ابو ظبي ـ من فاطمة عطفة: وسط حضور جماهيري كبير جاء من مختلف إمارات الدولة، ومن النادر أن نرى مثيلا له في الأمسيات الثقافية، تحدث الفنان مارسيل خليفة مستعرضا تجربته مع الشاعر الراحل محمود درويش التي كانت بداية انتقال للأغنية العربية من عالم الانفعال السلبي الهش إلى مجال الالتزام الإيجابي الفعال، لتتردد على ألسنة ملايين المعجبين، مصحوبة بألحان جديدة تلامس مع الكلمة الصافية أعماق الوجدان وتمتزج الإرادة والحرية والفكر والمشاعر لتنسكب في موجة واحدة وإشراقة فنية وجمالية رائعة.جاء ذلك مساء أمس الاثنين في أمسية نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بمقره في أبوظبي بالتعاون مع جمعية البيارة الفلسطينية لتكون هذه الأمسية بداية التعاون بين الاتحاد والجمعية كما قال الشاعر محمد المزروعي رئيس الهيئة الإدارية لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي في تقديمه للفنانمارسيل خليفة.وتحدث الفنانمارسيل خليفة عن عمله الجديد ‘سقوط القمر’ الذي تضمن ثماني عشرة أغنية، قائلا: ‘لا سبيل لدي إلى المعنى إلا أن أغمره في الأغنية أكثر فأكثر، أدخل في الأغنية إلى مالا ينتهي لأدافع عن الغامض السحري في القصيدة. لا بد من الرغبة والحسرة والقسوه والثورة والنداء والشعر والصمت والتذكر والنسيان والحب. أصابعي يامحمود علقتها على مشارف الوتر في ‘سقوط القمر’ وكتبت لك جهرا بيان الأغنيات هذه. أبحث عنك في الأغنية وفي كل ما لدي من الموسيقى المعدة لتطرية الأيام الصعبة، بعد جرعتين من جرار نبيذ الحب’.وحول وداعه للشاعر الكبير محمود درويش أضاف الفنانمارسيل خليفة: ‘لم أقل له الوداع لأنني كلما هممت بنطقها في آخر مكالمة تلفونية كان يشدني بصوته الواثق كي نتابع الحديث. كان في صوته شهية كلام، وكان في وداعي شهية صمت، كان تلفونا قصيرا كتحية بحاره: (رافقتك السلامة) كانت هذه عبارته الأخيرة، تصبحون على وطن’. واستعاد الفنان مارسيل خليفة ذكرياته عن بداية علاقته بالقضية الفلسطينية، وعلاقته مع العود ورحلته في تلقي دروس الموسيقى وهو في السادسة عشرة من عمره قادما من ضيعته (عمشيت) إلى بيروت مرتين في الأسبوع ليدرس الموسيقى بجانب الدروس العادية. وأثناء هذه الرحلة كان يرى المخيمات الفلسطينية وبيوت الصفيح على مداخل بيروت وفي ضواحيها. وفي ذلك العمر الفتيّ لم يكن يعرف إلا القليل عن فلسطين، ولكن بعد هزيمة 67 بدأ يدرك ويتابع هذه القضية ويوليها كل اهتمامه حيث دخل في معترك النضال مع الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية.وأشار إلى بداية تلحينه لقصائد الشاعر الكبير قال: ‘ذهبت إلى باريس هاربا من الظروف السياسية والتقيت كوكبة من الأصدقاء والشباب الوافدين حديثا أو المقيمن بداعي الدراسة أو بداعي السياسة، ورحت بخجل وتردد أعرض بعضا من تجاربي الموسيقية الشعرية الأولى: شاب متحمس، أخرق، يريد أن يجعل الموسيقى سبيلا لتغير العالم، أن يخفف الألم والبؤس والفقر والحروب، أن يشعل ثورة مدعوما بوتر العود والقصيدة الجديدة، كان الأصدقاء يسمعونني ويهزون برؤوسهم، ربما لم يدركوا يومها تماما ما هو مشروعي، وكان داخلي مشحونا بالتمرد. وفي سنة 1967 سجلت في إحدى استديوهات باريس (وعود من العاصفة) أولى أغنياتي لقصائد محمود درويش قبل أن أتعرف عليه شخصيا وقد تضمنت هذه الأسطوانه أربع أغنيات من شعره، ولم يخطر في بالي أبدا أن هذا اللعب سيصبح جديا إلى هذا الحد. وبعد عودتي من باريس كان اللقاء الأول مع درويش لقاء حميميا في حديث الموسيقى والشعر أو حديث للموسيقى وللشعر. كان محمود نبيلا ومفعما بقلب كبير اقتربت منه ومن روحه واتسعت موسيقتي لشعره، تأتي قصيدته بكامل سطوتها للتحرك مع إيقاعي وتملأ الفضاءات’.وأضاف مارسيل: ‘بعد الخروج الفلسطيني من بيروت سنة 82 في ذكرى التضامن مع الشعب الفلسطيني، التقيت ومحمود درويش في قاعة الأونيسكو في باريس حفلة ثنائية بين الشعر والموسيقى، تلا يومها قصيدة ‘سلام عليك وأنت تعدين نار الصباح’، وتابعت بعده ‘أحن إلى خبز أمي، وقهوة أمي، ولمسة أمي…’. وعن أمسية قرطاج التي قدمها في تونس قال الفنان خليفة: ‘ كان ألوف المستمعين ينشدون صامتين وكان هذا بحضور محمود درويش مع خمسة عشر ألف متفرج، وفي اليوم التالي لتلك الحفلة الشهيرة حضرت أمسيته الشعرية وكنت في الصف الأمامي فرحب بي معلقا (نرحب بشاعر الأغنية مارسيل خليفة) وقتها علا التصفيق في الصالة، وبعد إنتهاء الأمسية تجولنا في أسواق العاصمة القديمة، وفي المساء اجتمعنا على مائدة الرئيس أبوعمار’.واصل مارسيل خليفة حديثه عن لقاءاته مع الشاعر قائلا: ‘لقد توالت لقاءاتنا الباريسية وكان حماس درويش لتلحين غنائية أحمد الزعتر ولقد أطلقت على العمل لاحقا اسم أحمد العربي، وهكذا صدرت الأسطوانة وحقق العمل انتشارا كبيرا وكان نقلة نوعية في علاقتي مع قصيدة محمود درويش’.وعن تجرتهما في أغنية (أنا يوسف يا أبي) قال مارسيل: ‘كان الحكم بدعوى تحقير الشعائر الدينية بسبب هذه الأغنية وبقدر ما كنت مسرورا باصطفاف المحبين بمختلف شرائحهم حولي كنت حزينا لإجباري على تغير موقعي من مدافع عن كرامة الشهداء إلى مدافع عن أغنية تمثل الذين تركونا نموت تحت ضرب الطيران، وتساءلت آنذلك كيف يمكن لقوى أن تأخذ فنانا إلى المحكمة بوصفه متهما بينما هو يغني للحب وللحرية ويسعى صادقا إلى التعبير عن مجتمعه وحاضره، ولم أكن أعرف ما إذا كان قوس المحكمة الذي وقفت أمامه هو قوس انتصار للحرية أو قوس هزيمة للمستقبل’. وأضاف موضحا: ‘على أثر هذه المحاكمة شارك درويش في أمسية تضامنية في مركز سكاكيني وألقى كلمة تدعم الموسيقى والشعر وأعلن باسم وزارة الثقافة الفلسطينية تقديم جائزة القدس لي’.وقد واصل مارسيل حديثه عن الشاعر الكبير يقول: ‘في الذكرى الخمسين لنكبة فلسطين جاء محمود إلى بيروت وقدمنا أمسية مشتركة في قاعة الأونيسكو، ألقى جداريته وقدمت تقاسيم، وفي اليوم التالي ذهبت معه إلى مخيم صبرا وشاتيلا لوضع باقة من الورد على أضرح الشهداء’.واستمر خليفة يستعرض بعض الذكريات سنة 2002م كان الحدث بتكريم محمود درويش كأهم شاعر معاصر في العالم العربي بجائزة لينون الأمريكية في جامعة فيلادلفيا وقد دعيت للمشاركة في هذا الاحتفال بناء على دوري في إيصال شعر محمود درويش للعامه وجعله بمتناوله، وقدم الاحتفال المفكر الفلسطيني العربي إدوارد سعيد، وفي عام 2005م منحت لقب فنان الأونيسكو للسلام وكان محمود بجانبي فرحا بهذا اللقب’.وأضاف قائلا: ‘في عام 2007 م حصلت على جائزة أكاديمة (شارل كروس) لعمل تقاسيم المهدي لمحمود درويش المستوحى لأشعاره ولقد تم الاحتفال على مسرح راديو فرانس حيث تسلمت الجائزة وكانت تحية عارمة أيضا للشاعرمحمود درويش’.وفي ختام الأمسية في مقر اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي وقع الفنان مارسيل خليفة لجموع غفيره من الحضور على إصداره (سقوط القمر) الذي أهداه إلى صديقه ورفيق رحلته الجميلة بكل ما فيها من أمل وألم الشاعر محمود درويش، ليذهب ريع هذا الإصدار لدعم ومساندة أطفال فلسطين، ووكان مسك الختام الرائع لأمسية استثنائية مع صوت الفنان مارسيل خليفة حيث قدم للجمهور المحتشد من محبية ومحبين الشاعر، ( أحن إلى خبز أمي).وذكر الحضور أن يوم الثقافة الفلسطيني الذي يصادف في 13- مارس وهو تاريخ ميلاد الشاعر الكبير الحاضر الغائب محمود درويش.وكان قرأ الشاعر محمد المزروعي كلمة كتبها الشاعر محمود درويش بعد سماعه إسطوانة مارسيل خليفة الأولى عام 1967م التي تضمنت أربع أغنيات من شعره، قال فيها: ‘(لعل أغنية مارسيل خليفة هي إحدى الإشارات القليلة إلى قدرة الروح فينا على النهوض الآن، فعندما كنا نستثني التعبير الثقافي من شمولية ما تعرض له الموقف العربي من انهيار، عام كنا ندافع عن أمل شخصي في حماية منطقة من الروح يصعب اجتياحها بالدبابة أو بالعزلة، لقد أغلق القلب حتى صرنا ندهش من تحمل عصفور سماء، وسط هذا الخراب كانت أغنية مارسيل خليفة تنتشل القلب والأجنحة من الركام، كانت قوتها الهشة هي قوة الحياة في حصار السؤال والجواب، فيها وجدنا قوة المأخوذين إلى الموت على الغناء وعلى إبداع مستوى للواقع نمتلك فيه حرية افتقدناها فيما سبق من كلام وإيقاع’.وأضاف في كلمة درويش كنت على سبيل المثال أعلن لأمي الحب من زنزانة ولكن لم تدرك هي ولا أنا أدركت فعالية هذا الإعتراف إلى أن فضحته أغنية مارسيل خليفة، الذي ردم الهوة التي وسعها الشعراء بين القصيدة والأغنية وأعاد إلى العاطفة المغيبة حضورها المنقذ للمصالحة بين الشعر الذي مجد ابتعاده عن الناس وانصرفوا عنه وهكذا طور الشعر أغنية مارسيل خليفة كما طورت أغنية مارسيل خليفة علاقة الشعر بالناس ومعه صار الشارع يغني ولم يعد الكلام بحاجة إلى منبر كما لا يحتاج الخبز إلى مكبر صوت’.qmaqpt