الحسينات )تونس) ـ “القدس العربي” ـ مـن ناجي العجمي: أذكـر جيّدا حين كنّا صغـارا كيف كان يعهد الينا بقطّ واقع في فخّ أو مصيدة جرّاء ما فعله بأهالينا من التهام بعض ‘الخرانق’ لمن يقوم بتربية الأرنب العربي في ‘الحوش’ بين أغصان الزّيتون التي تكوّن أسوارا لمنازلنا ومنها ما هو وقود لإحضار الخبز التّقليديّ، حيث تتهافت القطط على هذه الأماكن المنزوية لتصطاد ليلا الأرانب الصّغيرة البعيدة عن أمّهاتها… عادة ما نحتفل بقتل قطّ يقع بين أيدينا وهو المشدود بحبل في الفخّ، لنتفنّن في ضربه حتّى الموت ورجمه دون رحمة أو شفقة اعتبارا للجرم الذي ارتكبه بأكله لأرانبنا. وفي الحقيقة ليس القطّ من فعل ذلك حين كنّا نعثر على جرذان واقعة في الفخاخ المنصوبة، والتي بوسعها وحدها التّسلّل الى ما تحت أغصان الحطب وأكل الخرانق في أعشاشها.’زينة بيّـة ‘… حين تجـوع الحـــرّة… ولا من مغيث…’القدس العربيّ’ واكبت اعتصام أبناء المنطقة الرّيفيّة ‘ الحسينات’ من معتمديّة قصورالسّاف / محافظة المهديّة مؤخّرا بعد الغضب العارم الذي اجتاح فئات الشّباب حين قطعوا الطّريق وأغلقوها وأشعلوا الاطارات المطّاطيّة احتجاجا على خلفيّة ما أقدم عليه أحد العاطلين عن العمل ‘ونّاس بيّة ‘ صاحب الشّهادة العلميّة وأب لـ3أطفال وتهميش منطقتهم التي لم تسلم من عبث العهدين البائدين ليتواصل الحال على حاله ولتعطى فرص التّشغيل محاباة للمتنفّذين الذين لا زالوا يحكمون البلاد ورقاب العباد، وكان أن حلّ وفد من فرع الرّابطة التّونسيّة للدّفاع عن حقوق الانسان لتقديم تعازيه للعائلة المنكوبة ليطالب الأهالي الزّائرين بإلقاء نظرة عن حالات اجتماعيّة بائسة قصد نقلها الى السلط العليا التي لا تزال تتجاذب وتتعارك على الكراسيّ وأكثر من نصف الشّعب التّونسيّ الذي صنع ثورة من أجل الشّغل والحرية والكرامة يموت مهانا في عقر داره بعيدا عن أضواء اعلام محكوم لفئات و شراذم فاسدة… كان الجرح عميقا بحجم معاناة هؤلاء البائسين الى درجة أن ينفلت بعض الحقوقيّين بالبكاء لهول ما رأوا وما سمعوا من أنّات أشباح تنوء تحت خطّ الفقر والفاقة والمرض… هزّتنا أقدامنا المتعثّرة الى منزل لا يشبه المنازل في شيء يقع بين ‘طوابي الهندي’ حيث أفادتنا احدى الفتيات واسمها ‘ريم ‘ أنّ الرّجل القابع في ركن مظلم هو الأب المصاب بالعمى ـ عافانا وعافاكم الله، وفي الزّاوية الأخرى ابنه المصاب بالصّرع وبمرض نفسيّ يعاوده لانقطاعه عن تناول الدّواء الذي لا يقدر على توفيره أحد. كانت الفاجعة قد اشتدّت بهذه العائلة بعد هجرة الابن الأكبر الذي عانى من البطالة ‘حارقا’ الى وجهة غير معلومة وموت السّند الوحيد وهي شقيقتهما ‘زينة’ بعد أن أضربت عن الطّعام لأكثر من شهر وتحويلها في محاولة يائسة الى مستشفى الجهة حيث لفظت أنفاسها جرّاء اضرابها الوحشيّ الذي لم تتناوله خبره الصّحف التّونسيّة ولا الاعلام الجهوي في محافظة المهديّة المحكوم من قبل أزلام لا يتورّعون في ايذاء كل من ينبش في ملفّات الفساد وكتم ولجم كل الأصوات في سابقة لم يشهدها لا ‘عهد بورقيبة’ ولا ‘عهد الزّين’… ماتت ‘زينة ‘ بنت ‘الحسينات ‘ نفس ميتة ‘زنّوبيا ملكة تدمر’ التي اعتقلها الرّوم وأبت أن يحتفلوا بانتصارهم عند اسقاط احدى القلاع العربيّة، لتنسج الذّاكرة ما يجري في محافظة المهديّة التي ماتت فيها ‘ زينة ‘ ومات الكثير من الشّبّان ‘ حارقين ‘ من نقطة ‘ راس ديماس’ التي منها أبحر’ حنّـبعل ‘ يوما ما في تاريخ قد يكون يعيد نفسه بأنفاس الجائعين والمحرومين والمظلومين… ولك الله يا تونس الخضراء.