‘غزالة ‘ قاسم مسعد عليوة .. ورحلة البحث عن الحقيقة

حجم الخط
0

إبراهيم محمد حمزة منذ الكلمة الأولى حتى النقطة التالية للفظة الأخيرة برواية ‘الغزالة’* ينقش قاسم مسعد عليوة منمنمة لغوية منحوتة بصبر عجيب، لا تتكرر كثيرا في السرد المعاصر، منتقيا حزمة من الرموز المتداخلة في منطقة بين الخفاء العمي وبين الإشراقات الروائية الفاتنة المحيرة، الرواية تتشكل عبر رحلة يرويها تابع لأحد شيوخ الصوفية، يقتطع الكاتب لحظة زمانية ومكانية مغايرة، يدير فيها سرديته مضمخة بقدرات تأويلية منذ البداية: (!)ـ قلت لمعلمي: أتبعك؟ـ قال : حاول (2) لبست المرقعة وحاذيته فنهرني : : مهٍ. ما هكذا يكون اللباس .. وما هكذا تكون المرقعة .(3) قدم لي خرقة كما تقدم خلعة أمير أو سلطان أو ملك. قلت: لكنها كثيرة الخروق مهلهلة. قال: من الخروق تنفذ وبالهلهلة تفوز. (4) كنت جائعا، وكنا في الصحراء، ومن غاية الأفق جرّت غزالة شريطا من غار وركضت نحونا. لما دنت أقعت أمام معلمي، فأشهرت حديدة كانت معي، وقلت : أذبحها ونأكلها. فنظر إلي نظرة فيها من الحزم ما يوازي ألم الجوع، وقال : ـ إن أكلناها فماذا عساه ان يتبقى لنا، وبأي شيء نمني أنفسنا ؟ ثم داعب رأس الغزالة وقال مخاطبا إياها : ـ غرير هو ما يزال، فلا تأبهي له. (صـ7) ـ رحلة الذات في العالم: في الاستشهاد السابق والذي جاء من الصفحة الأولى من الرواية يؤسس الكاتب لروايته واضعا نقاط البدء الأولى، والاتفاق الضمني مع القارىء على ‘آليات الرحلة’ التي سيصحبه فيها، إنها الغزالة، الأمل الروحاني النبيل، الوطن الحاضن للجميع، المطمع الدائم للطامعين، هي الحياة بآمالها، ثم هي الرحلة، رحلة الراوي رفيقا لمعلمه الصوفي، والتي يبدو الكاتب شفوقا بقارئه من مجازات الرواية، فيضع مفتاحين في بدايتها للولوج الآمن، يقول (ولكم في المجاز حياة) ويقول (لا تخف من العويص ولا تفر من الرمز) وكأنه على وشك أن يقول لك: الرواية يسيرة، ولكن تأملها لتجد نفسك فيها، نحن أمام رجلين جائعين طائعين لهواهما الصوفي، يتمنيان لقمة، وإذا بالغزالة تظهر، فيستأذن التابع شيخه ليذبحها طعاما لهما، فينهره ثم يتابعان الرحلة، ومعهما الغزالة التي (تصعد بهما كثبان، وتهبط وديان، وتدلهما على السقيا، حتى يظهر لهما قاطع طريق، فيطلب الغزالة، ويفشل في اصطيادها، ثم يفجؤهما الحاكم، ويطلب الغزالة، وكالعادة يفشل بكل قوته وجبروته في اصطياد غزالة، وتعود لهما حتى يودعها الشيخ على بوابة مدينة اللذة والانبساط، وعبر فصول الكتاب الكثيرة (واحد وعشرون فصلا) يعالج الكاتب أفكارا مجردة بعد أن يدثرها أردية حديثة، ولكن تبقى على تجردها من جهة وضوحها، يعالج على سبيل المثال مسائل اللذة، الشجاعة، الصداقة، المرأة، الحب، المديح، الحرب، التلمذة …. وتأتي هذه المعالجة الرهيفة عبر حدث دائما، باستثناءات قليلة، فإن توقفنا عند فصل بعنوان ‘تمام كمال المرأة’ نجد الشيخ وتابعه يمرون بجماعة يتحدثون عن النساء، فيرى أحدهم المرأة ‘ قطة ناعمة الفراء حلوة البراثن، ويراها آخر خنزيرة، ويراها ثالث بقرة ولودا، وآخر يقول عصفورة جميلة، ويحتكمون إلى الغريبين، فيقول الشيخ ‘المرأة أقحوانة’ … وفي هذا الفصل الذي يقسمه الكاتب لسبعة مشاهد مقسمة بأرقام تصوير للمرأة بشكل عام، روحا وجسدا، بهاءً واكتمالا، وفيه جرأة تصوير ولع ولوعة الشيخ بالمرأة وشبقه وشوقه للنساء، حين يرى سرابا في الصحراء لنساء يغنين على غدير بسيقان عارية، فيقول : تمام الصفاء تحققه النساء .بعدها التفت إلىّ وابتسم: ـ في أول مدينة نذهب إلى ماخور. (صـ38). ـ في البحث عن الحقيقة: هذا هو انشغال الرواية الأول، وعملها الأساسي، إنه استجلاء علاقة الحقيقة بالزيف، وتجريد البهرج المنتشر وتخليص الجوهر منه، إنه البحث الدؤوب عن الحقيقة مجردة، بلا دين ولا وطن ولا زمان، ولذلك سيتعجب قارىء الرواية لهذا الصوفي المولع بالخمر والنساء، ولذا يصور حالهما في ‘بيت المتعة’ تصويرا خارقا للعادة، إن بيت المتعة بما يحمله من عهر وفجور والذي لا يدخله إلا ‘من سدد كلفة الدخول’ [لاحظ الطاقة اللغوية المحملة بالتأويل في التعبير ] بيت المتعة هذا أقرب للتصور البشري للجنة، بل بدا الانتقاء اللفظي للكاتب في الفقرة مقاربا بين اللغة القرآنية في وصف الجنة، متجها لتناص لغوي مع الوصف القرآني للجنة، في حين أنه يصف بيتا للمتعة، بقوله مثلا (اتكأنا على النمارق المصفوفة، طاف بنا غلمان مرد وغير مرد، يحملون طاسات وأباريق) ثم بعد أن شربنا الخمر (استوقفنا غادتين فإذا بهما طوع بنانينا، فضاجعناهما … وما أظهرتا ترخصا ولا ابتذالا) صـ 71. إن الكاتب في بحثه عن الحقيقة المجردة يخلص إلى فكرة تآلف الروح والجسد، تآلف الأزمنة والأماكن، إلى السعي وراء الغاية من الخلق، إلى المتعة الحلوة الريانة للروح والجسد، وبينما يبدو إيمان الشيخ بالمتعة وبالمرأة وبالحب وبالجسد إلى أقصى طاقات وغايات الإعجاب، ترى سخريته المبطنة سخرية الكاتب من الحاكم وبطانته، سخرية يقدمها دامجا الأزمنة، حتى يصبح القهر قهرا عاما، والاستبداد استبدادا عاما، مع إسقاط مباشر لكل ذلك على واقعنا، في البداية حين يجد المعلم الغزالة، ويطمع فيها الطامعون، يأتي الحاكم مشاركا رعيته الطمع مبررا رغبته في الغزالة بقوله: خويت الصحراء من الطرائد .. وعيب أن يراني شعبي عائدا من رحلة صيدى خائب الرجاء ‘ صـ9 ولذلك، فتصوير الكاتب لمدينة ‘ اللذة والانبساط ‘ لا يحيلها لمدينة عهر جسدي، بل عهر عام (جهالة وقهر وفقر وظلم وفساد سياسي) وهانحن معهما في الميدان المكتظ بالناس والجنود، وكان الناس (يجأرون بهتافات تندد بالحاكم وأساليب الحكم …. وتطالب بإقصاء الحاكم ومن يشاركونه (الرواية صادة عام 2010م ومكتوبة قبل صدورها بسنوات) والنتيجة (نهشات الكلاب وضربات الهراوات وفرقعات الرصاص، وأحجار وخراطيم مياه وعربات تحشر بالمجروحين ومهشمي العظام ) ثم نقرأ بعدها فقرة سافرة ساخرة فاجرة في جرأتها : ‘مبنى مجلس النواب قصير، مقبب، وبه شيء من ملوسة، وبابه كالشق وهو في مجمله يشبه الحِر، أما مبنى المجلس الحكومي، فخشن طويل منتصب، والحرس أسفل منه كثيف كالشعر فوق الصفن، وهو في مجمله يشبه الإير ‘ صـ17. ـ البناء / خروقات البناء: المرور العابر على الرواية يعطي شعورا بأنها رواية فكر، بلا حدث، ولا بناء، لكننا أمام عمل مهندس بشكل دقيق، يسلم الفصل لتاليه شعوريا وليس حدثيا، لكن البناء يقوم على أساس واضح ألا وهو المفارقة التي يبني الكاتب عليها روايته، المفارقة أو بنية التضاد تتضح من خلال المخالفة البيّنة بين الزيف والحقيقية التي يشتغل عليها الكاتب، والمفارقة هنا ليست لفظية مجردة، إنها مفارقة بنائية أساسية،، فالبنائيون يرون أن القصة لا تنبني إلا على إيهام بالتسلسل الزمني، إذ لها زمنها الخاص كما يقول ‘ليفي ستراوس’ أن طبيعتها اللازمنية كأم تمتص في جوفها التسلسل الزمني. (راجع البنائية لصلاح فضل) وهم يرون أن القصة الأيديولوجية لا تقيم علاقات سببية مباشرة بين الوحدات التي تتكون منها، لكنها تبدو جميعا كمظهر لقانون عام يحكمها كليا’. هذا بالضبط ما يمكن تطبيقه على بنائية هذا العمل المغاير، فـ ‘الغزالة’ تنشع بالخروقات البنائية المقصودة، من خلال الفصول غير المرقمة، لكنها مسماة، وكل فصل يحتوي أجزاءً تتراوح بين الطول والقصر، كما تتراوح في أعدادها من فقرة واحدة في الفصل إلى تسع عشرة فقرة ** مشكلة البناء هنا أنه غير حتمي، الفصول يمكن مبادلتها في بعض الأحيان، كما أن هناك فصول يمكن دمجها في فصول أخرى، كفصلي (جوسق الصداقة، وثمرات المودة) وفصلي (فىالبصر والبصيرة، والرؤية والإدراك) لكن العمل محتوم بسيطرة على المجمل، حتى نصل للفصول الأخيرة من رحلة هذا التابع إلى دمج لكل ما مر بهما في رحلتهما المتعددة المسارب، وفي الفقرة الثانية من فصل ‘دهن ذائب في قدر متقد ‘ يحصي الراوي كافة الكرامات التي مرت بشيخه وينكرها على نفسه، مانحا للرواية لحظة تماسك عريقة في بهائها، بداية من مرافقة الشيخ للغزالة، ثم ارتقاء شعاع الضوء، ثم المسح على رأس الحية، والقبض على الذئب، إلخ … لكننا نلمح مفارقة أخرى في الشخصيات الأساسية، بين عمق رؤية المعلم، وسطحية رؤية التابع، وكأننا أمام تنويعة ما على لحن ‘سانشو ودون كيخوتا ‘، ثم نجد المقارنة بين ‘المعتاد’ و’الحقيقي’، لنصل إلى القلب والخلاصة الملهمة في الرحلة، يقول الراوي مثلا: الجهل غباء، فيرد المعلم : والعلم بلاء. وحين نجد الراوي والمعلم وآمر بوابة مدينة اللذة والانبساط جميعا في لسجن، يلومهما آمر البوابة لأنهما تسببا في سجنه قائلا ‘أهذا جزءا إحساني إليكما ؟ ! فرد المعلم : كم من مبتلي في سمعه وبصره ونطقه، تخلص مما ابتلي به، وهو يئن من ضربات السجان … السجون مشاف. دائما هناك غوص إلى العمق، ووصول على الخلاصة، وسير نحو المجاز التام، الذي يشمل العمل كله، فالرحلة رحلة في الحياة، والسجن سجن النفوس، والبحر بحر الحياة ذاتها، والعري انكشاف، والهوى التذاذ شريف بالحياة التي يحق الالتذاذ بها … ـ النص وصوفية اللغة: تعتمد الرواية على شخصية مفردة توجه دفة العمل من خلال قدرة لفظية وفعلية فذة، ولأن الشخصية بتعبير فيليب هامون تركيب يقوم به القارى أكثر مما يقوم به النص، فهي ليست (كائناً) جاهزاً، ولا (ذاتاً) نفسية بل هي ـ حسب التحليل البنيوي ـ بمثابة (دليل) Signلـه وجهان: أحدهما (دال) والآخر (مدلول). ولذلك فاللغة هنا قائمة على راو يسير في طريق التصوف، ومعلم صاحب تجربة صوفية، ومن هنا صبغ الكاتب روايته بلغة خاصة، عبر تصفية حادة للمنطوق اللغوي، لغة قادرة على خلق مكان وزمان محايدين، لهما سمات توغل في الواقعية لحظة الخروج منها، خالطة الواقعي بالأسطوري. وهذه الشعرية اللغوية لا تختزل الخطاب الروائي إلى خطاب بلاغي – بتعبير باختين ولكن تحميل اللفظ بأبعاد تأويلية فذة ومنتجة، من خلال التضاد الحاد : ـ ‘عينك يقظي، وقلبك يغط غطيط الساهرين’. ـ ‘اخرج إلى الشمس، وانعم بعماك’. ـ ‘الاكتمال يوهن الهمة، والنقص يثيرها’. ـ ‘بالحب لا نعقل، وبالعقل لا نحب’. ـ ‘ النوم خلة أهل الغفلة’. ومن هنا يصب ‘قاسم عليوة’ كأس التذاذه باللغة عبر رصيد متكون ومتراكب من ‘طواسين الحلاج’ وكتابات الغزالي والطوسي وعشرات الصوفيين القدامى.على هامش السيرة العذبة للرواية وكاتبها، يبدو اهتمام الكاتب بضبط لغته ووضع العلامات اللغوية، ومراجعة النص، والوصول به إلى أبهى حالاته اللغوية طباعيا. إننا أمام عمل للخاصة، يبدو أن انتظار الكاتب الكبير قاسم مسعد عليوة كل هذه السنوات، بعد تسع مجموعات قصصية، يبدو الانتظار مبررا، لقد كان يبحث عن لؤلؤة، وقد وجدها. * قاسم مسعد عليوة الغزالة روايات الهلال عام 2010م. ** ذكر د. مدحت الجيار أن أكبر الفصول يحتوي على اثنتين وعشرين فقرة، وقلبت الرواية، فلم أجده مطلقا. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية