لارا المحمد أمام كلّ الشعارات الميتة، وحلقات التهريج السياسي في استنساخ نظريات المقاومة والممانعة. وأمام كلّ فقاعات الصمود في مواجهة الكيان الصهيوني، والمحاولات الصَّدئة لتلفيق سيناريوهات التصدّي و’الاحتفاظ بحقّ الردّ’، والتي أخذت بالتآكل منذ اليوم الأول لحراكنا الوطني. نرى أنّ هذا الكيان الذي كان نظامُ البعث يقرعُ طبولَ ممانعتهِ، هو من أكثر الأطرافِ الدولية قلقاً وتحسباً من انهيارِ نظام الأسد، وتداعي رموزه. والسؤال الذي يطرحُ نفسهُ وقد سقطت إجابتهُ قبلهُ، هو أنه: كيفَ يمكنُ للعدوّ أن يخشى على نفسهِ من سقوطِ عدوّه؟ في هذا السؤال وحدهُ تنجلي ملامحُ خمسينَ عاماً من الخداع الفكري، والتضليل الإعلامي الذي حاولَ نظام عائلة الأسد تسويقهُ، وبتنسيقٍ عالميّ يجعل من نظامهِ في هذه المنطقة نظاماً أبدياً، غير قابلٍ للسقوط. إلا أنّ كلّ هذا النفخ في الأبواق على طاولةِ الصراع العربي الإسرائيلي في محاولةٍ لصمِّ آذاننا، واستغفالنا، وعزلنا عن واقعنا الذي أحاطوه بأقفالِ العروبة، ومفاهيم الاشتراكية التي لم يشركوا فيها أحداً، تلاشى واستحالَ نفخاً في القربِ الخاوية أمامَ إرادةِ شعبنا التي استحضرت كلّ هذا الزيف والنفاق من غفـــــوةِ اضطهادها في صحوةٍ فاجأت العالم، وكشفت البدع الملفّقة التي خبأها ساسةُ هذا العالم تحت قبعاتهم أمداً طويلاً، إلى أن وجـــدوا أنفسهم أمام تحدّياتٍ، ومتغيراتٍ خاصّة وصعبة فرضتها عليهم إرادةُ شعبٍ ما فتئ على مدار عامين كاملين يصنعُ من جراحهِ بنادقَ تهاوت عند إصرارها جميعُ المحاولات الفاشلة لحلفاء النظام في إخماد هذه الثورة، أو تطويقها. لقد وجد الغرب نفسه وقد دعم تجربة الربيع العربي في البلدان التي انتفضت أمام تحدٍّ عصيب في ثورة الشعب السوري، تحدٍّ قد تودي المقامرة به إلى رهانٍ خاسر. إنّ دعم الغرب لثورة البحث عن الدولة المدنية البديلة لنظام الحكم الفردي هنا، أقصد في سوريا بالتحديد، كانت بالنسبة لصنّاع القرار في العالم مغامرةٌ محفوفةٌ بالمخاطر. فاللعبة السياسية هنا ستقلبُ الدائرة المستديرة، وتهزّ الأركان الثابتة التي عملت القوى العالمية على تحصينها في هذه المنطقة.وقد توجّس ساسةُ العالم من هذا الحراك، بمن فيهم قادة إسرائيل الذين كانوا مركز القطب في التضليل السياسي والإيديولوجي الذي قام أطراف المحور الممانع في اللعبِ عليه. فقد وقفَ زعماءُ الكيان حائرين أمام تسارعِ الأحداث في سوريا، التي بدا المشهدُ فيها مختلفاً عمّا حدثَ زمن الأسد الأب. فالثورة الآن ثورةُ شعبٍ أسقط عن كاهلهِ زنزانةَ خوفٍ حمّلها إياهُ نظامُ البعث، هي ثورةٌ إذا انتصرت سوف تُسقط معها كلَّ الأسيجةِ الشائكة. إنها ستكونُ ثورةُ البدء باتجاهِ الفتوحات الكبرى. هاهم الآن زعماء الكيان الصهيوني، أعداء نظام الأسد الممانع يرصدون تطورات الوضع السوري بقلقٍ كبير، وقد تراءى لهم الإطارُ المعتم الذي قد يتسبّب به زوالُ عدوّهم. أليست هذه المفارقة الكبرى؟ كيفَ يخشى عدوّك من رحيلك؟ إنها ليست المفارقة الكبرى أبداً، فقراءةُ الموقف الإسرائيلي يجعلنا نأسف لتلك الحقيقة التي غيّبها عنّا نظام المقاومة والممانعة، في حين كشفتها لنا ثورتنا هذه. لقد بدا وبشكلٍ جليّ وواضح، ومن خلال كلّ المواقف والتصريحات الإسرائيلية التي يحوطها الهلع والخوف من رحيل نظام بشار الأسد أنّ إسرائيل هي المرحّب الأكبر لبقاء دولته ونظام حكمه. لذلك فإنّ التساؤل الذي يجب أن نطرحهُ هنا هو: إذا كان سقوط الأسد لا يخدم مصالح إسرائيل، فما الذي يقلقها من رحيله؟ إنّ ما يقلق إسرائيل في التطورات الكبرى التي شهدها مسرح الثورة السورية ليس رحيل بشار الأسد، وإنما البديل القادم لهذا النظام. فبشائر قيام دولة مدنية ديمقراطية تلوّح بالتهديد لأمن إسرائيل وأمانها الذي كان بشار الأسد سادنهُ في هذه المنطقة. بل إنّ الأكثر خطراً بالنسبة إلى كلّ تلك الأنظمة الديكتاتورية منها أو الملوّحة بديمقراطيتها وشعاراتها التي تهدف إلى حماية حقوق الإنسان هو أن تقوم هذه الدولة المدنية الديمقراطية على أيدي المسلمين. فسيطرة الإسلاميين على الحكم هو ما ينشر الرعب في نفوس الإسرائيليين، وأسلمةُ حكومات هذه الرقعة هو ما يقضّ مضجعَ الحكومة الإسرائيلية. إذ أنّ انتصار الثورة السورية واحتمال وصول الإسلاميين إلى سدّة الحكم فيها، بالتزامن مع سيطرة الإخوان في مصر على ركب القيادة يُثير مخاوفَ إسرائيل، ويهدّد استقرارها كما يهدّد مصالح القوى الكبرى في المنطقة. إن مجرد فكرة وجود هذا الهلال الإسلامي المطوّق لإسرائيل هو بحدّ ذاته كابوسٌ مخيف تسعى إسرائيل بالتنسيق مع حكومات الغرب إلى إحباطه وعرقلةِ نجاحه. فقراءة متعمّقة للمواقف الإسرائيلية التي اعتكفت الصمت في بداية الأزمة، والتصريحات التي باتت تصدر عن زعماءها مؤخراً، بما فيها الحجج الواهية التي تذرعت بها لتبرير قلقها من سقوط نظام الأسد، كلّها تشفّ عن تمسّك واضح وتأييد تام لبقاء واستمرار هذا النظام في سورية. إنّ استمرار حكم الأسد القائم على السياسة القمعية، والنظام الأمني الاستبدادي أفضل بالنسبة لإسرائيل والغرب من بناء دولة جديدة تقوم على الحرية والعدل والديمقراطية قد تقودها حكومة إسلامية. فحريّة الشعب السوري التي يسعى من أجل الحصول عليها مهما كان الثمن باهظاً سوف تصحّح مسار فرضيات المعادلة السياسية والاستراتيجية بمفاهيمها الإيديولوجية في منطقة الشرق الأوسط لصالح شعوب هذه المنطقة. فقيام دولة مدنية ذات حكم ديمقراطي يحكم فيها الشعب نفسه بنفسه من خلال حكومة تقوم أساساً على حقوق هذا الشعب، وليس على استعباده. والوصول إلى تلك الحرية، وقيام تلك الدولة العادلة يعني بالضرورة سقوط الوصاية الداخلية للحاكم الفرد، وبالتالي التخلّص من السيطرة الخارجية، وهذا ما يقلق إسرائيل والغرب. لذلك فإنها تسعى ومنذ بدء الثورة في سوريا على خلط الأوراق السياسية لخلق لبوس احتوى أصلاً حلفاء النظام والواقفين ضدّه بطريقةٍ التقى فيها الخصوم على هدفٍ واحد، ألا وهو إحباط كلّ مسعى من شأنه أن يساهم في انهيار النظام السوري، وإخماد الثورة السورية التي سيحرقهم انتصارها قريباً. كاتبة سورية qmdqpt