محمد كريشانمقلق للغاية ما تعرفه بعض دول ‘الربيع العربي’ بخصوص حرية الصحافة بعد أن كان الأمل أن نجاح ثورات تونس ومصر وليبيا سيكون فاتحة عهد جديد بالكامل في مجال الحريات جميعا. وفي ورشة عمل نظمها في اليومين الماضيين ‘مركز الدوحة لحرية الإعلام’ لرصد انتهاكات حرية الصحافة في المنطقة العربية قال جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في مصر إنه في أول مائتي يوم من حكم الرئيس محمد مرسي تجاوز عدد الملاحقين بتهمة ‘إهانة الرئيس’ عدد من تمت ملاحقتهم بهذه التهمة طوال 115 عاما أي منذ بداية العمل بهذا القانون في 1897. وفي مائتي يوم من حكم مرسي لوحق 24 كاتبا وصحافيا بهذه التهمة وهو أربعة أضعاف ما جرى طوال ثلاثين عاما من حكم مبارك!!وبالأمس فقط، احتجبت الصحف الحكومية والخاصة الليبية عن الصدور احتجاجا على ما تتعرض له بين فترة وأخرى وسائل الإعلام من تعد على مقارها من قبل غاضبين مسلحين. كما أن عددا من الفضائيات الليبية الجديدة والتي عوض أن يساعدها الجميع حتى تقف على قدميها وتغني المشهد الإعلامي بعد تصحر قاتل امتد لأربعة عقود نراها تتعرض هذه الأيام لاقتحامات بالقوة ويختطف مالكوها والبعض من صحافييها. وفي تونس، أقدم الصحافيون قبل أشهر قليلة على ما لم يفعلوه في عهد بن علي حين شنوا إضرابا عاما احتجاجا على التلكؤ في إصدار التشريعات الضرورية لإعلام وطني جديد. ومؤخرا تلقى عدد من الصحافيين تهديدات بالقتل فيما تعرض بعضهم الآخر لاعتداءات بالضرب وبالعنف اللفظي في مظاهرات نظمها أنصار حركة النهضة الإسلامية. المخيف فعلا الآن في هذه الدول أنه بعد أن كان تهديد الحريات الصحافية مأتاه الدولة المركزية البوليسية صار اليوم يأتي من كل جانب: من الحكام الجدد ومن الأحزاب ومن أنصارهم المنفلتين من كل عقال ومن عناصر مسلحة أو من عناصر حزبية تمارس العنف ضد المختلفين. أكثر من ذلك، بعد أن كان المعتدون يصنفون من بين من يسمون بالبلطجية أو الزعران امتد الآن إلى صفوف من يصفون أنفسهم بأنصار الثورة أو مليشياتها وأسلحتهم تختلف من اللكمة إلى السكين إلى الرشاش حسب كل بلد ومدى درجة الانفلات الأمني الذي يشهده ودرجة التسامح أو التغاضي التي تصبغه السلطات على تحركاتهم. وليس من الصدفة أن أغلب وسائل الإعلام التي تتعرض للتهديد أو المضايقة أو الهجوم في هذه الدول هي وسائل إعلام ناقدة لأداء الإسلاميين في الحكم. في هذا السياق يندرج مثلا الهجوم الذي تعرض له مقر جريدة ‘الوطن’ المصرية الذي قام به، حسب التقارير الواردة من القاهرة، عشرات العناصر الذين جيء بهم في حافلات صغيرة في ما يشبه الغزوة. يأتي ذلك بعد أسابيع من الاعتصام أمام مدينة الإنتاج الإعلامي المشابه للإعتصام الذي قام به أنصار حركة النهضة في تونس أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون للتنديد بـ’إعلام العار’ الذي كان يمكن أن يغفر له ما تقدم من خطاياه وما تأخر لو أنه تحول إلى بوق لهذه الحركة كما كان من قبل طوال سنوات بوقا للتجمع الدستوري الحاكم. وتبقى الإشارة إلى أن أخطر ما في الأمر جميعا أن هؤلاء المنتهكين الجدد لحرية الإعلام في هذه الدول يتمتعون بنوع من الغطاء السياسي المعلن أو الخفي إذ إنهم يزعمون أنهم يتصرفون بدافع الغيرة على الشرعية الانتخابية التي أتت بالحكام الجدد وكأن الشرعية تعني بالضرورة القداسة وعدم الاقتراب بالنقد قليلا أو كثيرا من هؤلاء الذين يجوز لهم ارتكاب كل الحماقات الممكنة لا لشيء سوى أنهم شرعيون. كما أن أغلب المعتدين على صحافيين أو مقرات صحف لم تجر ملاحقتهم قضائيا ولا معاقبتهم رغم أنهم معروفون بالإسم والصورة كما حصل مع المهاجمين لجريدة ‘الوفد’ قبل أكثر من ثلاثة أشهر أو ما حصل مثلا مع الصحافي التونسي ناجي البغوري الذي هدده أحدهم في مظاهرة قبل أسابيع وأمام الملأ بالذبح، وعندما ذهب إلى رجل الأمن شاكيا من صاحب الفعلة ومشيرا إليه رد عليه الشرطي ‘هؤلاء لا نستطيع أن نفعل لهم شيئا’!qraqpt