حكومة تسرّ الناظرين .. ومعركة المحجّبات في المجلس التأسيسيّ

حجم الخط
0

عبد الرزاق قيراطقبل عرض الحكومة الجديدة على أجهزة الكشف والتصويت للحصول على ثقة النوّاب، وبعد أن تابع التونسيّون المشاورات الشاقّة التي صاحبت تشكيلها، لم أجد مثيلا لتلك التجربة الفريدة إلاّ في سورة البقرة. وطولها منسجم مع طول المشاورات، وما سبق العثور عليها أي على البقرة من مفاوضات عسيرة مع بني إسرائيل الذين أكثروا اللجاج بخصوصها فسألوا عن نوعها ولونها حتّى تشابه البقر عليهم قبل أن يهتدوا في النهاية إلى بقرة ‘مسلّمة لا شية فيها’. (والشِّية سواد فى بياض أو بياض في سواد، وكلّ ما خالف اللَّون في جميع الجسد وفي جميع الدوابّ)، كما تخبرنا القواميس التي ستضيف حتما مثال الحكومة التونسيّة الجديدة، وقد أريد لوزارات السيادة فيها أن تسلم من شية السياسيين وخاصّة من قيادات النهضة (أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال) أو المتعاطفين أو الأصهار. وفي هذا الباب، أفتى النائب ‘الفطن’ محمود البارودي، برأي في الوزير الذي اقترح لحقيبة الدفاع فقال في إذاعة شمس آف آم إن وزير الدفاع المحتمل (عبد الحق الأسود) شية لأنّه مقرّب من النهضة. وله صهر من حركة حماس الفلسطينيّة، وفي ذلك خطر على حياد الوزارة والدولة. وكان ذلك القول من أكثر الأفكار المسلّية التي خفّـفت علينا وطأة الانتظار، مع المجهود الذي بذلته الفضائيّات التونسيّة ليلة الاعلان عن التركيبة الحكوميّة التي تسرّ الناظرين والمنتظرين، فقدّمت لنا التونسيّة في برنامج التاسعة مساء تقريرا عن الصحفيين المهدّدين بالاغتيال، تخلّله الفيديو الذي سجّلته كاميرات المراقبة في المقهى المجاور لمكتب الصحفي بن غربيّة حيث ظهر مسلّح قيل إنّه يطارده. ومشاهدة فيديو القاتل قبل أن يقتل من شأنها أن تبشّر الحكومة الجديدة بأنّ الوضع تحت السيطرة. بفضل يقظة الصحفيّين الذين أظهروا فطنة غير مسبوقة. وأبرزهم في الميدان، ‘العظيم’ سفيان بن فرحات نجم السهرات على نسمة، بفضل ما يختلقه من التخاريف والحكايات.معركة المحجّباتمن الظواهر الجديدة التي نلاحظها بكثرة في برامج الحوارات السياسيّة، حضور بعض الصحفيين مصحوبين بحواسيبهم اللوحيّة، ما يكشف عن معاقرتهم للفيسبوك، حيث أدمنوا حبّ الظهور والبروز. وهي آفة قديمة استفحلت في أيّامنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تغذّيها رغبة الناس في إظهار ما يملكونه من المواهب الطبيعيّة أو المصطنعة.سفيان بن فرحات صحفيّ وهبه الله بسطة في الجسم حتّى أنّه سقط مرّة لأنّ الكرسيّ لم يتحمّل تلك البسطة، وكان حينها يندّد بمن رفض اعتبار الفقيد شكري بلعيد شهيدا، فزعم أنّ ‘القرآن الكريم يخبرنا بأناس عاشوا وماتوا شهداء قبل الإسلام مثل أصحاب الأخدود’. وقبل أن ينهي كلمته، خُسف به الكرسيّ الذي أحدث ضجّة تشبه الانفجار، إذْ تحطّم تحت وطأة الثقيلين: الجسم والقول. وما زال صاحبنا يحضر بانتظام في برنامج (ناس نسمة) فيجلس متسلّحا بحاسوبه اللوحيّ، ولا يكفّ عن لمزه وهمزه لمراجعة ما يصله من الملاحظات والتعاليق حول (بطولاته الصحفيّة) التي توثــق ما ينشره من الأخبار أو التأويلات أو الظنون. وكلّها تصلح لجلب المعجبين ودعم قائمة الأتباع على صفحته بالفيسبوك. ومن بين الأحاديث التي سحر بها أسماع الناس ما رواه (بدون عنعنة)، فزعم أنّ معركة وقعت في المجلس التأسيسيّ بين أربع نائبات من كتلة النهضة وأنّها تسبّبت في تهشيم أجهزة التصوير التابعة للقناة الوطنيّة وأنّ تعويضا بآلاف الدنانير دُفع للمؤسسة… وقد نجح بن فرحات في صناعة ما يسمّى في لغة الإعلام البديل (buzz) والكلمة حديثة دخلت المعاجم الفرنسيّة سنة 2010، ويترجمها ‘غوغل’ إلى العربيّة بطرافة تناسب المدمنين على أنواع الموبقات