د. خلود جرادة ‘عربة قديمة بستائر’ للشاعر والكاتب الفلسطيني غسان زقطان (الاهلية للنشر) هي رواية جديدة في الأدب الفلسطيني، تخرج عن الشكل النمطي السردي المتعارف عليه في كثير من الروايات، جديدة في أسلوب التعامل مع الفكرة والحدث، وفي صياغة اللغة والصورة، وفي بناء الشخصية وتطويرها .ليس فيها شخصية ثانوية أو حدث هامشي، فكل ما فيها شخصية رئيسية لها دور في صناعة الحدث وتطوره، وكل ما فيها مهما صغرت مساحة الحديث عنه، له دور فاعل في نسيج الرواية وفكرتها وأحداثها .الجرح فيها شخصية رئيسية، والذكريات تسير بموازاة الجرح وتمسك بيده، والأحلام والطرقات والمنحدرات والبيوت الصغيرة والعلّيّة البسيطة، الأشجار المترامية، قطرات الماء المتساقطة من الصخور، كلها إشارات رئيسية تؤدي دورها في بناء الحدث .الشخوص على اختلاف اتجاهاتهم وأعمارهم، النساء بنماذجهنّ المختلفة، الأم، زكية، فاطمة، هيجر ،هند ،دلال، ورفقة، كل هذا التجمع النسويّ، كان له دوره في تطور الفكرة ونمو الحدث و مسيرالسارد باتجاه السكة .المشاعر والتداعيات، الصراعات التي عاشها الأشخاص في دواخلهم، ما كان وماهو كائن وما سيكون .المكان بكل ما يحويه، وبكل ما يملكه من ماضٍ وتاريخ وحاضر ومصائر ومستقبل، كان بطلا رئيسياً في الرواية .اللهجات التي تأخذ شكل المكان وهويته، هي شخصية مهمة أدت دورها في نمو الحدث وفي السير نحو السكة والعربة .هذه هي الرواية (المكان)، فثمة أمكنة كثيرة، طرقات كثيرة ومتشابكة، وأحاسيس كثيرة ومتزاحمة في هذه الأمكنة، أكثر من تزاحم ثمة ازدحام كبير، تلتبس فيهالأحاسيس امام الروايات المختلفة وازدحام الشخوص والطرقات، والألم الذي لا تكاد تخرج منه إلا وتعود إليه مرة أخرى، والأحلام والإشارات والذكريات والنداءات المتوالية، ازدحام هادئ، وضجيج صامت يطغى على كل شيء..هذه الرواية : هي تجربة لافتة في اللغة الروائية، لغة تجمع بين شفافية الشعر وفنيّة الصورة وبراعة التصوير الشعوريّ والحركيّ والصوتيّ واللونيّ، وبين واقعية السّرد..الرواية (اللغة) تتعمد الرواية تعدّد المشاهد والعناوين ؛ عناوين كثيرة، وكل عنوان هو محطة صادمة، مفاجئة، ويأتيك بما هو غير متوقع منه، إذ يبدأ المشهد بالعنوان، فتعتقد أن الحديث يدور حوله، فتجد نفسك أمام مشاهد قصيرة مكثّفة ومتعددة تتفرّع عن العنوان، يرافقها أحاسيس كثيرة ومتنوعة، حين تصب الحالة الشعورية في كل هذا التنوع، في فكرة العنوان ومنها : تعدد الأساليب، من السرد إلى التداعي، إلى الوصف إلى التفصيل، والمزج بين الأزمان ؛ الماضي والحاضر والمستقبل، إلى الحوار الداخلي والخارجي، ثم فنّية التصوير ،فهناك لقطات ومشاهد حركية. مشاهد في المنفى والشتات، وتلتقي كلها عند السكة وفي العربة، وتبدو للوهلة الأولى مشتتة كأصحابها، ولكنها في حقيقتها مجتمعة في هاجس واحد: العودة الرواية عربة من اللغة والأمكنة والأحلام والذكريات والأهداف والرموز، عربة جميلة متجددة، بستائر من عشب الأرض وانسياب اللغة، وإغراق في سرد التفاصيل الدقيقة التي لا تترك شيئا خارج الاهتمام والملاحظة.