إسماعيل القاسمي الحسني يكاد قلب المرء ينفطر أسى وحزنا على أمة بحجم وتاريخ وغنى أمتنا، لها كل المقومات لا أدعي لقيادة باقي الأمم، وإنما على الأقل أن تكون على قدم المساواة معها، وفي مصافها من حيث القوة والمنعة والقدرة على حل مشاكلها الداخلية، بل والتأثير الملموس على السياسيات الدولية وراء حدودها؛ تبتلى بقيادات تبوأت بشكل غير شرعي مناصب تدعي بهتانا وزورا تمثيلها، والمصيبة أنها أوردتها المهالك، وانتهت بسلوكها الذي يوصف خطأ بالسياسي إلى مزيد من التخلف والتشرذم والانقسام والتناحر، بلغ في محطات من حياتها لاستدعاء محتل الأمس لاستعباد مقنع جديد.موقفي من الأزمة في سورية، فهمه البعض مع الأسف الشديد، مساندة للنظام الحاكم وأخص بالذكر المعارضة السورية، والحقيقة خلاف ذلك تماما، وكم كنت أرجو أن يستفيد الأشقاء من تجربتنا في الجزائر، دون مزايدات ولا مهاترات، فالنفس البشرية كما ورد في القرآن، وهو معتمد على الأقل نظريا في القوانين الوضعية، لا تميز قيمتها بالجنس أو العرق أو الدين، هي قيمة واحدة لا تتجزأ ولا تتلون؛ والتجربة الجزائرية (1992) مأساة بكل المقاييس، ولا داعي هنا كذلك للهرطقة اللفظية بأن الشعب السوري أكثر شجاعة وإقداما؛ يكفي هذا التسطيح في التعاطي مع قضايا الأمة، ومللنا من الخطب الجوفاء التي لا تعبر إلا عن حمق أصحابها، ومكابرتهم عن النظر بعقل لواقع الحال، سؤال في غاية البساطة طرحته على أحد أطراف المعارضة لم يحر له جوابا: هل سورية اليوم تحديدا 2013 أحسن حالا منها عام 2010؟ قال: سنعيدها كما كانت أو أحسن. ضحكت وقلت: متى يكون ذلك وكيف؟ إن كنت تعتمد على القدرات الذاتية السورية، فما هو معلوم أن 1200 وحدة صناعية في حلب دمرت تماما، فضلا عن 113 ألف منشأة حرفية، على مستوى القطر تشتغل بأقل من نصف قدرتها، وهي ذاهبة مع استمرار هذا النهج للتخريب كذلك، إذن بماذا ستعاودون بناء ما خرب؟ أم تبنون حساباتكم فعلا على المحتل القديم الجديد، فواقع الحال اليوم 06/03 تعلن وكالة المساعدات الدولية ‘أوكسفام’ وبالتزامن مع لقاء أصدقاء اليمن السعيد جدا في لندن، أن نصف الشعب اليمني يرزح تحت الديون من أجل قوت يومه، ويصنف بطبيعة الحال تحت خط الفقر، والأهم أن أصدقاء اليمن وهم أنفسهم أصدقاء سورية، لم يدفعوا أكثر من 2′ من مجموع ما تعهدوا بتسديده وهو مبلغ متواضع 716 مليون دولار، قياسا بما قدرته الأمم المتحدة من غلاف مالي ضروري لإعادة بعث الحياة في عجلة الاقتصاد اليمني 8 مليار دولار؛ بعد هذا هل يعقل أن نبني أوهاما؟. يفر القوم فورا إلى تلكم الشماعة المتهرئة: ‘إنها مسؤولية النظام هو من دمر سورية’. هذا كلام لا يقوله إلا ساذج العقل، أو يوجه إلى الأغبياء، ولا معنى له في قواميس العلوم السياسية مطلقا؛ لكن كمواطن بسيط أتساءل: وهل السيارات المفخخة تميز بين المدني والعسكري، وهل قذائف الهاون، والراجمات والمدافع التي استولى عليها ما يسمى بالجيش الحر، تسدد رميها الملائكة نحو رموز النظام تحديدا؛ هذا هذيان وهراء، الكل مسؤول في سورية عن خرابها، بنسب متفاوتة قليلا فحسب كذلك، وفي المحصلة كل الشعب السوري خاسر، وسورية دولة ضعيفة فاشلة، هذه النتيجة الحتمية التي لن ينكرها إلا أعمى البصيرة حقا.أعود لوزراء الخارجية العرب، الذين ضمنوا بيانهم في اجتماعهم بالقاهرة يوم 06/03، شرعية تسليح الجماعات المناهضة للنظام في سورية، لن أدخل القارئ في تفاصيل عدم شرعية هذا القرار، مع الفقرة الثامنة من قانون الجامعة نفسه، ونكوصا على مواثيق أمضاها قادة هؤلاء الوزراء عام 2010 في سرت بليبيا؛ ولا أدفع بالقول متسائلا: أسلم بأن النظام في سورية غير شرعي، هل الوزراء العرب وقياداتهم شرعيون؟ بأي حجة؟ ولن أعتمد رد وزير الخارجية اللبناني على نظيره المصري: اليوم هناك معارضة حادة في مصر وضحايا، هل يحق لنا تسليحها؟ فكان الجواب إغراقا في الحمق بعينه ‘الرئيس منتخب’؛ وكأن الانتخاب يحل لصاحبه قتل المعارضة وإخماد صوتها بالقوة!. لكني أتساءل بما لدى المواطن العربي البسيط من معطيات، استقرت في وعيه بعد متابعته لتطورات ما يسمى بالربيع العربي: لا يمكن للمعارضة السورية ومن يصطف وراء تسليحها، أن ينكر اليوم بأن الرئيس التونسي المخلوع، وصاحبه المصري واليمني كلهم استخدموا العنف والقتل ضد المتظاهرين، ولا يختلفون في شيء عن النظام السوري حسب تقديرهم، إذن لماذا سقطت أنظمتهم خلال أسابيع معدودة، وبقي النظام السوري؟ الرد المسطح الجاهز والفوري: لأن روسيا وإيران والصين يدعمونه؛ وهذا ضحك على الذقون كما يقال، فتلكم الأنظمة كان يدعمها الغرب لآخر لحظة، ما لا يريد أن يعترف به القوم، أن تلكم الثورات كانت فعلا شعبية، تدفقت أمواج المواطنين متصاعدة غير آبهة بآلة القمع، فاحتلت العواصم فورا، وملأت الدنيا بصور بديعة في التضحية والشجاعة، الأمر المنعدم على امتداد عامين في سورية، لم تتحرك حلب وإلى اليوم دمشق ساكنة، لأي سبب ليت شعري؟ وهل يتصور عاقل لو خرج سكان دمشق كما خرج سكان القاهرة للشوارع أن يصمد النظام أكثر مما صمد نظام حسني مبارك!؟ أمر مستحيل قطعا وتجربة.أخيرا، أقول لوزراء الخارجية العرب، إن شرعنة تسليح المعارضة قد يصيب نظام الأسد في مقتل، لكن من المؤكد، وهذا ليس تهديدا كما يحلو للبعض توصيفه وإنما قراءة لواقع المستقبل القريب حتما، سيمتد صراع فئات المعارضة إلى كل تلك الدول، بدءا من لبنان والعراق ولا شيء يحجزه عن دول الخليج، فمعارضة البحرين تجد الآن سندا شرعيا للتسلح، وتنتقل العدوى للجوار، فكيف يكون مستقبل الأمة حينئذ؟… من حرب الخليج الأولى وقرارات هؤلاء القوم، دمرت العراق وتمزق ثم ليبيا ثم اليمن ولم يتعظوا. فلاح جزائري[email protected]