فهي ‘الشرب حتّى الثمالة’، وثمالة الصحفيين الذين يعاقرون صفحات الفيسبوك، بلغت أوجها في تونس، ونالت من أعراض العامّة والخاصّة. لذلك سمع بن فرحات ما لا يرضيه أثناء جلسة التأسيسيّ اللاحقة حيث ندّد النواب ‘بأكاذيبه’. وعبّر مصطفى بن جعفر عن أسفه لما آل إليه العمل الصحفيّ، وكذّبت القناة الوطنيّة الحادثة في نشرة أخبارها. وعجز بن فرحات عن إقناعنا في ردّه بوثائق تثبت ما رواه، رغم كثرة وسائل التصوير الموجودة في أروقة المجلس التأسيسيّ. والأمر لا يستغرب في برنامج عنوانه (ناس نسمة) فقد عوّدنا بعجائب القيل والقال كما يحدث في جلسات المقاهي حيث يردّد الناس ما يسمعون، وتسجّل كاميرات المراقبة دخولهم وخروجهم كما فعلت مع الرجل المسلّح وهو يطارد الصحفيّ بن غربيّة الذي عرض الفيديو دليلا على شكوكه، بينما ظلّت ظنون بن فرحات دون أدلّة، فلم نشاهد من ضحايا المعركة المزعومة إلاّ سقوطه، ولم نر من الأجهزة المهشّمة إلاّ الكرسيّ الذي خرّ من تحته. وسيظلّ يزبد ويثرثر إلى أن يهشّم بقيّة الكراسي في قناة قد تكون عاجزة عن شراء غيرها، وعندها سيدرك الجمهور أنّ ‘أفشل الأشياء أعظمها جثة وأعظمها صوتا’، كما قال ابن المقفّع في كتابه كليلة ودمنة.كليلة ودمنة في أخبار الثامنةعوّدنا الخبير القانوني قيس سعيّد، كلّما سئل عن رأي القانون في بعض القضايا الطارئة بتدخّلات مطوّلة وكلام مدرار، لا يتخلّله وقف أو فصل، ما يدلّ على مواهب الرجل في الحفظ وخبرته في مراجعة المحفوظات بتفاصيلها وجزئيّاتها. وأصبح سعيّد ذائع الصيت بعد الثورة وقيام المجلس التأسيسيّ فكان يستشار فيما يخصّ تنظيم السلطات أو ما سمّي بالدستور الصغير الذي يسيّر دواليب الدولة في انتظار أن يجهز الدستور الكبير عندما يدخل الجمل في سمّ الخياط. والجمل التأسيسيّ بارك منذ سنتين لا يراوح مكانه، وهو بطبعه ثقيل الحركة، حتّى اتّخذه امرؤ القيس استعارة لتشبيه الليل الطويل الذي اشتكى منه حين أنشد:’ فقلت له لمّا تمطّى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل. ألا أيّها الليل الطويل ألا انجل بصبح وما الاصباح فيك بأمثل. قيس سعيّد امرؤ من رجال القانون، ولعلّ ذلك هو سرّ انضباطه الذي يظهر على وجهه وفي نبرات صوته حين يجيب عن أسئلة الصحفيين خاصّة في نشرات الأخبار حيث لا يتّسع المجال للخروج عن النصّ، نصّ السؤال ونصّ الجواب. ومع ذلك أفلت صاحبنا من عـقال النصّوص كما يفعل الكوميديّون من ذوي الخبرة، وكان ذلك في نشرة أخبار الثامنة على الوطنيّة الأولى، عندما سئل عن أسباب تعثّر المفاوضات بخصوص تشكيلة الحكومة تنهّد قيس برهة وأقسم قائلا: ‘والله، تذكرني هذه المشاورات بما ورد في كليلة ودمنة حينما تحدث عن السلطان، قال وإنما شبّه العلماء السلطان بالجبل الصعب المرتقى الذي فيه الثمار الطيبة والجواهر النفيسة والأدوية النافعة وهو مع ذلك معدن السباع والنمور والذئاب. فالارتقاء إليه شديد والمقام فيه أشدّ. وكما تلاحظون هذه المشاورات تتواصل منذ أيام عديدة (…) كأنّها مفاوضات الوضع النهائي في فلسطين بدأت ولم تنته.’ وكذلك كلام صاحبنا كاد أن يكون بلا نهاية لولا مقاطعة مقدّمة الأخبار، وذلك إنجاز يُحسب لها، فالمعلوم أنّ قيس امرؤ لا يستطيع التوقّف بمفرده، ولا يترك للصحفيّين ثغرات يتسلّلون منها لواذا. فيصعب عليهم أن يقاطعوه أثناء تلاوته لمحفوظاته من التفاصيل القانونيّة شديدة الدقّة، ثقيلة الوطأة، فما بالك حين يخرج عن النصّ ويأخذ في سرد ما يعرفه من فنون الأدب كما حدث مع كليلة ودمنة، الأمر الذي فاجأ الجمهور مفاجأة سارّة، وفي طيّاتها رسالة للحكومة الجديدة التي تحاصرها السباع والنمور والذئاب، ولا يُعرف ما تخفيه لها الأيّام من المفاجآت.كاتب تونسي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية