خلدون عبد اللطيفأسوةً بمجايليه، يعدّ الكاتب الفلسطيني الشاب عبّاد يحيى (مواليد 1988) من عناقيد المرحلة التاريخية التي تفتّح وعيها ونضجت في معمعان عملية ‘السّلام’ وصراع ‘الإخوة الأعداء’ تحت نير الاحتلال. إلى جانب كونه أحد شهودها الأصغر سناً في سياق الشّرطين: التاريخي والديموغرافي، ما أتاح له أن يرافق ويرصد تحوّلات رام الله بعد ‘أوسلو’ من مدينة ‘قروية’ إذا جاز التعبير إلى أخرى ‘مدينية’ لا تزال مؤهلةً لأن تختبرها وتخترقها طوائف من النّصوص، كما هو الحال مع ‘رام الله الشقراء’ (دار الفيل/ القدس – 2012)، الرواية الأولى لعبّاد يحيى، والتي جعلها مسكناً أو (مُستعيرين من الماغوط) ‘غرفة بملايين الجدران’ لمتواليةٍ من ثنائيات وأضداد تتكشّف في مناوبات سرديةٍ عبر رسائل متبادلة بين صحفي شاب يعمل في الشأن الثقافي وصديقته التي تعمل في مجال الصحة العامة، من دون الكشف عن اسم أيٍّ منهما؛ استجابةً فيما يبدو لاعتبارات تغييبية – لا غيابية – مقصودة؛ حيث أنّ وجود من يماثلهما متلازمين في واقع رام الله الحالي ليس بالأمر النادر، بمعنى أنّ أيّ شخصٍ عاقلٍ يستطيع أن يرصد ويروي ما تراه الرواية ويرصده أبطالها بغض النّظر عن اسمه الذي لا يعود ضرورياً عند مقارنته بأهميّة ما يرويه.تنطلق الرواية من تعيين السّلب، أو الوجود الزائف حسب المقاربة الجدليّة، وتتخذ من التقابلات معادلةً لتمرير مقولاتها في الغالب، فثمة عينٌ دقيقة وفاضحة تلتقط ما هو قبحيّ بالضرورة، وتنقل مشاهدات عن وقائع غريبة لم تكن تألفها رام الله في السابق، كانتشار المثليين، ومقاهي المثقفين التي أضحت وجهاً من أوجه اجتياح رأس المال الإقتصادي وتسليعه للرصيد المتبقي من رأس المال الثقافي. رام الله، العاصمة الإدارية المؤقتة للسلطة الوطنية الفلسطينية، مسكونةٌ بالإستلاب، وبتنميطٍ استهلاكيٍّ للثقافة عبر اختصارها في المطاعم والمقهي والبارات، وكذلك عبر ‘تفرنجها’ و’تعولمها’ حتى على مستوى اللغة المستخدمة في النّدوات والمحاضرات ‘كنت ذاهباً للإستماع إلى محاضرة سلافوي جيجيك…كانت المحاضرة باللغة الإنجليزية دون ترجمة، كأنه يحاضر في لندن، وكان الإعلان عنها باللغة الإنجليزية فقط، كأن حضور أبناء البلد غير مطلوب ولا وارد’. في هذا النّسيج، يلاحق عبّاد الطوابع المهيمنة على رام الله بعد نحو عقدين من أوسلو، ليدوّنها سوسيولوجياً وثقافياً وسياسياً واقتصادياً، ويخرج علينا برواية جريئة ومكتنزة بحسّ المبالغة التي يتطلبها العمل الأدبي عادةً، فهي تتجاوز التشخيص أو الأرشفة، ولا تتورّع عن دقّ نواقيس الخطر وتعليق الأجراس في كلّ صفحة من صفحاتها، ناهيك عن فضح تغوّل المؤسسات المانحة وقوى التمويل الأجنبي والجوسسة المقنّعة بوصفها من مفرزات المرحلة، في غفلةٍ من المؤسسات الرسمية والأمنية الفلسطينية، وفي مقابل ميوعة النّضال السياسي جرّاء الصراعات الخفية التي تشوب العلاقة بين فصائل المقاومة الفلسطينية، وتنامي رام الله وسط ذلك كمدينةٍ لا تدّعي الفضيلة بقدر ما لا تجد ثوباً كوزموبوليتانياً على مقاسها ‘لا وجود للمسلمات في رام الله ، كل شيء قابل للمساومة، والمدينة عازمة على سحق قناعاتنا الرملية، وكأن احتفاظنا بأية مسلّمة مهما صغرت يحمل تهديداً ما’تبدو الرسائل المتبادلة بين الشاب وصديقته أشبه بلوحةٍ سرديةٍ واحدةٍ، تتوارى شخوصها ثم لا تلبث أن تعود إلى الظهور في رسالة أو لوحة سردية لاحقة، وهكذا دواليك. فضلاً عن أنّ مخطّط العملية السردية، واقتران الزّمن السّرديّ بالزّمن الحقيقيّ وإلى حدٍّ ما بزمنٍ القراءة، تمنح الرواية بالمجمل وقودها اللازم لمواصلة الإشتعال، وقتل رتابة القالب الشّكليّ الذي اختاره الكاتب، على الرغم من بساطة الحبكة وربما سذاجتها لجهة المقولات الكبرى التي تطمح لأن تقولها أو تناهضها. من جهة أخرى، لا يمكن إغفال الأبعاد التأريخية وراهنية الترصّدات المؤثثة للرواية، رغم صغر حجمها الذي لم يتجاوز 126 صفحة، وابتعاد حبكتها عن التعقيد، ما يجعلها أقرب انتماءً على نحوٍ ما – إلى النوفيلا أو الرواية القصيرة منها إلى الرواية بشكلها المتعارف عليه، عطفاً على فصولها القصيرة التي يأخذ بناصيتها سردٌ أقرب إلى القصة القصيرة غير مجازفٍ ببلوغ تخوم السّرد الروائي، وهو ما يؤكده كذلك إنكماش الأحداث، واختزال التفاصيل لصالح الأسطر المكثفة والعبارات الموجزة التي تخلق مفارقات، وتختصر أحياناً وتائر من الحوارات الطويلة ‘اسم جورج حبش يُطلق على دوّار في أفخم أحياء المدينة، ويطلق اسم أبو جهاد ويحيى عيّاش على شارعين يعبران مجمّع وزارات سلطة أوسلو’، علاوةً على إقتصادها في عدد الشخوص، لكنه اقتصادٌ لا يصل بها إلى حدود الإختناق وإنّما يكفيها لأن تعبّر عن أفكارها بلا قيود، فكلّ شخصية من الشخصيتين الرئيستين تعرّي رام الله من منظورٍ نقديٍّ لاذعٍ بدرجات التقاطية متفاوتة، وصولاً إلى النّهاية حيث يختلط الواقعي بالرمزيّ، وتختال رام الله بشعرها الأشقر والناعم في لقطةٍ لا تخلو من مفارقة ساخرةٍ ومفتوحةٍ على تأويلات عديدة، إذ لم يبقَ لها ‘إلا الذاكرة، وها هي تتسرب’، بينما تردّد بطلة الرواية ‘رام الله مبتورة وكل ما فيها مبتور، لا تكتمل فيها إلا أوهامنا’بمعنى ما، قد تتبدّى رام الله في جوهرها مدينة ‘لا منتمية’ أو مشاعة لبرابرة مُنتَظَرين، ويحسب لعبّاد يحيى أنه تجاسر في طرح رؤيته من الجهة التي لا يتجرأ أحدٌ في الغالب على التزامها، مدعّماً الرواية برؤية معرفية وسوسيولوجية كونه قادماً إلى حقل الكتابة من علم الإجتماع، ما أتاح هنا إمكانية تلمّس واحدٍ أو أكثر من أوجه التطابق بين بطل الرواية وصاحبها. مع هذا، تنأى ‘رام الله الشقراء’ بنفسها عن تقديم أجوبة أو تفسيرات ضافية، والرواية عموماً ليست مطالبة بذلك، بيد أنها تؤشر إلى وقائع وظواهر مريرة، ولا تنفك تثير الأسئلة وتعيد تقييم الأشياء، وهذا أغلب الظنّ – ما يعلّل ارتفاع بعض الأصوات المحتدّة على ‘رام الله الشقراء’ غداة صدورها لتغضّ من شأنها، فهي بالضرورة أصوات متبرمة لا تشاطر الكاتب نظرته إلى الأمور، كما أنها غير مشفوعةٍ بدعامات ومؤطرات أيديولوجية تناهض اعتناقاته، بقدر ما لامست الرواية عصباً حسّاساً لدى من أبصروا أنفسهم عراةً داخل الرواية بأسماء مستعارة أو بلا أسماء، فكان ‘شقار’ رام الله وبالاً عليهم.qad