الجزائر: هل تستطيع أمريكا فرض منطقها؟

حجم الخط
0

عبد الدايم عبد الرحمن الولايات المتحدة الأمريكية، أو العالم الجديد كما كانت تسمى، دولة عظيمة، وقوة كبرى اقتصاديا وعسكريا وسياسيا. ولها مكانتها وكلمتها على الساحة الدولية، وهذه مسألة لا يختلف فيها عاقلان، ولا يتجادل فيها حكيمان، لأنها واضحة للعيان ولا تحتاج إلى برهان وكما قال الشاعر: ولا يصح في الوجود شيء، إن يحتاج النهار إلى د ليل ولكن للقوة حدود، وللهيمنة والغطرسة ردود، وكما هو معلوم فيزيائيا، إن لكل فعل رد فعل، مساو له في الشدة، مخالف له في الإتجاه، وهذا ما ينطبق على سياسية أمريكا الخارجية، وتدخلاتها في مختلف مناطق العالم وضد الحكام الأجانب، حتى قال البروفيسور صمويل هنتجتون في مقالته المهمة في عدد ربيع 1999 من ‘مجلة فورين أفيرز’ أن ‘المسؤولين الأمريكيين يبدون كما لو كانوا مصابين بالعمى إزاء حقيقة أنه ما أن تشن الولايات المتحدة حملة ضد حاكم أجنبي حتى تزداد شعبيته في بلده’.أي أن التدخلات الامريكية تأتي دائما بنتائج عكسية لما كانت ترجوه، أو ترغب في الوصول إليه، وهذا مالحظناه في اليابان، والفيتنام وفي الصومال ،وكلنا يتذكر فرح عيديد، وما تكبدته القوات الامريكية على يديه، وفي العراق وأفغانستان، وهذا ما عبر عنه الزعيم الفيتنامي هوشي منه أيضا بقوله للأمريكين: ‘ستقتلون عشرة منا، وسنقتل واحدا منكم ومع ذلك فأنتم الذين ستتعبون’.فليس القوة وحدها، هي التي تحسم الخلافات والنزاعات الدولية، وهذا ما أصبحت أمريكيا قريبة جدا من الاقتناع به، وهذا ما يظهر جليا في موقفها من الأزمة السورية، واعتبارها أن حلها لا يكون إلا سياسيا، ورفضها التدخل العسكري المباشر، في النزاع الناشب هناك، ربما استخلصت الدرس من تجربتها في العراق، ومأزقها في أفغانستان، وبدأ تستجيب لنداءات حكمائها، الذين رأوا أنه لا يمكن استبعاد الاعتبارات الأخلاقية في علاج الخلافات الدولية، ومن أهم هؤلاء عضو مجلس الشيوخ السناتور، وليم فولبرايت صاحب كتابي غطرسة القوة’ الصادر في سنة 1966، ‘وثمن الإمبراطورية’ الذي نشر في 1989 وعضو مجلس النواب لي هاملتون’ الذي كان أول من وجه الأنظار إلى ضرورة مراجعة سياسة القوة في مطلع التسعينات، من خلال مقالة تاريخية نشرها في عدد صيف 1992م، في مجلة ‘فورين أفيرز’بعنوان ‘رؤى ديمقراطية في سياسية الولايات المتحدة الخارجية’.هذا الأخير لاحظ أن سياسة أمريكا، بطيئة التغير في عالم ينقلب رأسا على عقب، وحذر من الفشل في تطوير إستراتيجية متماسكة للمستقبل، تنطوي على إعادة تحديد مفهوم الأمن القومي، وتحقيق توازن أفضل بين الشؤون الداخلية والخارجية وبين القيادة والمشاركة. واعتبر هاملتون دعم الديمقراطية من أهم القضايا، التي صارت مطروحة على السياسة الأمريكية، بديلا عن مواجهة التوسع الشيوعي لم يعد هذا الأمر مطروحا بعد سقوط الإتحاد السوفياتي والسباق النووي .ويخطئ أنصار سياسة القوة، إن كانوا يرون أن هذه الأخيرة هي التي حققت التفوق الأمريكي، وأنها هي القادرة على الحفاظ عليه لأن الإتحاد السوفياتي لم ينهار بسبب الضعف العسكري، ولكن بسبب التآكل الإقتصادي، وما ينطبق على الإتحاد المنهار ،قد ينطبق على أمريكا التي تتبع نفس المسار، وتؤمن بنفس المنطق، وأن أثبت عدم جدواه هذا حال الولايات المتحدة مع الدول الضعيفة، وعجزها على فرض هيمنتها ومنطقها عليها، فكيف تستطيع فعل ذلك مع دول تنافسها في القوة، على الأقل عسكريا كروسيا والصين، أو اقتصاديا كالإتحاد الأوروبي أو اليابان؟.إن العالم لن يسترد توازنه، إلا بعالم متعدد الأقطاب، وهذا هو حال الأرض منذ أن خلقها الله إلى يومنا، فإنفراد قطب واحد بالهيمنة، يناقض منطق التاريخ، وهو وضع استثنائي، لم يشهده العالم من قبل، وهل يستطيع الطائر أن يطير بجناح واحد؟ ربما لكن كم هي المسافة التي سيقطعها؟ وهل يستطيع الإستمرار في الطيران؟ أن أمريكا اليوم أصبحت معزولة، وكثر خصومها حتى في الداخل، فهناك تسعة وعشرون منظمة إرهابية أو معادية للحكم، تنشط على التراب الأمريكي، تناصبها العداء، وتكن لها الحقد، وهذا ثمرة سياستها نذكر على سبيل المثال ميليشيا أمريكا الشمالية، جمهورية أيداهو، الأمة الأرية، منظمة جيش الرب، جبهة تحرير الحيوان، فحتى الحيوان لم يسلم في هذا البلد، الذي يدعي أهله الحضارة والحرية واحترام حقوق الإنسان. أن أمريكا اليوم، في حاجة ماسة للتصالح مع نفسها أولا ومع غيرها ثانيا، ومهما كانت هجمات 11/09/2001 مريرة، فهذا لا يبرر لها التصرف كما تشاء،لأن العالم فسيفساء، ولن يكون بلون واحد مهما عملت أمريكا، وإن التدخلات الخارجية لن تزيدها إلا استنزافا . يقول بول كيندي أستاذ التاريخ بجامعة بيل في كتابة ‘صعود وسقوط القوى العظمى’ الذي أثار جدلا واسعا القوى العظمى تبدأ بمرحلة الهبوط من قمة العالم عندما تزداد التزاماتها الخارجية فتستنزف مواردها’. وهذا ما ينطبق حرفيا على الولايات المتحدة الأمريكية، وما حدث لها في العراق ويحدث لها في أفغانستان خير دليل على ذلك. واعتقد أن الرئيس الأمريكي المتجددة عهدته أوباما- استوعب ذلك جيدا، فانسحب من العراق، وها هو الآن يحاول الخروج من أفغانستان، لأنه تيقن أنها حرب عبثية وأن أمريكا لن تخرج منها بطائل، لذلك حدد 2014، كبداية لخروج الجنود الأمريكيين من هذا المستنقع الرهيب والتخلص من هذا الكابوس المزعج، الذي يقض مضاجع الشعب الامريكي بكل شرائحه وأطيافه.وفي الأخير نقول: أن أمريكا أو غيرها من الدول، لن تستطيع فرض منطقها وهيمنتها على شعوب العالم، لأن القوة وحدها ليست العامل الوحيد لحسم النزاعات والخصومات، وخير الدليل على ذلك ما وقع لها في العراق، وما يقع لها في أفغانستان، وعجزها على حسم الأزمة السورية بمفردها، لأن الثنائي والروسي والصيني يقف لها بالمرصاد ويضع حدا لغرورها وغطرستها، وها هي تلجأ إلى التفاوض عساه يحفظ ماء وجهها،وتلملم به جراحها، التي زادتها القضية السورية عمقا وألما، ونتمنى أن آلام السوريين ومأساتهم وتضحياتهم، التي تحز في نفس كل شخص يملك ذرة من الإنسانية والأخلاق، لن تذهب سدى، وأن تكون عاملا أساسيا لميلاد عالم جديد متعدد الأقطاب والألوان، لا يستطيع فيه قطب بمفرده أن يفعل ما يشاء بلا رقيب أو حسيب أو أن يفرض منطقة كما تحاول أمريكا اليوم .’ كاتب جزائريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية