القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: أنتجت ثورة 25 يناير خطابات متعددة على الساحة السياسية، ومعظمها كان يكتنفه الغموض، بل لم يعد أحد من الناس يصدق ما يقوله الساسة، وأصبح على الشعب المصري أن يجتهد في فهم ما المقصود من وراء الخطاب طبقا لأفكاره ومعلوماته، عله يفهم شيئا، وهو ما دفع الدكتور عماد عبد اللطيف إلى رصد كل هذه الخطابات وتحليلها في كتابه ‘بلاغة الحرية’، وهو دراسة حول الخطاب السياسي.وقد جرت، ضمن ندوة، مناقشة كتاب ‘بلاغة الحرية.. دراسة حول الخطاب السياسي’ ضمن محور ‘كاتب وكتاب’ وذلك بمشاركة د.نبيل عبد الفتاح ود.عمار علي حسن.. وحضور مؤلف الكتاب عماد عبد اللطيف.فى البداية أشاد د. نبيل عبد الفتاح، بالكتاب واعتبره من الكتب المهمة التي صدرت هذا العام ،ووصفه بالقيم حيث يتناول موضوعا بالغ الأهمية.. وقال: يتحدث دائما المثقفون والباحثون عن الخطاب وتحليله، وسوف نرى أن المصطلح يستخدم ولا يطبق، وأن حجم المعرفة به سواء على المستوى المقارن عربيا وغربيا شيء، وما يتم في بلادنا شيء اخر.وأضاف: الممارسات البحثية للمؤلف تتسم بالجدة في التناول وفي لغته المتميزة، فهو كاتب ذو تكوين رصين، من حيث متابعاته للواقع الموضوعي والاهم لغته واستعراضاته، فالكتاب يسد فراغ في موضوعه ويقدم ممارسة تحليلية مغايرة لتحليل الخطاب، فنحن أمام تطور في المنهج.وأوضح أن الكتاب مهم لدراسة انتفاضة ثورية تحاول استعادة زمام المبادرة في ظل جو يسوده عدم اليقين، والفوضى، ونقص في الخبرة، وانعدام الكفاءة في إدارة شؤون البلاد.وتابع، للأسف بعض الممارسات البحثية لا تزال واقعة تحت تحليل المضمون الكمي والكيفي الذي ورد إلينا منذ الستينات في الأغراض البحثية ثم جاء مفهوم تحليل النص وشابه بعض الغموض، فالممارسة البحثية في مصر بها خلط بين المناهج وأساليب التحليل، بسبب انقطاع بعثات الخارج، والنقص في الترجمة والمراجع الأجنبية، وتخلف الممارسة التعليمية في الجامعات، إلى جانب ندرة المؤلفات البحثية.أيضا هناك نقص اخر يتعلق بالتطبيق الحرفي أو الميكانيكي، في الدراسات، أدى إلى نتائج مضطربة ووقع فيها بعض الباحثين في المشرق والمغرب العربي.وأشار عبد الفتاح إلى أن منهجية تحليل الخطاب معقدة وليست سهلة كما يعتقد البعض لافتا إلى أن تحليل للخطابات لا يتوقف فقط على مضمونها الظاهر، وإنما يتعمق داخل الخطاب حيث هناك ما وراء الخطاب سواء الشفاهي أو المضمون وهناك خطابات حوارية ولا يتم الالتفات إليها.وأكد: ‘نحن أمام انتفاضة تحمل سمات الحالة الراهنة في التطور ما بعد الحديث، فكل من وصلوا إلى السلطة استفادوا من نتائجها بعد التفاوض مع المجلس العسكري وظهر ذلك بوضوح بعد يوم 28 يناير 2011 الذي تأكد فيه الكل أن النظام قد هوى، وبعدها حاول بعضهم استعادة اللغة العقيمة واللغة التهكمية لبعض الأوضاع السياسية.ولا يجب أن نغفل اللغة المستخدمة على مواقع التواصل الاجتماعي، فبالنظر إليها سنجد في لغة ‘التويتات’، على موقع ‘تويتر’، أو اللغة ‘الفيسبوكية’، المستخدمة على ‘الفيسبوك’ سنرى خروج على ما كان يسمى بمحرمات اللغة، وهي تناقض أو تخالف اللغة الخشبية التي تستخدم من قبل الواعظين السياسيين.وأشار عبد الفتاح إلى وجود ملاحظات له على الكتاب ولكنها لا تقلل منه، حيث يبدأ الكتاب في مقدمته عزفا جماعيا على وتر الثورة، وتشبيه السياسة بالمسرح ورغم أنه تشبيه بليغ ولكن في بعض الأحيان يحتاج المرء إلى أن يتوقف عند بعض الاستخدامات ويجري مراجعة لها، كاستخدام مصطلح المسرح السياسي، ولكني راجعت نفسي ووجدت أنه في ظل الصراعات الحالية بين القوى السياسية فإن هذا التشبيه يمتلك مصداقية، لأن المسرح معد سلفا والأدوار محددة فيه لكن الاختلاف يأتي في أن المسرح الحقيقي لا تنتهك فيه دولة القانون كما تنتهك الآن في استخدام سلاح العجز وفي استخدام قانون الطوارئ، فحدود الممثلين فيه واضحة المعالم.كما أوضح أن الكتاب فيه بلاغة ووضوح مع بعض الكثافة البلاغية التي تحتاج إلى قارئ مدرب، لذلك أطالب المؤلف أن يهتم بهذه النقطة، لأنه لا يمكن أن أجمع كل ما شاهدته الميادين تحت مسمى بلاغة الميادين لان هناك مستويات متعددة للبلاغة ومستويات متعددة للغة التي يستخدمها الفئات المجتمعة في الميادين والتي لها شعارات مختلفة. كما أشار د. نبيل عبد الفتاح إلى أن خطاب التغيير لم يكن جماعيا ولكن خطاب الميادين بدأ بالشرائح الوسطى والوسطى العليا، ولم يكن ابن اللحظة الثورية أو الانتفاضية، وإنما حملته هذه الطبقات نتاجا للخطاب النقدي الذي كان في الماضي وخطاب كفاية و6 ابريل وكلنا خالد سعيد.فالفعل الثوري أدى إلى أن ينتج الفاعلون الثوريون خطابهم، ولم يكن خطابا واحدا بل خطابات متعددة، والذين شاركوا جاءت مشاركتهم نتاج قوة الخطاب الدافع للحرية والكرامة الإنسانية.وتساءل عبد الفتاح هل كل خطابات القنوات الفضائية كان ثورة مضادة أم أن بعضه كان ثوري؟، كما تساءل حول خطاب الصناديق الدعائي والحشدي حيث كانت هناك خطابات تنقض وتناهض استخدامات الشعارات الدينية والتي استخدمها الوسط والإخوان والسلفيون، فيما كانوا هم مقتنعين بها.وقال عبد الفتاح: إن تقسيم الخطابات إلى خطاب الميادين والشاشات والصناديق ليس كافيا، لأن هناك خطابات أخرى، فلا استطيع مساواة خطاب الوسط مع السلفيين لان هناك تمايزا بينهم. وأضاف: المواطن العادي أو ـ من يطلق عليهم حزب ‘الكنبة’- يعد مستهلكا للخطاب، وليس منتجا حيث لدية خطاب الخوف وعدم الثقة في أن الحركة الثورية قد تنجح، ولكن نزل بعضهم عندما وجد أن الخطاب الرسمي أصبح كلاما فارغا ويتبدد في الهواء فور صدوره من منتجه.وفي تقديري أن المنتج للغة الجديدة هم المشاركون في العملية الثورية سواء المتعلمين أو المواطنين العاديين من خلال العفوية والسخرية التي استعادها الشارع المصري .وأكد عبد الفتاح أن الأنظمة المستبدة لا تستخدم لغة تهميشية، بل تستخدم لغة اقصائية، مشيرا إلى أن دخول مصطلح العدالة الاجتماعية ضمن مطالب الثورة جاء من خلال اليسار وحدث بعد يوم 28 يناير 2011.من جهته أكد الدكتور عمار علي حسن الكاتب والباحث السياسي، أن ثورة 25 يناير جعلت الباحثين يدخلوا في هذه الساحة لان أي ثورة لا تكون فعل سياسي بحت ولكن في ركابها أشياء أخرى يزداد الطلب عليها، وكلنا رأينا مؤلف الكتاب يقدم تحليلا حول العديد من الخطابات سواء الأفعال في الميادين أو المناظرات السياسية وكذلك خطب الرئيس الحالي. وقال: في الحقيقة لا أريد أن أفتش في الكتاب، حيث وجدت انه من المفيد أن أتحدث عن عناصر مساندة لهذا الكتاب ومنها قضية البلاغة السياسية وهو مبحث لا يتم تداوله بشكل كبير حتى أنها لا تدرس في كلية العلوم السياسية.وأضاف، أن أفضل وصف للبلاغة جاء في القرآن الكريم ‘إن في البيان لسحر’، موضحاً أن بعض الأشخاص غفرنا لهم بعض أخطائهم لبلاغاتهم، ومنهم الحجاج بن يوسف، حيث أنه كان خطيبا مفوها، وهو ما حدث كذلك في الانتخابات الأمريكية حين قيل ان ‘أوباما’ استطاع أن يسحر الشعب الأمريكي ببيانه، حيث استطاع فعل ذلك من خلال بيانات جيدة وليست جوفاء كالتي نسمعها من الوعاظ، وكذلك الرئيس الراحل ‘جمال عبد الناصر’ استطاع ببلاغة عفوية أن يجذب المواطنين بكلماته وصدق عينيه وحركاته. ومن ثم أتصور أن الدكتور عماد عبد اللطيف مؤلف الكتاب يفتح باب لدراسات العلوم السياسية، وارى انه أن الأوان أن تدرس مادة حول علاقة الأدب بالخطابات السياسية.وأوضح عمار أن البلاغة تدرس عادة على أساس أنها بلاغة مكتوبة ولكن المؤلف وعطفا على دراسات كثيرة وسع المفهوم فلم يقتصر على ما يتداوله اللسان ولكن انتقل إلى البلاغة في الحركة والشعار وهو ما تناوله من رصد لما كان يحدث في ميدان التحرير باعتباره فعلا بلاغيا يحتاج لتحليل. وقال عمار انه يسمي هذا توسعا رأسيا في رصد البلاغة للفعل المصري، وهناك أيضا التوسع الأفقي من خلال رصد شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيرها الكبير في الثورة المصرية، حيث أن قبل الثورة بأقل من شهرين استدعاني احد المخرجين لأعلق على فيلم عن ‘الحياة الثانية’، قاصدا بها شبكات التواصل المجتمعي التي يعيشها الشباب بعيد عن العالم الواقعي المليء بالإحباط، فوجدت شباب متمرد ووقتها علقت على الفيلم بان الجيل سيكون مختلف، فكل واحد منهم يتخيل انه في منصب ويقوم بمهامه المنوط بها فمنهم من يتخيل أنه رئيس جمهورية ويتخذ القرارات التي من خلالها يمكن حل الأزمات، وأخر يتخيل انه قائد جيش في القرون الوسطى وكان يوجه الجيش كيفما يشاء حتى ينتصر.فقد انبهرت بقدرة الشباب وقلت انهم نازعون للحرية ومتمردون على الواقع ولديهم رغبة حقيقية في أن يتحقق حلمهم وهو ما شاهدناه في الثورة.وأضاف، أن ‘الفيسبوك’ أضاف كثيرا للثورة، مشيرا إلى تجربته في حركة كفاية والجمعية الوطنية من اجل التغيير وكيف كانوا يجدون صعوبة في عقد مؤتمراتهم حتى أن بعض الأحزاب المنظمة والمحسوبة على النظام وقتها كانت تخاف من السماح لهم من استغلال مقراتها، وكانت ترفض وتغلق أبوابها أمامهم، فلم يكونوا قادرين على بناء شبكات اجتماعية إلا من ‘الفيسبوك’.وعندما احتشدنا في الميدان نتيجة لاختلاف الأيديولوجيات والمصالح لم يكن عند احد رغبة في اختيار قيادة تتسلم السلطة من مبارك خلال ال 18 يوم الذي قضيناهم في الميدان.وفي الميدان وجدنا ترجمة للفلكلور المصري وكذلك العقل التحايلي، ومثال على ذلك، ما كتبه أحد الأشخاص على لوحه يقول لمبارك ‘اهرب يا أخي قبل ما يقفشوك’، أو ذلك الذي قال عند استفتاء 19 مارس وهو راكب ‘عجلة’: ‘عجلة الإنتاج دايرة يابهايم’، كما سمى أحد البائعين الشاي الذي يبيعه بـ ‘شاي التنحي’ وذلك لجعل المواطنين يقبلون على الشاي، كما انتهز شاب ضرب الشرطة للقنابل المسيلة للدموع ليبيع القناع الواقي من الغاز أثناء الضرب.وأوضح عمار أن خروج كلمة سلمية خلال ثورة يناير أوضحت للغرب أن الشعب المصري ليس شعبا وحشيا كما يصوره البعض، كما أن الناس البسطاء الذين توقع علماء الاجتماع أن يكونوا غاية في العنف كانوا غاية في التحضر، ولكن ما أدى إلى العنف بعد ذلك هي أهواء الساسة ومصالحهم، فكثير من الساسة توقعوا ثورة جياع ولكن جاءت ثورة الطبقة الوسطى.وأشار عمار إلى أن الكتاب تناول خطاب التلاعب متمثل في الانتخابات، التي وجدنا فيها خطاب عدائي فج لا يقوم على أي حقيقة، وأن العديد من الدعاية السياسية المفرطة في ظل الصراع على الكراسي لم تقم على الحقائق وإنما على تخوين الأخر، ثم جاءت خطابات الأكاذيب في الانتخابات الرئاسية ونرى الآن الفجوة الواسعة بين ما قيل وبين ما نكتشفه أو ما يتحقق. وأشاد عمار بتناول الكتاب لواقعة وائل غنيم الذي صنع منه الإعلام وخاصة قناة العربية بطلا و أسطورة، فيما انتقد سقوط صورة خالد سعيد بجثته، في الكتاب. من جانبه قال الدكتور عماد عبد اللطيف مؤلف الكتاب، مدرس البلاغة وتحليل الخطاب بقسم اللغة العربية كلية الآداب جامعة القاهرة، أنه استغرق عاما و9 أشهر في تأليف كتابه ‘بلاغة الحرية’، والكتاب محاولة لفهم من أين بدأنا والى أين المسير، وفهم ما آل إليه الربيع العربي، فكان علي أن ادرس خطاب الثورة الذي يعني النصوص والصور واللقاءات والحوارات والخطب التي أنتجها الربيع العربي فهناك كم هائل من النصوص وكان الاختيار يتم على مدى التأثير والانتشار في المصريين بدءا من شعارات الثورة والغرافيتي، مرورا بخطب مبارك وبيانات المجلس العسكري ومرسي والبرادعي وخطاب الصناديق. وأضاف قسمت الكتاب إلى ثلاثة أقسام، الأول تناولت فيه خطاب الميادين وتحديدا أهم الشعارات والمسميات والأيقونات والصور التي كان لها دور في حسم الجولة الأولى من الثورة المصرية، كما رصدت في المقابل ما كان النظام السابق يحارب به من الخطب واللقاءات التليفزيونية، فهذا الصراع بين الخطابين كان ملمح الثورة، وليس فحسب الخطابات في التواصل الحي وإنما على الشاشات وفي ‘الفيسبوك’. أما القسم الثاني، فقد خصص لخطاب الصناديق التي صاحبت الثورة منذ تنحي مبارك وحتى هذه اللحظة ويبدوا أنها ستمسك في أعناقنا فترة طويلة، لذلك هو مثير للدراسة لأنه افرز لنا ملمح هيمنة التيار الإسلام السياسي على المشهد، وكيف يحشد الإسلاميون المواطنين للتصويت لهم، وكيف يبنون خطابهم في الدعاية الانتخابية؟، وما الذي يحدد توجهات المصريين حول الاختيار.أما القسم الثالث فتناولت فيه خطاب الشاشات الذي حاول إجهاض الثورة منذ بدايتها وحتى الآن وخاصة التليفزيون المصري، وخطابات مبارك والخطابات التي ظهرت خلال محاكمات مبارك وتبرئة مساعدي العدل.وأوضح عبد اللطيف أن الهدف الرئيس للكتاب محاولة فهم هذه الخطابات، خاصة وأننا نعيش هذه الأيام أزمة، فما يحدث الآن أعراض لمشكلات سياسية، فنحن نجني ثمار خطابات العنف والتخوين والتي استخدمت من اجل الوصول للصناديق وإضعاف المعارضين.وأشار إلى أن الإخوان جربوا استخدام أسلوب البطش أمام الاتحادية ووجدوا أن الثمن غال، فكل صمت عن إدانة للعنف والخروج على سلمية الثورة سوف يؤثر علينا جميعا وسنكون كلنا خاسرين.وأكد أن استخدام خطابات سياسية تحريضية تميز بين المصريين وتوجه لجماعة بعينها تؤدي إلى فساد السياسة، كما أن الخطابات التي تصمت عن إدانة عنف وتهتم بالمصالح الحزبية فهي أيضا خطابات خاسرة. ودعا عبد اللطيف إلى ضرورة إصلاح السياسة بإصلاح اللغة بأن ننتج خطابا لا يحض على العنف، وأن تتوقف الخطابات المضللة والتلاعبية، حتى نقلل من فجوة المصداقية التي نعاني منها حاليا لوجود اختلاف بين ما يقال وما يفعل، ولتقليل الآثار الفادحة للخطاب السياسي.qadqpt