محمد الخليفي لقد شكل ‘الربيع العربي’ حدثا بارزا طبع المنطقة العربية نظرا لما تمخض عنه من تحولات عميقة شملت هرم السلطة في دوله كما شمل مناحي أخرى من الحياة السياسية في هذه البلدان. ولعل أبرز هذه التحولات يتمثل في حدوث تغيرات جوهرية في موازين القوى على المستوى الإقليمي والدولي والذي ليس بالضرورة في صالح دول ‘الربيع العربي’، ومن جهة أخرى فإن المستجدات التي راكمها هذا الربيع كشفت عن تحولات دراماتيكية في السلوك السياسي لبعض الفاعلين الإقليميين بالمنطقة والمتمثل في الانتقال الفجائي من سياسة خارجية لأخرى وبشكل انقلابي خطير، بحيث شكلت تركيا أوضح نموذج لهذه الانعطافة الحادة في السياسة الخارجية للدول.تركيا وسياسة ‘صفر’ مشاكل: إن المتغيرات العميقة التي شهدهــــا العالم عموما ومنطقة الشرق الأوسط على الأخص بعد انهيار ‘الإتحاد السوفييتي’ وانتهاء الحرب الباردة وبالتالي الثنائية القطبــــية، قد ساهم في تشكل تحولات هامة داخل تركيا، بالشكل الذي أضحــــت فيه الجمهورية الأولى التي أسسها ‘أتاتورك’ عاجزة عن مواكبــــة وتفسير كل هذه المتغيــــرات، وذلك ناتــج بشكل أساسي عن المرتكز الأيديولوجي الجامد والمتعصب الذي قامت عليه هذه الجمهورية.فبعدما كان دور تركيا الكمالية قبل انتهاء الحرب الباردة لا يتعدى العمل كدرع عسكري متقدم لحلف ‘الناتو’ في مواجهة حلف ‘وارسو’، فإن انتهاء هذه الحرب بانهيار ‘الإتحاد السوفييتي’ أسفر عن معطيات جغرافية وسياسية جديدة لعل أبرزها ظهور جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز الإسلامية مما جعل تركيا محط أنظار شعوب واسعة ناطقة بالتركية تشترك معها في محددات دينية وتاريخية وعرقية، تجعل منها بالتالي مركزا طبيعيا للعالم التركي الطوراني.من زاوية أخرى فإن تزامن انتهاء الحرب الباردة مع انهيار ما سمي بمنظومة الأمن القومي العربي، على اثر اشتراك جل الدول العربية مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب في تدمير العراق باعتباره قوة عربية متوازنة، فتح البوابة لبروز قوى أخرى تواقة لقيادة العالم العربي والإسلامي من بينها تركيا .أمام كل هذه المستجدات الإقليمية والدولية بدأت تركيا تخط لنفسها سياسة خارجية جديدة قوامها العودة إلى عمقها الاستراتجي، وإبلاء الكثير من الاهتمام لمحيطها الجيوسياسي، حيث قام ‘تورغوت أوزال’ بنقد ‘الاتاتوركية’ وأعلن إفلاس العلمانية وبالتالي التأسيس عمليا للجمهورية الثانية والتي وفرت الأرضية الملائمة والظروف الموضوعية لبروز أفكار الإسلاميين الجدد في تركيا، والتي توجت بنموذجها الحالي المتمثل في ‘حزب العدالة والتنمية’ التركي، والذي نجح في استحضار الإرث العثماني كقوة عظمى في حينها، مع العمل على ربط تركيا بمحيطها الجيوسياسي والجيوثقافي، بحيث تم إعادة تعريف مصالح البلاد القومية والإستراتيجية بشكل أفضى إلى إعادة تصويب وجهة تركيا نحو الشرق.و هكذا فقد جاءت مقاربة وزير الخارجية التركي ‘أحمد داود أغلو’ هادفة إلى المساهمة في بناء السلام في المنطقة والتقريب بين الدول المشكلة للشرق الأوسط، ومرتكزة على سياسة خارجية مبنية على التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي مع هذه الدول.كما عملت تركيا على تطبيق نظرية ‘تصفير الخلافات’ مع دول الجوار، الأمر الذي أدى إلى بروز دينامية دبلوماسية نشيطة تمكنت من صياغة علاقات جديدة ومختلفة مع كل من سوريا والعراق وإيران، وبشكل أحدث قطيعة مع علاقات الماضي التي شابها التوتر والعداء والتوجس، وفتح المجال لتأسيس مدخل تعاوني شامل مع دول الجوار بدأ من الشق الأمني ووصل إلى السياسة ثم الاقتصاد.وعليه فقد تحول العداء مع سوريا مثلا حول إقليم ‘الإسكندرونة’ إلى تحالف سياسي ونفوذ اقتصادي كبير في هذا البلد، في حين أن العلاقة الإستراتيجية مع (إسرائيل) أخذت تتحول شيئا فشيئا إلى علاقة وساطة مقبولة في عملية تفاوض غير مباشرة ما فتئ أن اعتراها الذبول والتوتر خصوصا بعد الموقف التركي من العدوان (الإسرائيلي) على غزة سنة 2008، وبعده القطيعة الغير رسمية بين الدولتين عقب أحداث الباخرة التركية ‘مرمرة’. كما عملت تركيا على نهج سياسة التقارب وتحسين علاقتها مع أرمينيا إضافة إلى نهج سياسة انفتاح ديموقراطي على المطالب المشروعة لأكراد تركيا.عموما يمكن ملاحظة أهم محطات هذا التوجه الجديد للسياسة التركية من خلال:ـ رفض تركيا التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها للعراق عام 2003، بحيث كان هذا الموقف بمثابة الكاشف للاتجاهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية.ـ قيام تركيا من خلال حكومتها التي ترأسها ‘رجب طيب أردغان’ بمهمة الوساطة بين (إسرائيل) وسوريا، ونجاحها في جمع الطرفين مرات متعددة من أجل المفاوضات.ـ الموقف التركي من العدوان (الإسرائيلي) على قطاع غزة سنة 2008 وما تبعه من أزمة حادة بين تركيا و(إسرائيل).ـ السياسة التعاونية بين تركيا ودول المنطقة والتي شكل النموذج التركي السوري أبرز تمظهراته حيث بلغت العلاقات الاقتصادية والسياسية إلى مستويات كبيرة وصلت إلى حد إلغاء التأشير على تنقل مواطني البلدين .ـ الانخراط الفاعل لتركيا الإقليمي والدولي، في مسألة حوار الثقافات والحضارات، والتي باتت تطبع العلاقات الدولية منذ مطلع الألفية الجديدة، حيث كانت تركيا مع إسبانيا سباقة إلى إطلاق مشروع ‘تحالف الحضارات’ كبديل عن أطروحة ‘صدام الحضارات’ وما تحمله من مخاطر.من جهة أخرى وفي مقابل هذا التوجه الذي أفصحت عنه تركيا، فإن نسائم ‘الربيع العربي’ وما حملته معها من فرص وتحديات، قد دفعت حزب ‘العدالة والتنمية’ الحاكم في تركيا إلى انتهاج سياسة خارجية مناقضة تماما لسياستها السابقة على نحو شكل انعطافة حادة في تعاطيها مع دول الجوار.2- السياسة الخارجية التركية والانعطاف الحادلقد شكلت الدينامية التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية، وتسارع الأحداث فيها خصوصا ‘الربيع العربي’ وما تمخض عنها من تطورات متلاحقة، امتحانا عسيرا لتركيا حيث برز أمامها تحديان رئيسيان، الأول يكمن في كيفية التوفيق بين مصالح تركيا الاقتصادية الضخمة وعلاقتها السياسية الجيدة مع الأنظمة في المنطقة وبين واجب دعم ‘الربيع العربي’ خصوصا وأن تركيا تسوق نفسها كإحدى الديموقراطيات الرائدة وكنموذج إسلامي واقتصادي يمكن تعميمه في الدول العربية، أما التحدي الثاني فيتعلق بموازين القوى الإقليمية حيث يمكن ‘للربيع العربي’ أن يفرز قوى إقليمية جديدة منافسة لها كمصر التي تعتبر أكبر دول عربية، لها من المقومات ما يخولها ذلك.أمام كل هذه التحديات وكذا الإمكانيات التي رافقت ‘الربيع العربي’ فإن السلوك السياسي التركي بدأ تدريجيا وبشكل سريع في التحول من طبيعته التعاونية والحميمية، إلى سلوك فيه الكثير من التوتر والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.و هكذا يمكن إبراز أهم ملامح هذا التحول في الساسة الخارجية التركية في:ـ توجيه دعوات للرؤساء الأنظمة التي أطاحت بها انتفاضات ‘الربيع العربي’ للتنحي عن السلطة كما هو الشأن بالنسبة للرئيس المصري السابق حسني مبارك.ـ المشاركة في عمليات حلف ‘الناتو’ لفرض منطقة حظر طيران في ليبيا بعد صدور قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بفرض هذه المنطقة.ـ الانخراط الكامل في أحداث سوريا، بدءا من نصح ‘أردوغان’ ل’لأسد’ بتنفيذ سياسة إصلاحية سريعة وليس انتهاءا بوصف النظام السوري باللاإنساني ودعوة الرئيس السوري للتنحي، وما رافق ذلك من توتر حدودي بين البلدين واستضافة تركيا للعديد من اجتماعات المعارضة السورية حيث أصبحت تركيا داعما أساسيا ‘للثورة السورية’.ـ التوترات المســــتمرة في العلاقــــات التركية العراقية، لعل أبرزها زيارة وزير الخارجية التركية لإقليم كردســـتان العراق دون تنسيق مع الحكومة المركــــزية، الأمر الذي لاقى احتجاجا شديدا من قبل بغداد، إضافة للتصريحات الإعلامية التركية بشأن العراق والتي تعتبرها الحكومة العراقية تدخلا في الشؤون الداخلية .ـ عودة التوترات والمواجهات بين حزب العمال الكردستاني وتركيا سواء في العراق أو ســوريا حيث اتهمت أنقرة دمشق بتسليم عدة محافظــات للحزب الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية.خلاصة القول هو أنه مهما كانت طبيعة السياسة الخارجية التركية فإنها تخضع لمعايير المصالح الإستراتيجية للدولة التركية، فالتأمل في منحى السياسة الخارجية التركية يؤدي إلى الجزم بأن سياسة الاهتمام بمحيطها الإستراتيجي وانتهاج سياسة موسومة بالتعاون والسلم وتسوية الخلافات، قد أملته مجموعة من الشروط الموضوعية والذاتية التي طبعت العلاقات الدولية بعد انتهاء الحرب الباردة،و الذي لم يكن على حساب علاقاتها التقليدية حيث احتفظت تركيا لنفسها بعلاقات جيدة مع الغرب باعتبارها جزءا من حلف ‘الناتو’ كما أنها لم تتخلى عن حلمها بالانضمام للإتحاد الأوربي بالرغم من كل الرفض الذي تلقاه في هذا الشأن، كما تمتعت أيضا بعلاقاتها مع (إسرائيل) بالرغم من محطات الجزر والتوتر الذي يشوب علاقتيهما.كما أن التحول إلى سياسة التدخل والتوتر مع محيطها لا يمكن تفسيره أيضا إلا من منطلق المعطيات الجديدة التي فرضها ‘الربيع العربي’ والذي يحتم على دولة برغماتية مثل تركيا، البحث عن مصالحها القومية وتكرسها وحمايتها،بمعزل عن طبيعة الحكومة المتولية لزمام الحكم فيها.’ كاتب من المغربqmdqpt