درج الزعيم

حجم الخط
0

عناية جابر

تعلم الزعامة في خمسة أسابيع. أو الطريقة السهلة في كيف تصبح زعيماً. برنامج تلفزيون ‘الجديد’ الهادف الى إنتاج مرشح مقبل للإنتخابات النيابية المقبلة في لبنان يثير الإنتباه والجدل وعلى أكثر من صعيد وجهة. طبعاً ليس البرنامج جديداً في نوع البرامج التلفزيونية الدارجة حالياً في العالم تحت عنوان تلفزيون الواقع أو تلفزيون الحياة الواقعية لكن الجديد فيه الموضوع-المادة.

وتدليلا على جدية البرنامج جرى افتتاحه من قبل رئيس الجمهورية اللبنانية شخصياً ومشاركة وزير الداخلية السابق زياد بارود وباقة من الصحافيين والشخصيات المعروفة الرصينة. المرشحون للزعامة ـ المتبارون- هم أيضاً باقة مهمة من الشباب المعروفين بنضالاتهم ومواقفهم السياسية والفنية.

وأبعد من البرنامج التلفزيوني وأهداف الشركة التجارية- وهذا حقها المشروع- لا بد من التوقف عند أفكار تسود حالياً في السوق الفكري العربي حول ـ الإرادوية- الفردية المستندة الى تجارب شعوب أخرى ومنقولة عنها. يكفي أن تريد شيئاً وتعمل من أجله لكي يتحقق. هكذا يتعلم الأطفال في الغرب منذ نعومة أظفارهم على مقاعد الدراسة. ومن ينجح في المدرسة ينجح في الحياة. تعابير دارجة هناك تعبّر فعلياً عن نمط حياة انتاجية هي من التنافسية والمزاحمة الشديدتين بين المنتجين بحيث تجعل العقلانية الإقتصادية في مصاف الآلهة في مجتمعات أخرى. العقلانية تدفع نحو استعمال الموارد المادية والبشرية على نحو أقصى، ومن هنا اللجوء الى أفضل الخبرات والكفاءات الفردية. ولهذا السبب تتـــنافس المؤسسات الإقتصادية الغربية لكي تحصل على أفضل الكــــفاءات البشرية المتوافرة. لا بل تدعم الجامعات وتساهم مالياً وفنياً أحياناً بإعداد الكوادر الواعدة لكي تحجزها سلفاً. ولا توفر هذه القاعدة السياسية ومؤسساتها. فالتنافس هنا يجري بين محترفين والفرز بينهم يجري من خلال انتخابات عقلانية أيضاً لأنها تفتش عن الفوز. والمسؤول ـ الزعيم- يكون بالنتيجة إبن جامعات مختصة غالباً بتكوين كوادر الدولة وإبن المصافي المتعددة التي أشهر من خلالها عن كفاءة شخصية عالية تسمح لحزبه بالفوز.

برنامج الزعيم يندرج في هذه الرؤية العقلانية التي تؤكد على التنافس الممكن بين أفراد متساوين. وهو وهم في بلادنا. فكم من خيبة واجهت التلميذ المجد المجلّي في المدرسة والجامعة عندنا عندما تمر الواسطة من هنا. وكم من هجرة نتجت عن ضيق سوق العمل وعن التفاوت بين ما زُرع في رأس الشباب من عقلانية وبين مجتمع له عقلانية لا تتلاءم كثيراً مع العقلانية. يوهم البرنامج المتشاركين كما الجمهور-الكريم طبعاً- بأن إنتاج الزعيم في بلادنا ممكن من خارج ظروفه الواقعية المسيطرة. ثمة وهم آخر يسوقه البرنامج ربما عن طيبة قلب يبدو معه المأزق الذي تعاني منه البلاد وكأنه ينحصر بعدم كفاءة الطبقة السياسية ومنهم من يتربع سعيداً منذ عقود. وكأن المشكلة ليست في طبع القوى الإجتماعية التي تنتج ما نستحق. بهذا المعنى يتبنى البرنامج هنا فكرة شعبوية تتردد على ألسنة المواطنين عن طبقة سياسية ‘يجب أن تذهب كلها الى البيت لأنها بلا مخ’. نقل تلفزيون ‘الجديد’ المتبارين على الزعامة الى ضاحية من ضواحي بيروت لكي يركبوا درجاً لجسر مشاة بُني منذ عدة سنوات ولم يُفتتح للإستعمال فقط بسبب درج ناقص. ممرٌ يسمح للمشاة بالانتقال من ضفة الى ضفة طريق سريع تفصل المدينة ودون التعرض لخطر السيارات المارة على الطريق السريع. المفارقة أنه وبدلا من أن تقوم الدولة بشكر الفريق على وضع ‘الوصلة’ الناقصة قامت أجهزتها الأمنية بمنع الزعماء من تركيب الوصلة واستدعتهم الى المخفر للتحقيق. إنها فعلا فضيحة. نعم لكن ليس فقط حيث نظن. بل هي أيضاً فضيحة الفكرة التي تقف خلف البرنامج الذي اصطدم هنا بما كان يظن أنه غير موجود, الواقع. التبسيط العقلاني رأى الجسر بلا وصلة فقرر، مع ـ زعمائه-، مساعدة الدولة على وضعه والتخفيف عن المواطنين صدماً وموتاً. لكن الزعماء الفعليين في مجتمعنا يملكون هم وحدهم سر القصة الحقيقية للوصلة المقطوعة. فليس الدرج الذي نراه ما ينقص بل حتماً درج من نوع آخر على زعماء البرنامج التلفزيوني أن يكتشفوه بأنفسهم. القفز عن حقائق تركيبة الواقع الإجتماعي لبلادنا وكيفية نشوء الزعامة فيها جعل فكرة البرنامج صالحة لأي مكان آخر في الدنيا إلا لبلادنا حيث الزعامة محفوظة تقليدياً ومعروفة سلفاً وأحياناً قبل عشرات السنين إلا للفنانة المتبارية مريم كلينك التي تملك من الكفاءات ما يجعلها ربما تمر. في ظن البرنامج ومعديه أن الزعامة عندنا تبنى بعرق الجبين، كما يقال، فأعدوا أنفسهم جسراً لها ودرجاً. جاء الديكور طبيعياً لكي يصعد الزعيم التلفزيوني السلم أمام أعيننا على الشاشة. لكن الزعماء الواقعيين منعوا الزعماء الإفتراضيين من شرف الصعود على الدرج ولو رمزياً.

منطق الزعامة عندنا لا دخل له بزعامة المنطق فأوقفوا بيع الأحلام رجاءً.. والسلام. qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية