الفرانكوفونية.. تضامن في مواجهة العولمة

حجم الخط
0

وليد شميط تحتفل الفرانكوفونية في 20 آذار الجاري بيومها العالمي وتُقام بالمناسبة، في مختلف البلدان المنتمية للمنظمة العالمية للفرانكوفونية، ومنها 8 بلدان عربية، تظاهرات فنية وثقافية ورياضية، وتُعقد ندوات ولقاءات سياسية واقتصادية وفكرية، تعبّر فيها الفرانكوفونية عن اهتماماتها وتطلعاتها، وتذكّر بأهدافها وطموحاتها، وتبحث في شؤون التعاون بين بلدانها.والفرانكوفونية تطرح على العرب أسئلة كثيرة إذ أنه الى جانب من يتحمّس لها منهم، ثمة من يتجنبها وهناك من يحتار في أمرها. المفارقة ان فكرة الفرانكوفونية لم تنطلق من باريس. بل ان الجنرال ديغول، على الرغم من تعلقه باللغة الفرنسية ومن حرصه الشديد على مكانة فرنسا بين الأمم، لم يتحمس للفكرة. وكان على الفرانكوفونية ان تنتظر استقالة ديغول في سبعينات القرن الماضي لكي تخطو خطواتها الاولى. وخلال العقود الماضية قطعت الفرانكوفونية مسافة طويلة تتجاوز التعريف الذي كان صاغه الجغرافي الفرنسي أونسيم ركلي Onesime Reclus أواخر القرن التاسع عشر، عندما اعتبر ان كل من يتكلم الفرنسية، بصرف النظر عن جنسيته، يُعتبر فرانكوفونياً. إذ من دون التخلي عن هذا التعريف المبسّط، تريد الفرانكوفونية اليوم ان تكون أكثر من ذلك بكثير، وهي التي تحوّلت الى منظمة دولية تضم 77 دولة في القارات الخمس تستعمل الفرنسية بنسب متفاوتة. غير ان الكلام عن الفرانكوفونية لم يعد يقتصر على اللغة الفرنسية، أو حتى على القيم التي تحملها الثقافة الفرنسية، بل بات يؤكد على مصالح وقضايا مشتركة بين شعوب ودول مختلفة ترى في اللغة الفرنسية، وبالتالي في الفرانكوفونية، شكلاً من أشكال التضامن في مواجهة العولمة، على حد تعبير بطرس بطرس غالي، أول أمين عام للمنظمة الدولية للفرانكوفونية. ويرى غالي في الفرانكوفونية إطاراً جديداً للتعاون بين بلدان الجنوب والشمال. ولذلك فإن هذا العدد الكبير من الدول التي ترى في اللغة الفرنسية قيماً مشتركة، تنشد في الحقيقة، عبر اللغة، وسيلة للتضامن والتعاون وتبادل المصالح. وبذلك تتحول الفرانكوفونية من مجرد تجمع يضم بلداناً ناطقة كلياً او جزئياً بالفرنسية، يراد منها ان تكون منطلقاً لقيم انسانية، الى منظمة دولية تتجاوز في اهتماماتها الشأن اللغوي أو حتى الثقافي البحت، وتؤسّس لقاعدة منطلقات سياسية. وقد تبنت الفرانكوفونية ميثاقاً يهدف، من جملة ما يهدف، الى إرساء السلام والحؤول دون نشوب النزاعات بين الدول، وبناء الديمقراطية ودعمها، ومساندة دولة القانون، واحترام حقوق الانسان، والعمل على المساواة بين المرأة والرجل، وتعزيز التنمية المستدامة، وتنشيط المجتمع المدني…من هذا المنطلق فإن لبنان ومصر وتونس والمغرب وموريتانيا ودجيبوتي والإمارات العربية المتحدة وقطر، وهي الدول العربية التي اختارت الانضمام الى الفرانكوفونية، تجد في هذا التجمّع الدولي فائدة، وترى فيه وسيلة للتعاون بما لا يتناقض مع الانتماء العربي. وليس في الأمر ما يشكّل خيانة للغة العربية. إذ ان كل الدول الفرانكوفونية، باستثناء فرنسا، تستعمل لغات أخرى غير اللغة الفرنسية. وهي أيضا حريصة على لغاتها الوطنية.المهم هنا هو ان الفرانكوفونية تشكّل، أيضاً، وسيلة من سائل مقاومة هيمنة زاحفة باسم العولمة تعمل على فرض ثقافة واحدة، ولغة واحدة، ونمط استهلاكي واحد، وتملك، لتحقيق أغراضها، قوة إعلامية وتكنولوجية وصناعية واقتصادية هائلة، لم تعد الدول، وخصوصاً الصغيرة والفقيرة منها، قادرة، بمفردها، على مقاومتها، أو على الدفاع عن هويتها الثقافية ومصالحها الاقتصادية. وهذا بالذات ما أرادت المنظمة ان تؤكد عليه في ميثاقها الذي يقول ان على الفرانكوفونية ان تأخذ في الاعتبار المتغيرات التاريخية والتطورات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية الكبرى التي يشهدها عالم اليوم، وتؤكد على حضورها وعلى فائدتها في عالم يحترم التعددية الثقافية واللغوية. ومن هذه الزاوية فإن الفرانكوفونية هي أيضاً فعل مقاومة، بالإضافة الى ما تشكّله من إطار للتعاون والتضامن. وهذا ما يفسّر حديث مدير المعهد الفرنسي في بيروت اورليان لوشيفالييه عن التوجّه نحو مستقبل فرانكوفوني متعدد اللغات. هذا ما يفسّر ايضاً تنظيم ندوة في إطار تظاهرات بيروت حول ‘الفرانكوفونية والتنوع الثقافي’.وإذا كان لا معنى للفرانكوفونية اليوم، كما يقول الكاتب المغربي طاهر بن جلّون، ‘إلا في انفصالها نهائياً عن أصولها التاريخية والسياسية، أي عن الكولونيالية والأبوية’، فلا مستقبل واعد لها إلا إذا احترمت غيرها من اللغات واهتمت فعلاً بالتبادل الحقيقي بين الثقافات، ومنها بالطبع الثقافة العربية واللغة العربية. ذلك ان المشروع الفرانكوفوني، وعلى الرغم من تجاوزه لعقدة الامبريالية، يطرح على العرب، وعلى غيرهم، اسئلة كثيرة ملحة. فما يعني ان يكون المرء عربياً وفرانكوفونياً معاً؟ وهل يحتاج العربي الى اللغة الفرنسية لكي يتحاور مع العالم؟ وكيف يمكن للفرانكوفونية ان تساهم جدياً في التغلب على الشرخ الكبير بين بلدان الجنوب والشمال، بين ضفتي المتوسط مثلاً؟وأكثر من ذلك: كيف يمكن بناء علاقات متكافئة لا تقوم على المواجهة والتبعية، ولا تنحصر في تضامن تقليدي هش يعبّر عن نفسه بمواقف سياسية عابرة، أو باتفاقات وصفقات تجارية، أو بمجرد تبادل خبرات وخبراء، من دون التخلص من رواسب الماضي، ومن عقده، ومن دون العمل على حل مشاكل الحاضر التي تبدأ مع الديمقراطية ولا تنتهي عن حدود مكافحة العنصرية؟ومن هنا، وبالنسبة الى ما يعني العرب من المشروع الفرانكوفوني، فإن الفرانكوفونية مطالبة بإجراء حوار حضاري عميق وصادق بين مختلف مكوناتها. ومن دون مثل هذا الحوار الحقيقي والصريح، يُخشى ان تبقى نظرة الغرب الفرانكوفوني للعرب ولغيرهم من شعوب آسيا وإفريقيا، نظرة فوقية، وأن تبقى الفجوة الحضارية بين ضفتي المتوسط عميقة، ومعها سؤء الفهم المتبادل.الفرانكوفونية تنمو وتتطور بمقدار ما تعرف كيف تتفاعل وتتحاور مع ثقافات أخرى مرتبطة بتاريخها، بشكل او بآخر، وبالأخص الثقافات المجاورة في جنوب المتوسط، وفي مقدمها بالطبع الثقافة العربية.فالحوار الحضاري هنا أبعد شأناً وأعمق تأثيراً. ويمكن لفرنسا ان تلعب دوراً رئيساً في هذا الحوار نظراً لوزنها الكبير في العائلة الفرانكوفونية، ونظراً للعلاقات الوثيقة التي تربطها بالعالم العربي، ونظراً كذلك- ويجب ان لا ننسى هذا العامل الأساسي- لوجود نحو خمسة ملايين عربي أو من اصل عربي في فرنسا. وهؤلاء يستعملون اللغة الفرنسية، ويتأثرون بما تحمله من قيم، ويعنيهم أيضاً المحافظة على لغتهم العربية، ومعها الثقافة العربية في هذا الفضاء الفرانكوفوني.ولعل في كيفية التعامل مع اللغة العربية في فرنسا تكمن بعض ملامح فرانكوفونية الغد القادرة بالفعل على التعامل مع لغات أخرى وثقافات أخرى، والتفاعل معها. فالحوار الحضاري لا يكون من جانب واحد. وفرنسا التي ساهمت في إنشاء معهد العالم العربي في باريس، وهو الصرح الثقافي العربي الوحيد من نوعه في العالم، والتي تحتضن عشرات المبدعين والمثقفين والفنانين والكتّاب والشعراء العرب، تعرف ذلك أكثر من غيرها.’ كاتب واعلامي لبنانيqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية