عن انتصار ‘الخط البورقيبي’ داخل النهضة!

حجم الخط
0

مالك التريكيأدلى المفكر احميدة النيفر قبل أيام بتصريحات لجريدة الصباح قال فيها إن سبب انشقاقه، هو والصحافي صلاح الدين الجورشي وما سمي في السبعينيات بتيار ‘الإسلاميين التقدميين’، على حركة الاتجاه الإسلامي (النهضة لاحقا) هو أن هذا التيار كان يريد طرح قضايا تعدها الحركة من الخطوط الحمر. حيث أن تيار الإسلاميين التقدميين قد نشأ ‘للإجابة على ثلاثة تحديات: ما علاقتنا بفكر الإخوان؟ ما علاقتنا بالمشروع البورقيبي؟ وما علاقتنا بالعصر (..)؟’. ويفسر النيفر موقف النهضة بالقول إن ‘الحركات الإسلامية خصوصا، والإيديولوجية عموما، لا تحتمل وجود تساؤلات نقدية، وترى ان دورها يقتصر على تغيير الواقع (..)’.على أن ما يبعث على الاستغراب أن النيفر يقرر الحقيقة التالية: أن في صلب النهضة ‘مكونات مختلفة منها ما هو متصل بالفكر الإخواني ومنها ما هو متصل بالفكر التقدمي’، ولكنه يقفز من ذلك رأسا إلى الإعلان المفاجىء بأن ‘الخط الذي يراد له أن يكون غالبا في النهضة هو الخط البورقيبي’!!! خط بورقيبي في صلب النهضة؟! مفارقة كبرى تضاهي في لامعقوليتها القول بوجود خط لينيني في البيت الأبيض، أو خط تاتشري في اتحاد النقابات!إذ من البديهي أن ما تحيل إليه عبارة ‘الخط البورقيبي’ عموما هو الهوس بالتعليم العصري، وبتحرير المرأة باعتباره مفتاحا لتحرر المجتمع، وفصل الدين عن الدولة، وجسارة الاجتهاد في فهم النصوص، وسياسة المراحل، والبراغماتية في معالجة الأمور، والإعراض عن الإيديولوجيات، وتغليب العقل السياسي على العاطفة الاجتماعية، وذكاء التموقع في شبكة العلاقات الدوليةô فأين النهضة من كل هذا؟ المفاجىء أن ما يعنيه النيفر بالخط البورقيبي ليس ما يتبادر إلى الذهن، أي الفكر البورقيبي منهجا ومضمونا، بل إن ما يقصده هو الجزئية التالية: أن ‘المشروع البورقيبي يقوم على أن المجتمع التونسي ينبغي أن يصاغ من قبل الدولة، و[أن] الذي يمسك بالدولة هو الذي يوجه ويهندس ويصوغ ويصنع’. وبما أن قطاعا من النهضة ‘يعتقد أن الوصول إلى الوزارات ومؤسسات الدولة يعني أنهم ضمنوا تغيير الواقع الاجتماعي (..)’، فإن النيفر يعد ذلك دليلا على غلبة الخط البورقيبي في حزب الغنوشي!من المستغرب أن يستخدم هذا المفكر الأصيل، اجتهادا واستقلالية، عبارة ‘الخط البورقيبي’ على هذا الوجه غير الموفق. أولا لأنه وجه يخالف ما تحيل إليه العبارة من المعاني الشائعة. وثانيا لأن الاعتقاد برجحان الدولة وعلويتها على المجتمع عمليا، وقبليتها بل وحتى قوامتها عليه مفهوميا (أي الاعتقاد بأن الدولة قوّامة – استلهاما من الآية الكريمة – على المجتمع: تنتجه وتعيد إنتاجه فوقيا)، ليس ابتداعا بورقيبيا بأية حال. بل إن هذه النزعة ‘الدولتيّة’ (حسب التعبير الذي أشاعته مجلة الاكونومست) قد كانت قاسما مشتركا في القرن العشرين بين نخب وزعامات سياسية شتى: من ماو، وكاسترو، وتيتو، وبن غريون، إلى (السنغافوري) لي كوان فـ(الأمريكي) ليندون جونسون.على أننا نعتقد، مع هذا كله، أن الغلبة في تونس الشعبية، اللاحزبية، قد آلت حقا إلى الفكر البورقيبي: فكر النجاعة في المنهج السياسي والتقدمية في المضمون الاجتماعي.qraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية