تشافيز: كفة راجحة في ميزان التاريخ

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابيربما لم يحظ رحيل قائد دولة اجنبي من الاهتمام في العالمين العربي والاسلامي كما حظيت به وفاة هوغو تشافيز، رئيس فنزويلا الذي انتهى صراعه مع السرطان برحيله الاسبوع الماضي. لم يكن تشافيز عربيا ولكنه احتضن القضايا العربية الاساسية وفي مقدمتها فلسطين والهيمنة الامريكية. وقف مع اطفال العراق حينما كانوا يتضورون جوعا ويتألمون مرضا بسبب الحصار الغربي الظالم الذي استمر احد عشرا عاما. لم يكن تشافيز مسلما ولكنه تضامن مع قضايا المسلمين بحماس، معتبرا نفسه في خندق واحد ضد الامبريالية التي تمثل الولايات المتحدة ابشع صورها. فعندما كانت مصر مبارك تحتضن السفير الاسرائيلي عندما كانت طائرات العدو تقصف غزة في نهاية العام 2008 اتخذ تشافيز قرار طرد السفير الاسرائيلي من العاصمة الفنزويلية، كاراكاس، معتبرا ان ما تمارسه قوات العدو الصهيوني ‘إبادة’. ليس غريبا اذن ان يفرح العرب بسقوط حسني مبارك من الحكم، ويحزنوا لوفاة رئيس فنزويلا. وفي عالم يسعى المعسكر الغربي فيه للهيمنة المطلقة على العالم، فان اصوات الاحرار التي تنطلق هنا وهناك منددة بتلك الهيمنة ومتضامنة مع ضحاياها، تتحول الى عناوين للصمود من جهة وتوسع دائرة المقاومة للشيطنة الغربية من جهة اخرى. وفي الوقت الذي يمارس فيه الغربيون سياسة امتصاص ثروات الشعوب ويفرضون سياساتهم الهادفة للحصول على النفط بالمعدلات والاسعار التي تناسبهم، كان تشافيز يساعد الشعوب الصديقة المجاورة بنفط رخيص او مجاني. ان زعماء قليلين هم الذين يضحون من اجل الآخرين، ويدعمون المظلومين بما اوتوا من امكانات بدون انتظار مردودات مادية. بل ان ما ينتظرهم ليس سوى غضب الغرب الامبريالي ضد من ينتقد جشعه وظلمه وعدوانه. يتميز هؤلاء الزعماء بامور ثلاثة: اولها، انسانيتهم العميقة ومشاعرهم النبيلة، وثانيها: استقلال قرارهم نتيجة سياسات بلدانهم الرافضة للانحناء امام ضغوط الغرب، وثالثها: شعورهم بالقوة الذاتية لان شعوبهم تدعمهم بقوة، ولا يحتاجون لدعم الآخرين للبقاء في مناصبهم. وكان تشافيز من الزعماء المنتخبين شعبيا المحبوبين من شعوبهم، وهو حب ظهر جليا الاسبوع الماضي بعد وفاته. اما الحكام المستبدون الذين يحكمون شعوبهم بالنار والحديد، معتمدين على الدعم الامني والعسكري الغربي، كما هم اغلب قادة الدول العربية المستبدون، فيفتقرون لذلك الدعم الذي يمنحهم دعم الجماهير ويعمق لديهم الاحساس بالقوة الذاتية وعدم الحاجة للدعم الخارجي. وليس من قببيل الادعاء القول بان اجهزة الامن في العديد من الدول العربية انما تدار من قبل عناصر غربية تدار من واشنطن ولندن.رحيل تشافيز لا يعني غياب الظاهرة التي جسدها في حياته: الوقوف مع الشعوب المظلومة، ومقاومة الهيمنة الامبريالية الغاشمة. فالمتوقع استمرار سياساته من قبل الرئيس المنتخب بعده، لاسباب عدة، منها اولا تنامي الوعي الجماهيري في فنزويلا بضرورة الاستقلال ومنع الهيمنة الغربية على بلادهم، ثانيا: انتشار ظاهرة الوعي التحرري خصوصا في اوساط الشباب بدول امريكا اللاتينية التي اصبحت تتحسس من النفوذ الامريكي الذي ساد خلال فترة الحرب الباردة. وقد خاضت شعوب امريكا اللاتينية في الثمانينات نضالات واسعة للتخلص من الانظمة الاستبدادية التي دعمتها الولايات المتحدة الامريكية آنذاك، وادت تلك النضالات الى تعمق روح الوعي لدى تلك الشعوب. وبغياب الاتحاد السوفياتي من المسرح السياسي العالمي، توفرت فرصة لبروز ظاهرة الاستقلال الذاتي لتلك الشعوب، فابتعدت تدريجيا عن النفوذ الامريكي، بدون ان تتهم بالعمالة للاتحاد السوفييتي كما كان الوضع سابقا. وشيئا فشيئا اصبحت ‘الساحة الخلفية’ للولايات المتحدة أكثر ميلا للاشتراكية، اذ اصبح ثلاثة ارباع حكومات دول امريكا اللاتينية محسوبا على الاتجاهات الاشتراكية، الامر الذي اصبح مقلقا للولايات المتحدة الامريكية. ولا شك ان ظاهرة تشافيز كانت مفاجئة لواشنطن التي كانت تعتقد ان سقوط الاتحاد السوفياتي سينهي تأثيره الايديولوجي على العالم، ولكن الصراع الايديولوجي تواصل، خصوصا مع استمرار السياسة الامريكية في توجهاتها التوسعية والعدوانية والامبريالية، وشعور دول العالم الثالث بان البعبع الامريكي سيصل اليها ما لم تتخذ اجراءات لمنع ذلك. واذا كانت حرب الكويت قبل اكثر من عشرين عام وتزامنها مع نهاية الاتحاد السوفياتي قد دشنت عصر القطب الواحد، فانها في الوقت نفسه ادت الى تعمق امتعاض شعوب العالم منه لانها رأت فيه تكريسا للغطرسة والاستكبار والغرور. وكررت امريكا خطأها مرة اخرى عندما شنت حربها الثانية ضد العراق وظهرت للعالم بانها اصبحت حقا شرطيا دوليا يمارس سلطته على العالم خارج اطار القانون الدولي. وكان لذلك انعكاسات نفسية ليس في امريكا اللاتينية فحسب، بل في اوروبا نفسها. وفي السنوات الاخيرة وصلت الاحزاب الاشتراكية الى الحكم في العديد من الدول الاوروبية. هذا لا يعني ان هذه الاحزاب اقل ‘امبريالية’ من الاحزاب اليمينية التقليدية، ولكنه يؤكد تعمق المشاعر الشعبية المعادية للهيمنة الانجلو امريكية على العالم. فاشتراكيو اوروبا لا يختلفون جوهريا عن غيرهم، والاحزاب المحسوبة على يسار الوسط تنتهج سياسات الاحزاب ذات المنحى التقليدي الرأسمالي. فحزب العمال البريطاني لا يقل ‘يمينية’ عن حزب المحافظين. وفي عهد حكم العمال شاركت بريطانيا في الحرب ضد العراق خارج نطاق الشرعية الدولية. وتحت رئاسة ‘اولاند’ الاشتراكي تدخلت فرنسا عسكريا لمواجهة تنظيم القاعدة في مالي. ومسؤولة العلاقات الخارجية بالاتحاد الاوربي، كاثرين أشتون’ الاشتراكية لا تختلف في مواقفها السياسية عن غيرها من الزعماء اليمينيين.وهكذا يبدو ان للاشتراكية معاني مختلفة ترتبط بالزمان والمكان. ولانها محسوبة على العالم الثالث فان امريكا اللاتينية منطقة قادرة على التملص من التركة الامبريالية الثقيلة التي خلفتها انظمة الاستبداد التي حكمتها بعد الحرب العالمية الثانية بدعم امريكي مباشر. اليوم تشهد الولايات المتحدة خريفا سياسيا غير مسبوق، ويبدو المشهد امامها مهيأ لثورة ايديولوجية تهدد ليس مصالحها فحسب بل وجودها السياسي في العالم. والواضح ان النفوذ الاقوى لواشنطن ولندن اصبح محصورا بدول الشرق الاوسط التي ما تزال محكومة بالديكتاتوريات المدعومة من التحالف الامريكي ـ الاوروبي. ولذلك يلاحظ اصرار هذا التحالف على افشال الثورات العربية بكافة الوسائل، وان اقتضى الامر التدخل العسكري كما حدث في ليبيا، وكما يحدث في سوريا. الثورة المضادة تسعى لمنع تكرر ظاهرة امريكا اللاتينية في العالم العربي، وتبذل جهودها لاحتواء ظاهرة التحرر في هذه البلدان لمنع تمردها على الهيمنة الامريكية. ويوما بعد آخر تبدو امريكا فاقدة للسيطرة على الوضع السياسي الذي تجده ينحو باتجاه مخالف لمصالحها ونفوذها. ومن جانبه بدأ الجيل العربي المتحرر يرى بصيص امل في التغيير السياسي، خصوصا من خلال تواصله مع الاتجاهات الليبرالية والاشتراكية في امريكا اللاتينية. وكان الراحل تشافيز تجسيدا للزعيم المتمرد على الواقع الاقليمي الذي يهدد مصالح بلده، وقد يستهدفه بعد ذلك. فبقاء الزعيم الكوبي، فيدل كاسترو، في الحكم اكثر من نصف قرن اقنع الكثيرين بعجز امريكا عن تحديد مصائر الشعوب وان انتهجت سياسات الاغتيال السياسي والحصار الاقتصادي والعسكري، وقد اصبحت واشنطن اكثر ميلا للانسحاب من المسرح السياسي الدولي بعد ان ادركت عدم جدوى سياسات الابتزاز والتهديد للشعوب الاخرى. فحتى الآن لم تجن من تدخلاتها المباشرة في شؤون الدول الاخرى الا المزيد من انحسار النفوذ وتصاعد النقمة، وتوسع دائرة الارهاب. بينما لا تجد سياساتها التي انتهجتها منذ الحرب العالمية الثانية طريقها لتوسيع دائرة نفوذها خارج الدوائر التقليدية. فمثلا اصبح واضحا ان سياساتها المستمرة في دعم الاحتلال الاسرائيلي قد ادى الى تفاقم النقمة الدولية ضدها وتوسع دائرة البلدان الرافضة لتلك السياسات خصوصا في امريكا اللاتينية وافريقيا. هذا التمرد الدولي ضد الهيمنة الانكلو- الامريكية شجع روسيا والصين على اعادة تقييم سياساتهما، واصبحتا اكثر شجاعة لمواجهة السياسات الامريكية تجاه دول العالم في الشرق الاوسط وافريقيا وامريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. هذه المراجعة لها ابعاد استراتيجية غير قليلة على المصالح الغربية ونفوذ دول اوروبا وامريكا المستقبلي.هذه الحقائق ليست خافية على الدول التي تراقب التوجهات والسياسات الامريكية. وقد تشجعت ايران في الاصرار على مواقفها ازاء المشروع النووي بعد ان شعرت بان التحالف الانكلو امريكي لن يستطيع بلورة موقف دولي موحد ضدها، كما لم يستطع قبيل الحرب على العراق في 2003. ولذلك اصبحت اكثر اصرارا على ا لاستمرار في مشروعها النووي بامتلاك دورة تصنيعية كاملة.يمكن القول حالة الرئيس الفنزويلي الراحل، هوغو تشافيز، واحدة من اوضح تجليات ظاهرة المحاور السياسية المناكفة للمشاريع الامريكية في العالم. والتزم سياسة خارجية مؤسسة على مواجهة النفوذ الامريكي. فبينما اعتبر نفسه زعيم الفقراء في بلاده، فقد كان مشدودا لما يجري في فلسطين المحتلة ولبنان. تلك الظاهرة جعلته اكثر انجذابا لايران التي تعتبر في الوقت الحاضر رأس الحربة في المشروع الداعي لتحرير الارادة الدولية ووقف الهيمنة الانكلو – امريكية على القرار الدولي خصوصا في مجالات الحرب والسلام. وبتراجع اقتصادات الدول الغربية اصبح جليا عدم قدرتها على الاستمرار في السياسات السابقة، وربما دفعت بعض اصدقائها الاقليميين لممارسة ادوار لا تتناسب مع احجامها. واذا كانت ايران قد وجدت في زعماء مثل هوغو تشافيز حليفا طبيعيا في الصراع ضد الامبريالية، فان تحالف ‘قوى الثورة المضادة’ يجد نفسه في خندق واحد وهو يواجه تحديات القرن الحادي والعشرين وفي مقدمتها الصراع من اجل الديمقراطية. مشكلة امريكا مع الديمقراطية تكمن في خشيتها من تكرر ظاهرة ‘تشافيز’ وصعود اطراف معادية للمشروع الانجلو امريكي الى الحكم عبر صناديق الاقتراع في مرحلة ما بعد سقوط