرساء. منفضة السجائر. وفوق حَرفها سيجار مهجور. انطفأَ وحيداً من الحزن.(ديترويت)qad