ابراهيم درويشلندن ـ ‘القدس العربي’: كانت صور الجثث الممددة على ضفة نهر القويق وتحت السماء الصافية من اكثر اللحظات القاسية في الانتفاضة السورية التي ستدخل عامها الثالث. كانت الجثث الملفوفة بأكياس بلاستيكية ممددة على مدى النظر او ابعد، وكل الضحايا الـ 110 ماتوا بعد اطلاق النار على رؤوسهم وقتلوا على ما يظهر وايديهم مقيدة الى ظهورهم. ولم يعرف اهل حلب عنهم الا بعد ان طفت مياه النهر حيث اجتمع الناس حولها لتحديد هوية القتلى.وطرحت اسئلة حول الضحايا من هم ومن اين جاءوا ومن قتلهم. هل النظام ام شبيحته ام جماعات اخرى. وفي تحقيق قام به مراسل صحيفة ‘الغارديان’ في شمال سورية مارتن شلوف، قال فيه ان كل الضحايا جاءوا من الاحياء الشرقية التي يسيطر عليها المقاتلون، وكلهم من العاملين او في سن العمل، فيما اختفى الكثيرون منهم على نقاط التفتيش التي يسيطر عليها النظام.ويقول التقرير ان الجثث ظلت تتدفق من النهر بعد اكتشاف الضحايا في 29 كانون الثاني (يناير)، مشيرا الى ان ناشطين زعموا اول من امس انهم عثروا على 20 جثة في مجرى النهر الذي اطلقوا عليه ‘نهر الشهداء’.ويقول التقرير ان عملية تدقيق في هوية القتلى جرت في حي بستان القصر، حيث تم دفن القتلى الذين لم تعرف هويتهم بعد ثلاثة ايام من العثور عليها. وجمع مراسل الصحيفة تفاصيل القصة من القصص التي استمع اليها من ابناء العائلات الذين حضروا للمركز المؤقت الذي اقيم في مركز لرعاية الطفولة كي يتعرفوا من الصور على افراد عائلاتهم او اقاربهم. وما يجمع مصير هؤلاء الضحايا انهم جميعا يعملون، او كانت لهم روابط بحلب الغربية التي يسيطر عليها النظام، وفي بعض الحالات كانوا يحاولون اجتياز نقاط التفتيش للمنطقة الغربية والتي يسيطر عليها الجيش او جماعات الشبيحة. وعندما يعبر اي شخص الحاجز فعليه ان يقدم ورقة تحدد الحي الذي جاء منه. وقامت الصحيفة بلقاء 11 قريبا للضحايا والذين اكدوا ان اقاربهم اختفوا في المناطق التي يسيطر عليها النظام او كانوا يحاولون الوصول اليها. وبحسب محمود الدروبي فوالده الذي كان يعمل في البنك الوطني كان يقيم مع واحدة من زوجاته الثلاث في حي الاشرفية في غرب حلب، حيث اخبرها انه ذاهب للعمل، ولم يعد منذ 22 يوما، ويضيف الابن محمود باكيا ‘كان يعمل في منطقة غير محررة، لقد قتله النظام’. واقسم الشيخ العارورة على الانتقام لدم ابن عمه محمد حمندوش. والشيخ من مقاتلي الجيش الحر لكنه يصر على ان محمد لم يكن، فقد كان في طريقه لزيارة طبيب الاسنان في حي الجميلية، واعتقله الجيش لشكه انه من الجيش الحر. ويقول الشيخ ‘نعرف اين اعتقل وقد ذهب والده لزيارته، واخبره الجيش انه سينضم للجيش الان، وبعد ايام ظهرت جثته على سطح الماء، هذا نظام ديكتاتوري، لقد اخذوا الشباب للجيش ثم قتلوهم كل هذا لاننا من السنة، وهذه رسالة واضحة من النظام الشيعي للسنة’. ويقول شخص اخر عرف نفسه بابو لطفي حيث قال انهم تتبعوا اثر قريب لهم اختفى اسمه محمد واعظ الى سجن في حلب. ويقول ‘كان تاجرا، واوقفه الجيش على الحاجز واعتقله، وعندما ذهبنا وسألنا الجيش عنه قال انه محتجز لديهم وسيتم اطلاق سراحه بعد عشرة ايام، ولكننا عثرنا على جثته بدلا من ذلك، كان مقيد اليدين والرجلين واطلق الرصاص على رأسه’. وقال انه يغطي وجهه حتى لا يتعرف عليه النظام والا تعرض للقتل هو وعائلته ‘نحن واثقون من الثورة، لقد خدمنا الجيش اربعين عاما والان نفس الجيش يهاجمنا ويقتلنا’. واضاف ‘هذه رسالة من الجيش، كلما تقدم الجيش الحر خطوة فسنقتل مدنيين، والان ستقوم عائلات الضحايا بالانضمام للجيش الحر’. الام تريد الانتقاموعبر شخص اخر اسمه عمرو علي من دار العزة غير البعيدة عن بستان القصر عن رغبته بالانتقام حيث قال ‘انا عنصر في كتيبة مجد الاسلام، اثنان من ابناء عمي كانا يعملان في مجال الخياطة ياسين، 20 عاما وعمر 14 عاما، وخرجا ولم يعودا قبل خمسة ايام من المذبحة، وكنت اعرف عن نقطة تفتيش في منطقتهما وطلبت منهما اخذ الحيطة’.ويضيف انهما كانا المعيلين لعائلتهما وانه شاهدهما في طريقهما للعمل في المنطقة الغربية، وجاء والدهما يسأل عنهما واخذنا نبحث عنهما، ثم سمعنا عن المذبحة وجئنا لاخذ جثتيهما’. ويقول ان امهما الان تسأل ان كان بامكانها الانضمام للجيش الحر كي تأخذ بثأرهما، فلم يبق للعائلة سوى ابنتين وكلهم يريدون الانضمام والجهاد. وعن مكان القتل الجماعي يعتقد اهالي الضحايا ان الجثث حملها التيار من الشمال حيث يقع مكان القتل. ويقيم الاهالي اتهامهم للنظام على شهادتين تقدم بهما شاهدان بعد ايام من اكتشاف الجثث، احداهما جاءت من شخص اسمه عبدالرزاق (19 عاما) قال انه سمع صوت اطلاق الرصاص على 30 سجينا اثناء اعتقاله في سجن القوات الجوية. ويقول انه كان في منطقة البستان حيث يعمل نجارا، وذهب الى مركز المدينة لشراء ساندويتش فلافل حيث اعتقله الجيش واخذ يضربه ويتهمه بالانضمام للجيش الحر ‘لقد ضربوني مدة ثمانية ايام وطلبوا مني اعترافات، ونقلوني من قاعدة جوية الى اخرى’. ويضيف انه قضى في السجن ثلاثة اشهر ونصف، وقبل الافراج عنه اخذوا 30 شخصا من زنازين انفرادية وقتلوهم. عذبوهم ورموا الاحماض عليهمويزعم عبدالرزاق انه كان معتقلا في قسم- 4 والذي كان قريبا من الزنازين الانفرادية التي اخذ منها الضحايا، ويضيف انه تم تقييدهم وتعصيب وجوههم وعذبوهم حتى الموت. ويمضي بالقول ان السجانين قاموا بصب الحامض الكيماوي عليهم حيث انبعثت الروائح الكريهة لدرجة الاختناق. وفي اليوم التالي يقول ان السجانين وضعوه مع اخرين امام فرقة اعدام، لكنهم لم يطلقوا النار عليه وافرجوا عنه لاحقا. ويمضي عبدالرزاق في روايته قائلا انه سمع نساء يصرخن ويقلن انهم يصبون الكحول علينا ويشتموننا… الله وحده سيخرجنا من هنا… اريد القتال من اجل هذه القضية حتى يعرف العالم ما يجري’.وبالاضافة لهذه الشهادة يشير تقرير ‘الغارديان’ الى شهادة اخرى من رجل لم يعتقل في نفس السجن لكن في مركز اعتقال تديره القوات الاستخبارات حيث قال انه قضى شهرا فيه، وفي ليلة اخذوه مع اخرين الى منطقة خارج السجن، قرب الحديقة وصفوهم، واخذ يدعو ويصلي ليحضر نفسه للموت. ويقدم الشاهد هذا تفاصيل عن اطلاق النار، لكن الجنود توقفوا عندما جاء الدور عليه واربعة الى جانبه، حيث قرر الجنود تركهم ‘لا اصدق ما حدث’ يعلق. ويشير التقرير الى ان عملية دفن الجثث قام بها المقاتلون نيابة عن بعض العائلات. ويبدو ان قرار الدفن او عدم حضور الجنازة مرتبط بخوف العائلات على ارزاقها وحركتها بين غرب المدينة وشرقها، فالذين طلبوا من المقاتلين دفن اقاربهم يعيشون ويعملون في غرب المدينة، وهناك من يتحرك يوميا بين الطرفين، ويقف على حواجز الجيش. مخاوف الاهاليفوالد احد الضحايا قرر دفن ابنه في الشرق لان نقله الى حيث يسكن يعني تعريض حياته للخطر. ويستند التقرير على رواية عبدالرزاق الذي يقول انه حصل على تفويض من من اب اخر كي يدفن ابناءه القتلى في الشرق لانه اي الاب لا يزال يعمل في داخل المناطق غير المحررة.كل هذا في الوقت الذي تعاني منه المدينة من توقف التيار الكهربائي الذي ظل يعاني من حالة انقطاع متكررة طوال الاشهر الماضية، اضافة لغياب الخدمات الاساسية، فاكوام النفايات المتعفنة التي تملأ ملعب كرة قدم منتشرة في كل مكان، هذا اضافة الى نقص المياه. وكان التلفاز الرسمي قد اتهم جماعات ارهابية محترفة بتنفيذ المجزرة، حيث عرض اعترافات من قال انه عضو في جبهة النصرة التي تعتبر من الجماعات المقاتلة البارزة في الانتفاضة خاصة شمال البلاد. وقد سخر كل الذين قابلتهم الصحيفة من مزاعم النظام. جبهة النصرة احسن من النظاممقاتلو جبهة النصرة يسهل التعرف عليهم في شوارع حلب، ويقدمون المساعدات للسكان- الغذاء والدواء. ومع ان بعض الجماعات المقاتلة لا تثق بهم الا ان هذا راجع للمنافسة بين الجماعات المقاتلة التي تتقاتل على الشرف والغنائم. وبحسب عامل في المستشفى، قال انه ‘ لا يحبهم’ لانه لا يفكرون مثله ولكنهم يعاملون الناس باحترام ويجب ان ‘تتعامى حتى تعرف من ارتكب المجزرة’. ويضيف اخر ان جبهة النصرة لا يمكنها ان تفعل هذا ‘لا مسلم يقدم على عمل كهذا الا النظام، اما الشيخ العارورة فيقول ان ‘جبهة النصرة اشرف واحسن من بشار الاسد وعصابته، ولا يمكنهم ارتكاب فعل كهذا، لقد كانت جبهة النصرة هي التي قدمت الطعام والمأوى والملابس، فلماذا يعطونهم هذه الاشياء ثم يقتلونهم’ وجبهة النصرة هي التي تسيطر على مدينة الرقة التي تعتبر اول مدينة كبرى تسقط في يد المعارضة. النصرة في الرقةوتظل سيطرتها بمثابة امتحان للمعارضة وكيفية ادارتها للبلاد في مرحلة ما بعد الاسدـ وسط مخاوف غربية حول من سيملأ الفراغ. ففي الوقت الحالي قام مقاتلو الجبهة بتأمين المباني المهمة ووضع الحراسات عليها، وخفضوا اسعار الخبز لما كانت عليه قبل الحرب وانشأوا خطا هاتفيا يمكن السكان من الاتصال للابلاغ عن نشاطات لمؤيدي النظام. وفي الوقت نفسه قام المقاتلون باعدام رجال امن النظام في الساحات العامة وجروا جثثهم في الشوارع. ولم يتخلص المقاتلون وهم يحاولون ادارة المدينة من خلافاتهم التي عوقت عملهم وتقدمهم في كل انحاء سورية. كما ان صعود الاسلاميين وسيطرتهم على الرقة قد يحرمهم من المساعدات الانسانية التي تعهدت بها الدول المانحة في مؤتمر روما نهاية الشهر الماضي. وفي الوقت الذي يعترف فيه معارضون بقوة النصرة ومقاتليها الا انها لا ترغب بفرض ايديولوجية من الخارج، اي ايديولوجية القاعدة. وتعتبر الرقة التي يعيش فيها اكثر من 500 الف نسمة اول مدينة تسقط في يد المقاتلين بالكامل، فبعد ان سيطروا على سد الفرات قام المقاتلون بالهجوم على سجن المدينة ثم عززوا من انجازاتهم بالسيطرة على معظم المدينة في الرابع من اذار مارس- الحالي. ولكن الرقة مثل حلب وادلب التي يسيطر المقاتلون على مناطق شاسعة حولهما تعاني من نفس الوضع، فقد فر السكان، خشية ان تتعرض المدينة للقصف الجوي.qarqpt