الاستبداد. ولذلك تراجع الغربيون عموما عن اهم مرتكزات مشروعهم الايديولوجي. فلم تعد ‘حقوق الانسان’ او ‘الديمقراطية’ تحظى باولوية لديهم، بل اصبحوا في تحالف غير مقدس مع اكثر انظمة العالم استبدادا وديكتاتورية وتخلفا. بينما اصبح زعيم مثل تشافيز رمزا انسانيا وسياسيا لدى اغلب الشعوب العربية خصوصا اهل فلسطين واهل لبنان، بسبب مواقفه الداعمة لقضايا التحرر من الاحتلال والاستعمار. الشعوب العربية تشاهد هذه الحقائق وتقارنها بمواقف حكامها غير المنتخبين، فيتعمق لديها الشعور بضرورة التحرك من اجل تحقيق الاستقلال السياسي الذي تطلبه الشعوب، والتخلص من الحكام الذين تعتبرهم من اهم اسباب التخلف السياسي والتنموي. تشافيز الذي احدث نقلة نوعية في اقتصاد بلده واصبح رمزا للدفاع عن فقراء بلده ومظلومي العالم تحول الى ايقونة للتحرر، لا تقل كثيرا عما ارتبط بشخصية نيلسون مانديلا من قيم تحررية جعلته واحدا من اهم رموز التحرر الوطني في العالم. وبينما نسي العالم زعماء مثل توني بلير وجورج بوش اللذين ارتبطا بالحرب والتدمير وانتهاك حقوق الانسان، تميز رحيل تشافيز باهتمام عالمي واسع، وارتبط اسمه بالعظماء من زعماء العالم. لقد بدت حضارة الغرب في السنوات الاخيرة مستهجنة لدى الذوق البشري العام بسبب ما ارتكبته من حروب ومجازر. وازدادت حيرة العرب والمسلمين بعد ان دخلت تلك القوى مضمار الثورات، ليس لدعم خيارات الشعوب وحقها في تقرير مصائرها، بل لاعادة توجيهها لتسير باتجاه الغرب وسياساته. لا شك ان اشخاصا مثل هوجود تشافيز ارتكبوا اخطاء سياسية عندما وقفوا مع حكام عرب ديكتاتوريين، ولكنه انطلق في مواقفه من اعتبارات شتى من بينها الموقف ازاء السياسات الانجلو امريكية، والسياسة تجاه تحرير فلسطين، ومشاريع تحرير الارادة الشعبية واعادة توجيه الثروات بما يخدم الفقراء، كما فعل هو في فنزويلا. الصراع على الانسان والقيم سيظل متواصلا، كما هو الصراع على النفط والمصالح. ويمكن القول ان الرئيس الفنزويلي اجتاز الامتحان بتفوق، واصبحت هامته شامخة امام ما يمثله الغربيون خصوصا زعماء الحروب. فنزويلا هذه هي التي انتجت إلييتش راميريز سانشيز، المعروف بـ ‘كارلوس’ الذي انضم الى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعد ان ادرك حجم ظلامة شعبها. فقد لا ينسجم الانسان مع اساليب كارلوس (المعتقل في سجن فرنسي منذ ان سلمته حكومة السودان) التي انتهجها في نضاله من اجل فلسطين، ولكن ظهور تشافيز وفر مثالا آخر من فنزويلا، البلد النفطي الذي يمتلك احتياطات نفطية هائل. فمن منطلق سياسي وايديولوجي صافح المناضلين في كل مكان، واتخذ مواقف يعجز عنها الاقربون، ومنها طرد السفير الاسرائيلي بعد العدوان ضد غزة. وبين النضال السياسي والكفاح المسلح سيظل النقاش محتدما، خصوصا مع استمرار استخدام العنف من قوى الاستكبار والاحتلال خصوصا الطرف الاسرائيلي. ولكن النضال السياسي امر لا يحتاج الى نقاش، وهذا ما فعله هوجو تشافيز الذي دعم قضية فلسطين وشعبها، وتناغم مع بقية قضايا العرب والمسلمين، والتزم بمستلزمات التنمية في بلده ودافع عن فقراء فنزويلا ودعم جيرانه واصدقاءه، ولم يتخل عن مواقفه وهو في الساعات الاخيرة من حياته. وودع الدنيا، ومات واقفا، ولسان حاله يقول للعالم: هذه حياة العظماء.’ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية