عودة إلي طقس التكريم في وزارة الثقافة السورية حنا مينه وخطيئة الكتابة: المرأة والبحر…ظمأ لم يرتوِِ
أنور بدرعودة إلي طقس التكريم في وزارة الثقافة السورية حنا مينه وخطيئة الكتابة: المرأة والبحر…ظمأ لم يرتوِِدمشق ـ القدس العربي ولد حنا مينة في مدينة اللاذقية من الساحل السوري عام 1924، وهاجر مع أسرته الفقيرة إلي إنطاكية قبل أن تصبح جزءاً من الخارطة التركية، في رحلته هذه تشكلت ملامح تجربة إنسانية ثرة، ما بين صبي الحلاق وبين اتساع البحر، تفجرت لاحقاً ينابيع من الإبداع.يحدثنا عن مرفأ الذاكرة قائلاً: لم أكن أتصور حتي في الأربعين من عمري أنني سأصبح كاتباً معروفاً، فقد ولدت كما هو معروف عني بالخطأ، ونشأت بالخطأ، وكتبت بالخطأ أيضاً… لنبدأ الكلام عن حياة الطفولة هذه التي أصبحت بعيدة جداً الآن، وكل ما أذكره عنها أنني بدأت رحلة التشرد وأنا في الثالثة من عمري، وهذه الرحلة من حيث هي ترحال مأساوي في المكان… أما رحلتي في الزمان فهي أبعد من ذلك . يتابع عن تجربته في الكتابة: بدأت حياتي الأدبية بكتابة مسرحية دونكيشوتية، صرخت فيها علي كيفي، غيرت العالم علي كيفي، أقمت الدنيا ولم أقعدها، ضاعت المسرحية، ومنذئذ تهيبت الكتابة للمسرح ولا أزال، القصص ضاعت أيضاً ولم أشعر بالأسف… وكيف اشعر به وحياتي نفسها ضائعة، المهم أنني لم أفكر وأنا حلاق وسياسي مطارد بأنني سأصبح كاتباً، وكان هذا فوق طموحي رغم رحابة هذا الطموح، صدقوني أنني حتي الآن كاتب دخيل علي هذه المهنة، وأفكر بعد هذا العمر الطويل بتصحيح هذا الوضع والكف عن الكتابة . ثم كتب في مكان آخر حملت صليبي منذ ستين عاماً ولم أجد من يصلبني لعلني أستريح، لقد بتّ أكره الكتابة، بتّ أكره هذه المهنة الحزينة التي لا فكاك منها إلا بالموت، وقد بتّ أخاف ألا أموت، وكأن ذلك كان عقاباً علي اختراقي للمألوف، أعيش في قلق، وأبارك هذا القلق ثلاثاً وألعن الطمأنينة . ہہہها هو حنا مينة بعد سنوات علي اعترافاته تلك ما زال يتعشق الحياة أو هي تعشقه، رغم خيانات الجسد، ما زال يحمل أربعين سفراً في الإبداع ويمضي في مهنة الكتابة السيزيفية، حتي ونحن نلتقيه مؤخراً في حفل تكريم وزارة الثقافة الذي أقيم في المركز الثقافي العربي بالمزة وهو شيخ الرواية السورية باعتراف الجميع. وقد تضمنت هذه الندوة التكريمية أربعة محاور أساسية هي : 1 ـ حنا مينة ومواقفه الفكرية والسياسية والأدبية. 2 ـ حنا مينة روائياً وقاصاً.3 ـ فن السيرة والمقالة عند حنا مينة.4 ـ النقد الخاص بحنا مينة. شارك في هذه المحاور خمسة عشر باحثاً من مصر وتونس والعراق والأردن ولبنان إضافة إلي سورية، عبر خمس جلسات علمية إضافة لجلستي الافتتاح والختام. إلا أنه كان واضحاً بالنسبة لجميع الحاضرين أنه لا يمكن فصل تجربة حنا مينة الإبداعية عن مواقفه الفكرية والسياسية، هذا الماركسي الذي خاض معارك التحرر الوطني ومعارك التحرر الاجتماعي بآن معاً، صارع الاستعمار الفرنسي، وقاتل ضد الأنظمة التي جاءت باسم الاستقلال لتؤبد أشكالاً من الاستغلال، فكانت له منذ البداية قضية، قضية اعتنقها وقاتل من اجلها وعبّر عنها في كل إبداعاته اللاحقة، وليس الإبداع بالنسبة له إلا الطريق الفني للتعبير عن التزامه بقضايا شعبه في الحرية والعدالة. وسبق أن أوضح عن علاقته بالماركسية: لو تسألوني كيف تعرفت إلي الماركسية، أقول لكم: في قاع سفينة شحن، ومنذ ذلك اليوم الحزين أصبحت مفاهيمها منقوشة علي قلبي، راسخة مع عروق التعب علي مسامات جلدي.يقول بهذا الصدد كل ما كتبته لم يكن مجاناً، لأنه يحمل بطريقة أو بأخري قضيتي الأساسية، وهي العدالة الاجتماعية، وعن هذه العدالة أبدأ بالكلام عن النضال ضد الاحتلال الفرنسي، ثم الحكم الوطني، ثم المناضلين لأجل العدالة في مرحلتي الانتداب والاستقلال الذي تلاه، ففي كل ما كتبت هناك خط ناظم لأفكاري عن هذه القضايا . الدكتور سليمان الأزرعي تابع هذا المحور من خلال تتبع آراء حنا مينة وأحكامه النقدية في تجربة الشاعر والأديب التركي ناظم حكمت التي أفرد لها كتابين صدرا عن دار الآداب ـ بيروت 1980: ـ ناظم حكمت ثائراً ـ ناظم حكمت، السجن، المرأةحيث ضمن حنا مينة في هذه الكتابين ما لم يُتح له أن يُعلن عنه صراحة من آراء وأفكار ومواقف، في أعماله الإبداعية الروائية والقصصية.الروائي والناقد السوري نبيل سيلمان سعي لالتقاط ترسمات العالم الروائي لحنا مينة، فأشار إلي الرواية الفم الكرزي التي أرخت للنضال العربي الأرمني في منطقة كسب علي الساحل السوري، عبر المنظمة الشيوعية السرية، كما أرخ في ثلاثية حدث في بيتاخو وهو مصيف في الصين لموضــوعات سـياسية هامة كنقد الشمولية والطــــريق اللارأسمـــالي والبيروقراطية والوطنية وكبت الحريات، رابطاً بين الذكورة والأنوثة في ثنائية الصراع مع الطبيعة، والصراع الاجتماعي والسياسي. كذلك استعرضت الدكتورة فاديا المليح الحلواني من سورية فن السيرة عند حنا مينة، مؤكدة علي المزاوجة بين الجانبين الفكري والفني في أعماله الروائية، مع تفضيل للجانب الفكري والايديولوجي بشكل لا يقبل التأويل علي حساب الجانب الفني أحياناً، وهو ما يظهر بشكل واضح في روايته الربيع والخريف التي تعرض جانباً من سيرة الكاتب الذاتية خلال سنوات المنفي التي قضاها في الصين والمجر، والتي تأتي بعد روايته الثلج يأتي من النافذة التي روي فيها قضية المناضل الاشتراكي والاضطهاد والملاحقة اللتين لحقتا به وصولاً إلي حياة المنفي القسري.مقابل هذا التأطير الايديولوجي، كان طبيعياً أن يذهب الشكل الفني باتجاه الواقعية الاشتراكية، خاصة وأنه ـ مينة ـ يشكل نموذجاً للكتابة الإبداعية التي سبقت التنظير، فنراه يقول في هذا الصدد : في تأثري بالمذهب الواقعي كان لي اتصال بنجيب محفوظ من الروائيين العرب، وبغوركي من الروائيين العالميين، وحين بدأت كتابة روايتي الأولي المصابيح الزرق لم يكن لي أي إلمام أو اطلاع علي نظرية الرواية أو تقنيتها أو مفهومها. لقد خبصت دون دليل أو مرشد، لم يكن حولي من أستشيره وأنا حلاق، وليس في عائلتي من يكتب أو يقرأ غيري . بينما نجده في هواجس في التجربة الروائية يغوص بين السرد الذاتي وبين رؤيته الجمالية لفن الرواية والتحليل الفني في وقت واحد، وهو كتاب مهم في تجربته السردية والنقدية، كما يؤكد د. مدحت الجيار من مصر. لكن الدكتور عاطف بطرس من سورية، في دراسته عن العلاقة بين ايديولوجيا الكاتب وخيارات شخصياته الروائية، يثبت حرية هذه الشخصيات بعيداً عن قناعات الكاتب السياسية. وهو ما يؤكد عليه الدكتور عبد الحميد بورايو من الجزائر، في دراسته (ازدواجية الصوت الروائي) إذ يقول رغم ما يبدو من تنظيم محكم لمكونات الخطاب الروائي… وبروز لواحدية الوعي الروائي الواقعي، هناك تداخل لمكونات الخطاب السردي وتعددية صوتية خافتة تحتاج إلي الاستكشاف .هذه المسافة الفاصلة بين الأدب وايديولوجيا الأديب يقول حنا مينة بصددها: ليس ثمة ايديولوجيا صافية في الأدب، ولا يجوز للأديب ـ إلا إذا كان غير أصيل وغير صادق ـ أن يفرض ايديولوجيته الشخصية علي أبطاله، ويجعلهم ينطقون بلسانه. كما يؤكد علي عدم التناقض بين المدرسة الواقعية وبين استخدام الأسطورة أو الرمز في الأدب فيقول : وجدت أن الواقعية، كمدرسة في التعبير الأدبي، قادرة علي استيعاب جميع التيارات الأدبية، من الرومانتيكية إلي الرمزية، إن الرمزية ليست بديلاً عن الواقع، بل هي إغناء له، والأسطورة لا تقوم مقام الحادثة، لكنها تكتنفها، وتعطيها دلالاتها التي اكتسبتها تاريخياً، ولهذا فإن استخدام الرمز والأسطورة في الرواية وفي القصة وحتي في الشعر شيء جميل، يلون، يكثف، يضيء . الدكتور عادل الفريجات من سورية، تحدث عن آخر ما كتب حنا مينة، ويقصد روايتي الذئب الأسود و الأرقش والغجرية وهما جزءان لعمل واحد عن الفساد الذي سري واستشري في أوصال اثنتين وعشرين غابة، فكل غابة هي كناية عن قطر عربي، والذئب الأسود كناية عن الفساد المستشري في مجتمعاتنا. فالكاتب يلعب لعبة الحقيقة والمجاز، وفي هذه اللعبة تكون رئيفة عاقلة ومجنونة بآن معاً، بينما تحب قمطرة وتكره بآن معاً أيضاً. الأستاذ بلال كمال عبد الفتاح من الأردن تحدث عن مسألة هامة في أدب حنا مينة، تتجلي بتلازم المرأة والبحر في إبداعه. فكان من وجهة نظره كل من المرأة والبحر مترادفين للمغامرة والتجربة وارتياد المجهول واكتشافه، ومناقضين للرتابة الاعتيادية، وهادفين ـ دوماً ـ إلي التجديد والتغيير. ويقول حنا مينة بهذا الصدد :لو خيروني بكتابة كلام فوق شاهدة قبري، لقلت لهم أن يكتبوا هذه العبارة : المرأة والبحر… ظمأ لم يرتوِ. وكان البحر والمرأة كلاهما أماً ومدرسة وعشقاً لا ينتهي في مسيرة مينة. ومن بين الدراسات المتميزة في هذه الندوة ما كتبه الأستاذ الدكتور نبيل حداد من الأردن حول رواية الأبنوسة البيضاء مؤكداً أن إنجاز مينة عبر مسيرته الإبداعية يتجلي في إشادة عالم خاص به، واضح المعالم، بارز القسمات، متنوع الحيوات… عالم ينهض علي عاتق نموذج فني بمرتكزات خاصة وسمات اجتماعية وغالباً إنسانية… هذا العالم الخاص بحنا مينة يؤكد عليه الدكتور محمد البارودي من تونس، وهو من أهم دارسي حنا مينة، ملاحظاً أن أهم ملامح أسلوب وتجربة هذا الكاتب هي النمذجة، بل يمكن أن نقول أن مشروع حنا مينة الروائي محكوم بسلطة النموذج، بينما قدرة الكاتب الإبداعية تتجلي في التنويع داخل هذا النموذج، متطرقاً إلي السمات الجمالية لهذا النموذج في تمظهراته الفنية والإبداعية. ہہہهناك أشياء كثيرة قيلت في هذه الندوة النقدية ـ التكريمية، شكلت إضافة مهمة في النقد الذي تناول حنا مينة، والذي فاض عن خمسين كتاباً صدر حتي الآن، إضافة لمئات الدراسات والمقالات النقدية والتي ينوس اغلبها ما بين النقد الايديولوجي والموضوعي الذي غلب علي أدب حنا مينة خلال عقدي السبعينات والثمانينات كما يقول الدكتور عبد الله أبو هيف في ذلك، مضيفاً: ان هذا النقد اتجه إلي المستويات الفنية والجمالية والسردية الحديثة، في بداية التسعينات، وهي الدراسات التي تنطلق من دراسة النص والعلاقات القائمة داخله بشكل خاص. لكن الملاحظة علي هذه الندوة أنها ككل الاحتفاليات التي ترعاها وزارة الثقافة، تطبخ علي عجل، بحيث تتحول إلي واجب طقسي تقوم به الوزارة، دون اهتمام حقيقي بجدواه، ويظهر ذلك في غياب الإعلان الكافي عن الندوة، في ضيق الاهتمام الإعلامي وبشكل خاص من قبل التلفزيون، كما يتجلي في تكرار أسماء بعينها تدعي إلي كل الندوات بينما تغيب أسماء ربما تكون أكثر إحاطة في موضوع الندوة من سواها. الإشارة إلي طقسية الاحتفال نلحظها في الحضور الرسمي لجلسة الافتتاح، فيما يتبخر هذا الحضور في باقي الجلسات النقدية أو العلمية، وهي ملاحظة تتكرر في كل الاحتفالات الرسمية، من هنا نؤكد أن هذه الملاحظات لا يقصد منها الانتقاص من أهمية الندوة ومن أهمية التكريم النقدي لهذه الأسماء، إنما يقصد منها تلافي بعض النواقص، ولتطوير إيجابياتها إن أمكن. 0