بيار لوي ريمون عودنا شباب ‘ربيع الثورات العربية’ على النزول في الشوارع لرفع شعارات سياسية تطالب بإسقاط الحكومات. عودونا أصلا على مقاربة واقعهم على مستوى الشعارات واللافتات. لكن وجها آخر من وجوه تداعيات الثورة برز مؤخرا في تونس بمبادرة طلبة كلية الصيدلة بالمنستير الذين روجوا في أوساط الشباب التونسي هذه الأيام فيديو يظهر العشرات من الشباب والشابات المشاركين في رقصة عملاقة ينددون فيها بمحاولات حركة النهضة فرض سيطرتها على أساليب التفكير وأنماط الحياة في مجتمعهم.هنا حلّ الرقص محلّ الكلمة في أجواء احتفالية مدروسة بعناية تبدو فيها اللقطات المصورة وكأنها أداء فني دقيق التجهيز، متقن الإخراج، وفي نفس الوقت عفوي. وعفوية الموقف تنطق عن نفسها . تظهر في المشهد جماعة من الراقصين والراقصات انخرطوا بأعداد لا تعد ولاتحصى في سلسلة إنسانية لا يعرف لتمددها نهاية. يدفعنا الأمر لتجاوز تقييم الأداء الفني البحت للإنتقال إلى مستوى تحليلي أسمى يكشف جذور استنزاف أساليب التعبير التقليدية في جو يبدو فيه الإرث الاحتكاري للسلطة ما زال قائما. على كل حال، هذه هي الرسالة التي أقرؤها أنا: رفض استنساخ مكرر لتجربة حكم قائمة على توريث أساليب الشخصنة والاستبداد بالرأي. رفض توجه مكرر للدولة نحو أحادية تستبعد الطرف الأساسي من المعادلة: المجتمع المدني. في هذا السياق أيضا، لعل هؤلاء الشباب يسعون إلى كشف جذور الخطأ الشائع الذي يقع فيه الكثيرون وهو التسوية بين مفهومي المجتمع المدني والمعارضة. فللمعارضة الحزبية والسياسية آلياتها الخاصة شأنها شأن المجتمع المدني الذي يتفاعل هو أيضا وفق مقاييسه الذاتية. ولا يمكن اعتبار النهج الجدلي السياسي الملتزم بنظرة معينة للمجتمع مرادفا لعمل تقوم به منظمات أهلية غير حكومية. فالمجتمع المدني رديف الطيف السياسي وليس نسخة منه. ولعل تكون الرسالة الأساسية لهذا العرض الفني هي التذكير بأن آليات التحول الداخلية في البلدان التي عرفت الثورة لا يحركها طرف واحد وإنما تتلاقى فيه فعاليات متنوعة، لكنّها مجتمعة في نفس الوقت تحت قبة واحدة وهي قبة الشعوب التي أصبحت هي الصانعة لتاريخها. لم يكن تصويت هؤلاء الشباب والشابات في رأيي تصويتا سياسيا بقدرما كان تصويتا مدنيا يحدوه الأمل في أن تجد المشاكل الاجتماعية طريقها إلى الحل لا إيديولوجيات، أيا كانت، وسيلتها إلى التطبيق. يبدو لي أن هؤلاء عكسوا صوت غالبية الشعب الذي، بتصويته هذا، صوت أساسا من اجل التغيير أي، بعبارة أخرى، لنفسه.وإذا كان جائزا أن نعطي لكلمة ثورة دلالة دخول فصل جديد من التاريخ بامتياز، يشهد بروز مساحات جديدة للحريات وأنماطا جديدة للتفكير، فقد أحضرت مجموعة شباب المنستير بلا ريب لبنتها إلى هذا الصرح الجديد، لبنة باتت بالتأكيد في نظر البعض حجرة ملقاة في حديقة الطرف الحاكم. ولكن الرسالة كانت واضحة: رسالة شباب حديثين، متصلين بالعالم يرقصون من أجل أن تحترم حقوقهم، حقوق شعب يتخوف من توجهات قاسية قد تؤدي إلى التفريط بحريات كانت موجودة من قبل، حريات المجتمع المدني لتونس الحداثة، تونس بورقيبة. رقصة شباب كلية الصيدلة هي رقصة القضاة والمحامين ورجال الأعمال والمنظمات النسائية والنقابات، وسائقي التاكسيات والحافلات وبقية التنظيمات الاجتماعية والتعليمية والثقافية والدينية وهلم جرا. إنها رقصة الثوار السابقين الذين أسقطوا آمالهم العريضة على وجه سياسي جديد أوصلته الانتخابات إلى سدة الحكم. لكن هؤلاء الشباب على ما يبدو لي، يبعثون أيضا الآن رسالة أخرى يحكمها منطق الواقعية، ومفادها أنه إذا الشعب يوما أراد إسقاط النظام فلا بد أولا للإسقاطات أن تسقط.’ باحث أكاديمي فرنسي qmdqpt