لا يمكن قراءة إعلان الجهاد في سورية للدفاع عن نظام بشار الأسد من قبل مجلس الإفتاء الأعلى في الجمهورية العربية السورية بمعزل عن عدد من العوامل والظروف المحيطة، فانتصارات الثوار السوريين وتحرير محافظة الرقة بشكل كامل وأكثر من خمسة وتسعين بالمئة من محافظة دير الزور وبدء عملية تحرير البادية السورية ومحافظة حمص، والانتصارات في ريف دمشق والوصول إلى ساحة العباسيين خلقت كلها رعبا كبيرا بصفوف المواليين للنظام. يمكننا القول ان كل شيئا في سورية تغير وبعد أن كان الثوار هم المستضعفون في الأرض انقلبت موازين القوة وأصبح انصار الأسد ورجالاته هم الأضعف فبدأوا يفكرون جديا بماذا سيفعلون، الآلاف منهم قرروا المواجهة حتى الموت وتطوعوا في صفوف جيش الدفاع الوطني الذي يضم مجموعات من المدنيين المتطوعين (الشبيحة) وقسم آخر وهو الأكبر بدأ يفكر بحزم حقائبه.. رجال الأعمال الموالون للنظام هربوا وتركوا دمشق، والآن تعج بهم بعض المدن الاقتصادية التي قررت منحهم تسهيلات للاستفادة من أموالهم كدبي مثلا. في بداية الثورة كان المنشق عن النظام هو من يرسل عائلته إلى الخارج هربا من بطش النظام، أما الآن فانقلبت الآية ونساء آل الأسد وعائلات مسؤوليه كلهم أضحوا خارج البلاد بعد ان اختار أزواجهم ورجالهم المواجهة، وحتى على مستوى الشبيحة الفيسبوكيين لا يملكون الجرأة ليدخالو بأسمائهم الحقيقية، فيما أضحى من المعيب أن يدخل الثائر بحساب وهمي حتى لو كان بيته ضمن المربع الامني في دمشق.دار الزمن دورته وانقلب السحر على الساحر، وبعد أن كان الثوار يجتمعون في مظاهراتهم ويصرخون الشعب يريد إعلان الجهاد، وكان الناشطون يطالبون على القنوات شيوخ العالم الإسلامي بنصرتهم وإعلان الجهاد والنفير إلى سورية، اليوم تنقلب الصورة رأسا على عقب ومن يعلن الجهاد هو شيخ الشبيحة بدر الدين حسون مفتي الجمهورية العربية السورية الأسدية ومن يطلب النصرة هو الأسد ولكن ممن يطلب النصرة؟ ومن هم الذين يستنصرهم الأسد؟ ينص البيان من مجلس الافتاء الأعلى أن الجهاد فرض عين على كل سوري، ولكن بقراءة للواقع نجد أن البيان غير موجه للشعب السوري، فالأكراد وأهالي المنطقة الشرقية وريف حلب التي كانت خزانا بشريا لجيش الأسد قد تحررت بشكل كامل وبالتالي من المستحيل أن يلتحق أي من أبنائها بالجيش الأسدي، أما أهالي حلب ودمشق والطبقات الراقية فكل أولادهم الذين بلغوا سن خدمة الإلزامية قد أخرجوهم من سورية إلى دول الجوار بانتظار انتهاء الحرب، وبما أنه إعلن الجهاد فإن الطائفة المسيحية غير معنية أبدا.يبقى لدينا العلويين وهم لا يحتاجون إلى أي فتوى ليقاتلوا في صفوف من اعتبروه إلها وربا لهم وهو بشار الأسد، إذاً أكاد أجزم أن البيان غير موجه للشعب السوري وأكاد أجزم أن وراء الأكمة ما ورائها، وأن البيان لا يتعدى كونه غطاءا لاستجلاب المقاتلين الشيعة من أنصار الأسد للدفاع عن الهلال الشيعي الذي يكاد ينكسر عند أهم شعبة فيه وهي المطلة على البحر المتوسط، والأيام القادمة ستشهد تدفقا لألاف من المقاتلين من شيعة لبنان والعراق وإيران للقتال في صفوف الأسد بحجة هذا الإعلان.يجدر بنا الإشارة أن هذا البيان يحمل معنى آخر وهو أن قوات الأسد أضحت بحاجة ماسة إلى الرجال، فقوات المعارضة السورية المسلحة هي بمئات الألاف الان، ويكفي توفير شحنات من الأسلحة لتسليح كل شباب إدلب وريف حلب والرقة والعشائر السورية السنية، أما جيش الأسد وطبقا لتقرير أعده مركز أبحاث الحرب الاميركي منذ أيام فإن الجيش السوري النظامي قد تدمر وتحول من جيش منظم إلى ميليشات طائفية، والأسباب واضحة وهي عشرات الالاف من المنشقين عن صفوفه، عشرات الالاف الذين رفضوا التطوع، أعداد القتلى الهائلة في صفوفهم والتي قدرها أحد أعضاء مجلس الشعب الحالي وهو شريف شحادة على قناة الجزيرة بمئة ألف قتيل من الجيش السوري، ويجدر القول أن كتائب كاملة وفرق وألوية من الجيش العربي السوري تم تدميرها بشكل كامل ففوج النقل في الغوطة الشرقية على سبيل المثـــــال تم تدميره من قبل الجيش الحر بشكل كامل والفرقة السابعة عشر في الرقة انتـــهت بشكل كامل، بالإضافة إلى عدة ألوية ومطارات وعشرات الكتائب التي خرجت من الخدمة بشكل كامل،لهذا كان البديل للأسد هو تشكيل ميليشات من الشبيحة وتحــــويلها إلى جيش تم تسميته جيش الدفاع الوطني.محمد دعاسqmn