(بدايات (البداية الأولى: لا زوار اليوم بداية صادمة حاسمة، تحمل رفضاً للسارد الذي جاء طارقاً باب الدير بعد غياب ثلاثين عاما، جاء زائرا لمقبرة الرهبان في ذلك الدير .’ لا زوار اليوم’ يتبعها إغلاق حازم للنافذة التي أطلّت منها الراهبة على الطارق الواقف بالباب، وكأن هذه العبارة ترفض العودة بعد كل هذا الغياب على شكل زيارة وحسب .إنها بداية تمهّد للرواية، وتضع السارد على أول الخطى باتجاه العودة لا الزيارة، وكان بإمكان الراهبة أن تقول ‘لا زيارة هذا اليوم’ أو ‘لا نستقبل زواراً اليوم’، مما يترك الباب مفتوحاً أمام زيارة مسموحة في يوم آخر، ولكن استخدام لا ‘النافية للجنس’ جنس الزائرين بشكل قاطع، يعطي هذا المعنى الرفضي النهائي للزيارة ،’لا زوار اليوم’ هو العنوان المؤثث للمشهد الأخيرفي الرواية ‘مقهى المغربية’ الذي بدأ يستعيد هويته وصورته الأولى (عربات قديمة بستائر) التي كان عليها قبل قدوم المغربية وتحويله إلى مقهى، وهو العنوان الذي يمهد الطريق ل ‘أب واصل طريقه إلى البيت قاطعاً الحرش وأشجار الصنوبر المائلة’.موقفان متباينان لزمنين مختلفين لشخصية واحدة في الوقوف أمام الدير، حيث فتح الباب قبل ثلاثين سنة له ولرفاقه في الصف الخامس الابتدائي، ‘الراهبة التي أطلّت من الكوة بعد ثلاثين سنة، والتي لأمر ما، يظن أنها يونانية، لم تنتظر ليطرح سؤاله أو ليشرح رغبته، أغلقت الكوة بمجرد أن أنهت جملتها القاطعة: ‘لا زوار اليوم’. ‘ لا زوار اليوم’ هي اختزال لرواية الأم وحكاية زكريا وجيل بأكمله عليه أن يبحث عن ‘ السكة ‘ والتي سينتقل من خلالها من ‘هناك’ المنفى، إلى ‘هنا’ الوطن .البداية الثانية :(فشل المحاولة الأولى للرجل العجوز) :بداية ثانية لا تختلف في معناها عن البداية الأولى وإن اختلفت في طبيعة المشهد، وهي بداية توجه نداء آخر للعودة، يظهر في فشل المحاولة الأولى للرجل العجوز في تخطي الحاجز على الجسر، ليدخل باجتيازه إلى الوطن، فالعجوز أيضا جاء زائرا، ولكنه جاء محمّلا بكل ذكرياته وأصالته وأحلامه وعرباته وستائرها، فهو لم يتخفّف من شيء، ولم يستطع أن يتخلى عن شيء ولا يريد، لذا فقد فشل في اجتياز الحاجز، ‘ كان الرجل يحاول المرور عبر البوابة بحذر شديد، محاطاً بإشارات كثيرة ومربكة تأتيه من العامل العربي الذي يقف بجانب البوابة، ومجندة تصرخ بنفاد صبر خلف حاجز زجاجي ‘ينفتح المشهد على سلسلة من المشاهد التي تتحرك بحيوية، ففي المشهد الواحد (السمين الذي غش في الطابور) نرى مسرحاً يعجّ بالأشخاص والحركة، فهناك العائلة بأفرادها السبعة، وتفاصيل حركتها التي يصفها بإيجاز مليء بالتفاصيل الدقيقة، وهناك العجوز بمحاولته المتعثرة، والشابان المرتبكان، والرجل السمين الذي غشّ في الطابور، يرافق غشّه احتجاج فتاة تنتظر دورها ،.هذا المشهد، كان ضروريا بكل تفاصيله، ليضع العائد أمام الإشارة الثالثة في المشهد الثالث من الرواية (مدام من هون لو سمحت) والذي جاء على لسان هند، التي ربما تمثل في هذه الرواية، صوت السارد الداخلي، وانعكاس مراياه الداخلية.ثلاثة مشاهد، بدأت فيها الرواية، ثلاث إشارات وضعت في ثلاثة منعطفات، تمهّد ل الطريق إلى ‘زكريا’.)الطريق إلى زكريا، مواقف وإشارات) :) الإشارة الأولى (:منابع ومصبّ واحد الطريق إلى قرية ‘زكريا’ ليس ثمة في المشهد وصف للطريق بهذا المعنى، وإنما اعتمد الكاتب على وصف لقرية ‘زكريا’ الصورة المتخيلة والباقية في الأذهان، والتي حفظتها الصور المخبأة في الأدراج، تلك الصور التي تبدو فيها القرية أكثر قوة وحضورا وبقاء من القرية نفسها كما هي في الواقع .’ زكريا القرية’ لها اتجاهات متعددة ورؤى مختلفة، وحتى يصل الى هناك، عليه أن يجمع خيوط الرؤى كلها، لتكتمل الصورة التي يجب أن يأخذ الواقع شكلها، فمن أحد الجوانب، تأخذ ‘زكريا’ صورة الطرقات والدروب المحمية والمحروسة، من خلال ‘رواية الأب المبنية على الطريق والحرش وخط البحر المحروس من التل’ ومن زاوية أخرى تكتسي بالمعنى الديني وتلبس ثوب السكينة الروحية التي تمثلها رواية العم في مقام النبي زكريا، ومن زاوية أخرى، أكثر دقة وتفصيلا، تأخذ شكل الذكريات المخبأة، والرواية المحكية، وتفاصيل الأحلام والرغبات والأسرار الساكنة في البيوت والعلّيّات، وحكايا العشاق وأغاني الشوق، وهذه هي الصورة الأكثر دقة للقرية، والأكثر ألفة وإمعاناً في الغياب والحضور معا.’جميعهم ذهبوا ،لا أحد منهم هنا، الذين ظلوا أخذوهم إلى الرملة، بعضهم يأتي للزيارة، لا تعرف أسماءهم، يتجولون في الشوارع دون هدف، ويجلسون على المقاعد هنا، أو يتجهون للجامع للصلاة ‘ يقول اليهودي الذي التقاه تحت شجرة في ساحة القرية. ‘..) الإشارة الثانية):حنين مشترك أنت لا تستطيع أن تصل مالم تكن مشتعلا بالحنين الذي يدفعك إليك وإلى ‘زكريا’، هذا الحنين كان الإشارة التي جاءت على لسان المغربية صاحبة المقهى، في المشهد الذي حمل اسم ‘ المغربية والسائق حسن ‘ ولم يمنح الكاتب المشهد هنا اسم (مقهى المغربية)، لأن المغربية هي المحور ومنها تنبثق الإشارة، ‘المغربية’، تلك المرأة المسكونة بالحنين إلى مراكش، نعم، الحنين هو من أهم الأعمدة التي يرتفع عليها بناء الرواية .إشارة موجعة ولافتة، تلقيها ‘المغربية’ وهي تخاطب السائق حسن ابن قرية زكريا أيضا ‘عليك أن تذهب إلى هناك يوماً يا حسن، سترى مكاناً لا يشبه شيئاً سواه، مراكش هي مراكش’، هذه المغربية مسكونة بالتذكر والحنين، فبداية الطريق إلى زكريا هي التذكر والحنين، وبداية زيارة الأم إلى رام الله ومحاولتها للعودة إلى ‘زكريا’ إنما هي نابعة من التذكر والحنين يأتي ظهور السكة في رواية الأم للمرة الأولى ضروريا في تلك السلسلة من الأحداث والإرهاصات التي يمسك بعضها بيد بعض، فبعد أن اجتمعت أبعاد صورة القرية وملامحها في وجدان ‘زكريا’، وبعد تلك الإشارة التي أرسلتها المغربية، كان لا بد من ظهور ‘السكة’ في كلام الأم، وهي صورة أخرى لحديث المغربية عن مراكش ،وحنينها إلى موطنها،.يأتي سؤال الأم الصادم، ليقطع حبل الوصف المتصل، ويضع كل الألوان التي انبعثت من رواياته في صندوق مقفل .’ هل رأيتَ السّكة؟ ‘إنها درس قاس، إذ ما قيمة كل ما يقوله إذا لم يجد السكة ؟! فهي مفتاح حكايات الأم السحري، وصورة الوطن التي ثبتت في وجدانها قبل الرحيل، فلا وطن دون ‘سكة’، دون طريق تسير عليه عربات المصائر والذكريات والأحلام وما يجب أن يكون، لا وطن دون ذلك الماضي الذي يتشكّل من مجموع تفاصيله الصغيرة البسيطة العميقة، فأن لا يجد السكة، معناه أن لا وطن يعود إليه ولا قرية .(عليك أن تغضب):وتأتي هذه الإشارة مرتبطة ومكملة للمشهد السابق، ففي هذا المشهد ‘أنت لا تشبه أمك’، تظهر لنا شخصية ‘زكية’ خالة هند التي ماتت وحيدة في السجن في منفى اللجوء في بعلبك .وإن كان هذا المشهد يبدو مختلفاً في أجوائه عن المشهد السابق له، إلا أنه يرتبط به ارتباطا خفيّاً شفافاً، ويصب في أصل ذلك المشهد وجوهر فكرته، فما كانت زكية لتعيش في عتمة سجنها أربعين سنة، وتموت وحيدة وهي تنظر إلى بقعة الضوء البعيدة من عتمة الزنزانة، لولا ذلك الاحتلال الذي شرّدها من أرضها، وتاهت في هروبها مع التائهين …المحتل إنسان مرفوض .وفي ملاحقة جميلة للفكرة، واستمرارية دؤوبة لتأثيث حالة الرفض لموقف التكيف والتحديق من وراء الأكتاف، نجد زكية تقول ما قالته الأم في سؤالها عن السكة، ولكن بصورة مغايرة تصبّ في المعنى نفسه ‘هل رأيت ؟ لا فائدة من الانتظار والتذكر، الانتظار لا يحرك الهواء، وقمصان الأولاد لا تنمو في الصناديق، هنا لا تحدث الأشياء التي نحبها، حاولي أن تكوني هناك، لا تموتي وحيدة’وبأسلوب سلس ومنساب، يبتعد الكاتب عن رتابة السرد الذي جاء على لسان هند، وملل الحياد والصمت الذي يخيّم على زكريا، تلك الحيادية التي وصفتها زكية بالانتظار الذي لا يحرك الهواء، تعمّد الكاتب أن يصورها بكل تفاصيلها، لكي تساعد في تنامي الإحساس بالتمرد عليها واللارغبة فيها عند القارئ، الذي ربما يرى صورة حياديته في موقفه الصامت. وبالانسياب نفسه ينتقل بنا الكاتب إلى مشهد تصويري جديد في المشهد نفسه، وهو مشهد يضع زكريا أمام ما يجب أن يكون عليه، وهي إشارة جديدة بعثت بها صورة الأم المعلقة على الجدار، بابتسامتها الواثقة ونظرتها الحازمة ووقفتها المتحدية، وحبة اللوز التي تستريح في القلادة على الصدر، ولون الفستان الأسود الذي لم يكن عبثيا في هذه اللوحة، وقد جاءت هذه الإشارة على لسان هند ‘أنت لا تشبه أمك’ و’أنت الذي يبدو أنك لا تغضب بالشكل الكافي’.’الأم وزكية’ امرأتان غاضبتان بصمت، تبحثان عن بقعة الضوء ؛ زكية ماتت في منفاها وهي تبعث وصيتها ‘حاولي أن تكوني هناك، لا تموتي في العتمة’ والأم ماتت في منفاها، بعد أن عادت تبحث عن السكة والعربة، عن بقعة الضوء التي كان يعود إليها الأب قادما من الجبل، بينما هو يكتفي بالتحديق من وراء الأكتاف إلى هناك، ويتجنب صعود الجبل و.. ينتظر .إدانة تحمل في طياتها دعوة إلى التمرد، استثارات إنسانية تأتي على لسان الشخصيات، ولكنها أيضا محطات فنية في جوهر نسيج الرواية، تعمل على تنامي الحدث الداخلي .(تجوال في فرح مكسور):مشهدان لامرأة واحدة ‘الراقصة دلال’ وفي مستويين مختلفين للغة، اللغة التي بدأت تموج في نفس زكريا، في تصويره للراقصة دلال، ولغة السرد والوصف، التي طفت على السطح في حديث هند.ففي مشهد تصويري غير محسوس، ينقلك الكاتب إلى أعماق زكريا ومخيلته، ودون أن تشعر أنك انتقلت، إذ يبدأ المشهد ب ‘قالت هند’ فتظن أن كل ما يرد من كلام ووصف إنما هو على لسان هند، ثم … تأخذك تلك اللغة الشفافة بسلاستها وصورها المركبة، والمشاهد التصويرية فيها، بما يموج فيها من صوت وإيقاع عالٍ لا يخلو من حدّة، يوقظ داخلك من سبات عميق، ويشعل فيك حمى من نوع مختلف، حمى توقظ القلب على كسر وشرخ مؤلم يجب أن يتم جبره .تأخذك تلك اللغة إلى دلال الراقصة، في وحدتها وخوفها وابتسامتها المكسورة في رقصها على أرض ليست لها، وسط تلك الحلقة الذكورية للراقصين المحيطين بها وسعيهم وراء فرح زائف في عالم ليس لهم، تأخذك لتجد نفسك مسافرا وراء هذه المشاهد وهذه التداعيات، لتكتشف أنك في وجدان زكريا وتداعياته تسير، زكريا، الذي لسان لغته يكاد يقول لك: أنا زكريا الذي غبت عن صوت هند لأدخل إليّ، حيث الجسد الأعمى وراء النافذة ‘ليس واضحاً بالنسبة له إذا كان هذا بالضبط ما قالته، أم أنه قادم من تلك الإضافات التي كان يرسمها كلما جلست كعادتها على المقعد الجلدي الهزاز’.فقد مزج الكاتب بين مشهدين، مشهد هند التي بدأت تتحدث، ومشهد شعوره الذي انتقل إليه بسرعة، حيث غاب إلى نفسه بعيداً عن صوت هند الذي سرعان ما أصبح يأتيه كصدى من مكان بعيد، وبعيدا عن لغة هند السردية، التي يستطيع القارئ أن يحس وهو يقرأ هذا المشهد، بأن هذه اللغة العالية، وهذا الوصف التصويري الفني، أعلى من مستوى شخصية هند في الرواية .وفي مشهد صادم لدلال، يأتي هذه المرة على لسان هند، يصور بوضوح، المفارقة بين دلال (حيث لا دلال في واقعها) ببدلة رقصها التي أشعلت مخيلة أهل المخيم ورقصها الذي أشعل الرجال حولها، وبين ما آلت إليه هي وفرقتها عند انهدام الحفرة الامتصاصية وسقوطها وفرقتها وجمهورها فيها .’دلال الراقصة’، هي ‘امرأة مكسورة’ على أرض ليست لها، وخارج عالمها، ‘جسدها الأعمى’ يرقص في عتمة المنفى، وعتمة الحفرة الامتصاصية على أرض المخيم، وانكسار ابتسامتها، هو ذاته انكسار كل أولئك الذين زحفوا من أطراف المخيم، بحثاً عن فرح غير مكتمل ؛ الراقصون والفرقة المحمومة، كلهم أجساد عمياء خلف نافذة مكسورة ؟!!!(لهجات وطرق و….لغة): يبدأ الكاتب في وصف لهجة هند ‘كجزء من شخصيتها وأثر رحلتها’ ذلك الخليط المشوش من اللهجة الدمشقية المظللة واللهجة اللبنانية’ نعم، هو خليط مشوش بعيد عن لهجتها الأم، فكلما ابتعد الجسد عن المكان، تبتعد الذاكرة عن اللهجة التي تنحدر من ذلك المكان، فتحل اللهجة ذات التشوش النفسي والوجداني الذي يعشش داخل أبنائها، ففي الوقت الذي تحافظ فيه اللهجة الدمشقية على أصالتها وثباتها في موطنها، لتأكيد حق اللهجة بالموطن، وحق أصحاب الموطن بلهجتهم، فإن الفلسطيني في الشتات، يكاد يفقد هذا الحق في لهجته، ذلك الرابط الذي يربطه بالمكان، حيث تصبح اللهجة وجهاً آخر للمكان الذي أمعن صاحبه بالغياب عنه .هذا التسرب للهجة، نراه واضحاً عند العائد زائراً بعد طول غياب، حيث كانت اللهجة على لسان الناس صادمة ‘إن أول ما صدمه في عودته كان اللهجة والطرق، وفكرة أنه لا ينتمي إلى أقلية، كان ذلك يبهره تماماً ‘اللهجة المشردة المبتورة عن جذورها، هي ما كان يجعله مكشوفا، فاللهجة تنحدر في طرق الأرض وتخرج منها، وتأخذ شكل المكان الذي نبتت فيه، ولكنها أبداً لا تكون غريبة في موطنها، وهنا يقرر الكاتب حقيقة موجعة هي أن اللهجة وطن، ولا عودة دون لهجة، وأنك لا تستطيع أن تمدّ جذورك داخل أرض أنت مبتور عن لهجتها وضائع.ثمة لهجات كثيرة وطرق كثيرة، ولكنها كلها تمد جذورها داخل أرض واحدة، وللعودة إلى هذه الأرض شروط، وأنت لست عائداً كونك دخلت هناك، فثمة شرط تاريخي إنساني آخر يضاف إلى استعادة الذكريات وجدران البيت والصور المعلقة على الجدران، عليك أن تستعيد لهجة أمك، وتعيد ارتباطك بها، كي ترتبط بالطرق من جديد ‘ وكان متعجباً طوال الوقت من الاسترخاء الذي يشملهم، بينما هم يطلقون لهجاتهم بتنوعها الغريب، فيما يتعثر هو في لهجة هجينة، كانت تكشف هويته بعد الجملة الأولى ‘كعائد’ حتى بدت العودة بالنسبة إليه مكاناً آخر يضاف إلى كل هذه الأمكنة ‘..ثمة حزن خاص ينساب من لغة الطرق، أنت لا تعرف أين هو ولا كيف جاء، ولكنه موجود، في ذرات الهواء التي يحملها إليك، فيسكنك حنين حزين لا تستطيع الإمساك به وأنت تقرأ، ولا تستطيع وضع يدك على موطن الوجع، ولكنه موجود وأنت تدركه، ويتعبك هذا الركض وراءه، ولكنه يملؤك بإحساس أنك تتعاطى الحزن وتحترف الحنين، ولا تريد أن تترك أو تفارق الحرف .وكما اتخذت اللهجة شكل المكان وطرقه، فإنه قد رسم المكان باللغة، وشيّد منها أمكنة متعددة، فاللغة والمكان لا ينفصلان، حيث تأخذ ألوانها من المكان: جباله ووديانه وبيوته وأشخاصه، ويأخذ هو ديمومته وبقاءه وروحه من خلال تلك اللغة، فيصبح المكان في لغة الرواية كائناً حيّا يشارك الناس آمالهم وطموحاتهم، وشاهداً على أفكارهم ومشاعرهم ورؤاهم، فهناك أعماق الوديان السحيقة، شاهدة على مرارة الهزيمة وترفض في الوقت نفسه أولئك المهزومين ‘في لأعماق السحيقة للوديان، تقبع هياكل الآليات مثل عطايا بائسة وحيدة ومهزومة، كأن أحداً لم يلق جهداً أو زهرة أو تمتمة سريعة للفاتحة من أجل أولئك الذين يجفون في الهاوية’وتقف هذه الطرق في منحدرات الجبال وتعرجاتها وأحراشها وبيوتها وأيدي أهلها الملوحين لعابري الطريق، شاهد نداء لا يتوقف ولا يموت على وجوب العودة والمحافظة على تلك الدروب، ليس من الزوال أو الاندثار وحسب، بل من موت الذاكرة المختزلة فيها، وذوبان كل ذلك التاريخ الذي يسيل في منحدراتها ويستقر في العمق ‘ربما قبل أن يتحول المكان برمته إلى كمين مؤلم من الخوف على كل هذا’وتأخذ الطرق دورها في بثّ رسائلها من خلال مسالكها ودروبها وشعابها ومتاهاتها التي هي أشبه بمتاهة من غادروها في منافيهم، بأن هذه المتاهة عليها أن تجد طريقها في فعل يتصاعد تصاعد الجبال إلى القدس، لا في فعل يتهاوى إلى الوادي .هنا، في هذه اللغة التي طوعها الكاتب، ترتدي الطرق روحها، لتشارك أبناءها الذين تركوها، تشاركهم اتفاقهم ورغبتهم في إيجاد الطريق وسط هذه المتاهة، وتمارس فعل الحياة فتفيض بالرغبة والدفء على أبنائها وتقود خطاهم إليها حرصاً على بقائها وبقائهم ‘الطرق هنا في هذه الجبال تشبه الرواية، تتشكل مع المكان وتنحني لانحناءاته، وكأنها تخشى أن تجرح الأرض وتجعدات جسدها القديم، تلتف الطريق من أجل شجرة، وتنحني حول صخرة، وتقف تماما أمام عتبة بيت ”ومن ‘هنا’ و’هناك’ يصعد إلى حكاية راشد الحدادين، الذي رحل عن جبال الشوبك هاربا من وضع ما، صاعداً إلى جبال فلسطين حيث أقام هناك هو وعائلته .ولم يستطع راشد أن يفكر في جبال الشوبك والكرك على أنه ‘هناك’، فقد بقيت في مخيلته وذاكرته ‘هنا’ وكانت فلسطين بالنسبة إليه منفى يأخذ صفة ‘هناك’ فعاد وحيدا إلى ‘هنا’ جبال الشوبك’.(كل هذا ليس كافيا) :كل ما حدث بعد ذلك السؤال الذي تكرر للمرة الثانية ‘هل ستغيب طويلاً هذه المرة’؟ كان حكايات أوردها، حكايات الغائبين والطرق واللهجات والبيوت، حكايات البيوت، وما رافقها من بدايات صحوة حملت رايتها رام الله بتناقضاتها المتآلفة، ولكنها حكايات وروايات هنا وهناك، وإن كانت قد عبّرت عن تنام ما في محور الموقف، إلا أنها لم تكن كافية للعثور على السكة ورؤيتها، فثمة أمور أخرى ومواقف أكثر إيجابية وفاعلية، يجب أن ترفد كل ما أصبح مختزلاً في الذاكرة.جاءت هذه النتيجة القاسية المؤلمة على لسان الأم التي عادت من زيارتها التي تم الترتيب لها بصحبة الصحفية الأمريكية، إلى قرية زكريا ‘عندما عادت في المساء كانت هادئة، جلست على الشرفة، وبينما كانت تراقب الشارع والنوافذ المقابلة قالت: لم نجد السكة’.فالسكة عند الأم مرتبطة ‘برفقة’ التي منحتها ذكريات الأم وروايتها البعد الإنساني، فهذه الذكريات هي صوت الإنسان الواضح في هذه الرواية، والإنسان هوالسكة التي تقود إلى الصعود بعيداً عن الهاوية، وتبقي على عربة القطار بستائرها، فهذا الصوت الإنساني الذي تحمل رايته الأم، هو الذي يمنح الذكريات والحنين شكل السلام ويرمي عليه عباءة السكينة، فنحن نحتاج رفقة الإنسان فينا، هذه الرفقة التي أزاحت قناع الكراهية والخوف تجاه ‘رفقة ووالدتها الممرضة’، وحين ينحدر الحلم إلى الهاوية ويغيب صوت الإنسان، فإن السكة ستضيع ‘لم نجد السكة’ وبضياعها ستضيع رفقة، الحلم الإنساني في التعايش مع الآخر كإنسان خارج إطار القناع المحبوك بالقتل والكراهية، فرفقة التي كانت تقف ثابتة تنتظر أمها الممرضة، أصبحت ‘تتعثر الآن، في أمكنة مشوشة وأحراش غير واضحة، وتواصل هبوطها إلى مالانهاية’.ظهور السكة :’مقهى المغربية’ العنوان مؤلم وموجع، أن يكون المقهى على الأرض التي تستوطن فيها الأحلام والذاكرة هو للمغربية، وربما في هذه التسمية استفزاز للقارئ الذي سار في دروب الرواية بكل ما حملته من خيبات وآلام وأحلام وذكريات وطرقات، واختزل فيها رحلة عودة مشتهاة ومشروخة في الوقت نفسه ؛ مشتهاة لأن يعود القلب إلى أرض مسكونة بالذكريات والأحلام، ومشروخة لأن العودة ناقصة ومشروطة ومراقبة، عودة مقصوصة الجناحين .استفزاز صادم هو مقهى المغربية، وربما لأنه كذلك، سطعت فيه حقيقتان أخذتا بيد الرواية إلى نهايتها المفتوحة ؛ الأولى هي أن الحياد في الموقف يعطي الآخر الطارئ على التاريخ، الحق في أن يأخذ منك ‘هنا’ ليقصيك بهذا الفعل وتقصي أنت نفسك بموقف الحياد إلى ‘هناااك’، وأن يستغل هذا الحياد ليؤكد لنفسه الحق فيما استولى عليه منك .’فكر في أن هذه المرأة تحاول أن تعتذر لتتمكن من مواصلة الجلوس أمام الحرش برضى، وأنها تستخدمه هو، عبر إصغائه المحايد، لتتمكن من تجديد رضاها عن أنها هي التي ‘هنا’ وليست هو أو والدته أو رفقة ‘أما الحقيقة الموجعة المؤلمة والموغلة في الحسرة ربما، فهي في ظهور المحطة وسكة الحديد وحلم أمه وحكاياتها وذكرياتها، ذلك الظهور المفاجئ والموجع، والذي جعل موت الأم المفاجئ أكثر ألماً وحزناً وشتاتاً .ولم يكن للمحطة وسكة الحديد أن تظهرا لولا الظرف المفاجئ الذي جعله يغير مكانه المعتاد في المقهى، ليجلس في مكان آخر ظهرت من خلاله فجأة المحطة والسكة وأشجار الكينيا، وهذا ما أراد الكاتب أن يوصله ‘إن تغيير زاوية الرؤية قد يكشف ما هو غير مرئي ويضيء العتمة ويساعد على الرؤية بشكل أوضح، وأن حصر التفكير في زاوية واحدة لا يقود إلى نتائج ولا يكشف للبصر والبصيرة شيئا’.ففي غياب الأفق المفتوح والبحث عن طرق جديدة، ضاعت العربة واختفت السكة وتحولت إلى مقهى للمغربية، حيث يتم اغتيال ذكريات الأم وماضيها وحاضرها ‘ثم انتبه دون تبصر إلى أن المقهى برمّته هو بقايا عدة عربات لقطار، تم التصرف بها، بحيث تتحول إلى مقهى ومكان إقامة المغربية’.ومن هنا يعود الأب، والطرقات التي رحلت واللهجات المشردة، تهبط من العربة في طريقها إلى البيت ‘هنا’ حيث صورة الأم بابتسامتها هذه المرة ونظرتها العائدة، ويدها التي أزاحت الستارة عن بقعة الضوء، وبحذائها الأبيض الذي كسر سواد الثوب صورة أخرى للسؤال الموجع الذي استهلّ فيه الكاتب روايته في مقطع لمحمود درويش ‘هل كان ذاك الحقل / ذاك الكنز لي؟ هل كان هذا اللازورديّ المبلّلُ بالرطوبة والندى الليليّ لي؟ هل كنتُ في يوم من الأيام تلميذ الفراشة في الهشاشة والجسارة تارة، وزميلها في الاستعارة تارة؟ هل كنتُ في يوم من الأيام لي’؟” كانت الأعشاب الجافة تتكسر تحت قدميه، فيسمع صوت تكسرها وتتعلق بساقيه ،فيما المغربية تقف على الدرجات الخشبية السميكة بشعرها المصبوغ وأساور يديها النحيلتين، تحدق فيه بصمت شديد، وكأنها تشهد جنازة الأشباح التي وصلت للتو، وبدا أن العربات القديمة الفارغة للحكايات بدأت بالتنفس، وأن ستائرها تهتز هناك ؛ في ذكريات أمه وقلقها الغريب على ‘السكة’، كما لو أن والده القادم من الساحل هبط لتوه من عربة القطار وواصل طريقه إلى البيت قاطعاً الحرش وأشجار الصنوبر المائلة’. qadqpt