‘جبهة الإنقاذ الوطني’ وأيام مصر الحبلى بالمفاجآت والانتكاسات!

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم ديابمع لقاءات الزملاء والأصدقاء في لندن كانت مصر حاضرة، في صورة قلق بالغ وخوف مقيم ليس عليها وحدها لكن على الأمة العربية ومستقبلها ومصيرها من الماء إلى الماء، وعلى جوارها الممتد في إفريقيا والعالم الإسلامي، وتزداد وتيرة القلق والخوف كلما تصاعد العنف وسالت الدماء وفاضت وصبغت المشهد الوطني والسياسي بلونها. وكان لـ’جبهة الإنقاذ الوطني’ المساحة الأكبر والأوسع من هذه اللقاءات، وكادت وجهات نظر كثيرة حولها تتطابق مع وجهة النظر الرسمية، مع العلم أن أغلب قائليها لا يحسبون على أحزاب وجماعات الإسلام السياسي، ولا من مؤيدي ‘حكم المرشد’. وكان من الضروري أن نبحث عن السبب؛ هل يعود إلى الأحكام الشائعة بين عرب أوربا حول ‘الحراك العربي’، وقناعة واضحة لدى كثير منهم بأنه تنفيذ لمخطط تقسيم جديد ورسم خرائط بدأت بالفعل مع غزو الكويت 1991، وأنه ترجمة لمقتضيات واشتراطات الإضعاف المطلوبة لمنطقة عادت مسرحا للعبة أمم جديدة، واستقرت مجالا حيويا يضمن بقاء أوضاع الإمبراطورية الأمريكية على قوتها، وحاجتها لنشر الفوضى وإشعال الحروب الطائفية والمذهبية والمناطقية، واستغلالها ‘الحراك العربي’ لتنفيذ ذلك كله، ولمد الدولة الصهيونية بما يمكنها من تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، فتبقى الدولة الصهيونية القاعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأقوى والأكبر بين بقايا وأطلال عربية متناثرة.. متنافرة.. متناحرة.. متقاتلة.. تدمر نفسها بنفسها ذاتيا. وهذا التشابه بين وجهة النظر الرسمية في مصر وأراء كثيرة سمعتها في لندن.. هل جاء عفوا؟ أم بقوة التأثير الرسمي؛ شبه المنعدم في الداخل، وكيف يكون مؤثرا في الخارج؟ أم جاء لعلو كفاءة أجهزة الدعاية الحكومية وشبه الحكومية، وكلنا يعرف مصداقيتها المفقودة، وترديها وحالها الذي لا يسر أحدا، ومقاطعة أغلب المواطنين لها؟ أم أن ذلك حدث لغياب معلومات وتقارير ميدانية دقيقة ومحايدة؟ أم أن كثافة الدعاية الغربية والصهيونية أثرت على عقول البريطانيين العرب؟ أم أنه لا هذا ولا ذاك؟وإذا ما كان التركيز في هذه السطور على ‘جبهة الإنقاذ الوطني’ فإننا نخطئ إذا ما نظرنا إليها كوعاء للثورة وتعبير عنها، والأدق أنها وعاء سياسي وحزبي لجماعات منظمة ومستقلة تجمع في رؤيتها بين التقليدية والحداثة، وسمحت لها الأوضاع الجديدة بالسعى للمشاركة في ظل ميزان القوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي القديم والذي ما زال على إختلاله.والتفرقة هنا ضرورة بين العمل الثوري وآلياته ومجالات العمل الأخرى؛ سياسية ودعوية وإدارية ونقابية وفنية وجماهيرية ووسائلها، وإن كنت منحازا للثورة إلا أنني لست ضد مجالات العمل الأخرى، لكن لا أميل للخلط بين هذه المجالات باسم الثورة، وفيها نبل وسمو لا يتوفر في المجالات الأخرى، وكانت بداية ‘الحراك العربي’ مع اندلاع الثورة التونسية وتلتها ثورة مصر فحملتا نبلا ونقاء على مساحة اتسعت للملايين ولم تكن من الضيق حتى تنتهي حكرا لجماعة، أو ملكا لحزب، أو تابعة لفئة، أو موالية لطبقة، أو متعصبة لمنطقة، وتراجع ذلك النبل والنقاء أمام ‘غزوات’ المتطرفين والمتعصبين والطامعين في المغانم والمتصارعين على المناصب، وجميعهم شربوا من دماء الأبرياء والثوار؛ ومع اختلاط الأوراق والتباس المواقف ضاعت الفروق بين قوى رئيسية ثلاث تستحوذ على المشهد السياسي هي: الثورة.. والثورة المضادة.. والمعارضة.وعن الثورة فقد تعرضت لعملية اغتيال مخططة وممنهجة هي الأولى من نوعها في تاريخ الثورات؛ وسواء كان الاغتيال معنويا بالتشويه والإساءة والاختراق والإدعاءات الباطلة، أو كان اغتيالا ماديا يوجه أسلحة الغدر إلى صدور ورؤوس الثوار؛ بدءا بهجمات البلطجة والموت تحت وطأة التعذيب إلى استخدام السيوف والسنج والأسلحة البيضاء والنارية، وبها يتم الاصطياد والقنص الانتقائي الممنهج والمتعمد، وكان كل الضحايا وما زالوا من شباب الثورة، وهذا مكن ملوك الطوائف ومشايخ المذاهب ورموز الانعزال من تثبيت حكم الثورة المضادة، الذي تجاوز استبداده وتطرفه وتبعيته ما كان موجودا في النظام البائد، وفي الظروف الطبيعية للثورات يكون الاستقطاب موزعا على محورين؛ الأول محور الثورة، ويستقطب قوى التغيير الصاعدة وطلائع العمل الوطني الفتية. والثاني محور الثورة المضادة، ويستقطب الفلول وقوى التخلف والانغلاق والإرهاب، وهي للأسف التي تقدمت الصفوف ونجحت في الارتقاء إلى مواقعها على تلال من جثث وأشلاء وجماجم شهداء الثورة وضحاياها. والمعارضة كقوة ثالثة قامت في مناخ غير موات، فالنظم التي تأخذ بالديمقراطية تعلم أن شرعيتها في الأخذ بمبدأ تداول السلطة بين أغلبية حاكمة وأقلية معارضة، أما وأن يأتي حكم يصر على رفضها، ويلح خطابه الإعلامي وأبواقه الألكترونية على تقصيرها ما دامت غير متماهية معه، ولا تقبل بأن تكون رديفا يعينه على استمرار استبداده وتطرفه وتبعيته، ويطلب منها مشروعات ومقترحات لتثبيت الحكم، وهو لا يعترف بها أصلا وليس لها وجود في عالم ‘حكم المرشد’ الافتراضي، ومعارضة بهذا المعنى بلا وظيفة في الحكم القائم. ولأنها غير قادرة على تصحيح هذا الوضع، وهي في نفس الوقت ليست من معسكر الثورة بتكاليفه وتضحياته، ولا تستطيع أن تكون رديفا للثورة المضادة رضيت بأن تكون في منزلة بين المنزلتين، فتشغل مساحة رمادية بين قوى الثورة والثورة المضادة. وهذه هي إشكالية المعارضة المصرية تحت ‘حكم المرشد’.ونتعرف على ما أمكن حصره لمكونات ‘جبهة الانقاذ الوطني’، وهي تضم حزب الدستور.. التحالف الشعبي الاشتراكي.. حزب المصريين الأحرار.. حزب الوفد.. حزب المؤتمر (عمرو موسى).. الحزب العربي الناصري.. حركة الكرامة (ناصرية).. حزب الجبهة الديمقراطية (أسامة الغزالي حرب).. حزب غد الثورة (أيمن نور).. حزب التجمع.. حزب مصر الحرية (عمرو حمزاوي).. الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي (محمد أبو الغار).. والتيار الشعبي (حمدين صباحي)، وهل لجبهة تجمع هذه القوى والأحزاب والتيارات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أن تُحسب على قوى الثورة؟، وفي الحقيقة أنها محسوبة على القوى الديمقراطية؛ القانعة بالحريات السياسية والقانونية، والمتغاضية عن الضمانات الاجتماعية؛ المهم هو قوانين السوق، وعبادة الاقتصاد الحر، وشرعنة الاستغلال الرأسمالي، ونشر قيم المجتمع الاستهلاكي، والاعتماد على النشاط الريعي، ومثل هذا لا يعطي الحريات السياسية والقانونية أي بعد اجتماعي أو إنساني أو أخلاقي في بلد يئن من وطأة الفقر.وإذا أضفنا أن عددا كبيرا من الإئتلاف الحاكم ومن أحزاب وجماعات ‘جبهة الإنقاذ’ لم يعرف عنها أنها ‘اقترفت خطيئة’ الدعوة للثورة في يوم ما، وإن كانت تتغنى بها حاليا. لذا فإن على من يصدر حكما على ‘جبهة الإنقاذ’ أن يضع في حسبانه الفروق بين نهج الثورة القاطع والبات، والعمل الحزبي البراغماتي، و’الجبهة’ من النوع الثاني، لكن في غير بيئته ولا أوانه، وصارت أقرب إلى المخلوق الهجين أو إلى ما يعرف بـ’الخنثى المشكل’ في القانون والفقه الإسلامي، لكن علينا ألا نظلمها حتى لو تحفظ واحد مثلي على وجود عمرو موسى ومحمد البرادعي، ومن على شاكلتهما؛ علينا أن نعرف حدودها وقدرتها، كخليط يضم دعاة المشروع الغربي ويضم من هم ضده من دعاة الثورة تحت سقف واحد. و’الجبهة’ في حقيقتها أقرب إلى ائتلاف انتخابي؛ يستخدم الثورة كورقة انتخابية، ولا نستطيع أن نسبغ عليها صفة الثورية لنطبق عليها معايير العمل الثوري، وبهذا نظلمها ونحملها ما لا طاقة لها به، وما حققته ‘الجبهة’ ضمن هذا الفهم حتى الآن هو أفضل وأقصى ما يمكن أن تقوم به؛ طلبا لضمانات انتخابية ومشاركة عادلة في المجلس النيابي القادم. ولا ننسى أن الرغبة في الحشد يعود إلى أن من بين رموزها من يتطلع إلى رئاسة مصر إذا ما سنحت الفرصة، وهذا حق وإن أنكره مكتب الإرشاد، وهذه مشاغل لها الأولوية في تفكير وتوجهات أغلب الجماعات والأحزاب المنضوية تحت لواء ‘الجبهة’ ويأتي الانشغال بالثورة ومصيرها في المرتبة الثانية عند البعض منها والعاشرة لدى البعض الآخر، وكنت أتصور أن تضع ‘الجبهة’ على رأس أولوياتها تمكين الثورة من الحكم والقرار سلميا، ولو حدث وفشلت فعليها أن تمكنها من عقول الناس ووعيهم.من جهة أخرى كثر الحديث عن الفجوة العمرية بين أجيال ‘جبهة الإنقاذ’. والقضية ليست في وجود هذه الفجوة من عدمه إنما في اتجاهات غالبة داخل ‘الجبهة’ بين كبار السن والشباب، تعتمد آليات عمل تقليدية؛ يتصورونها قادرة على إعادة الروح إلى الثورة بعد ما أن اغتالها مكتب الإرشاد ومليشياته، وهذا غير ممكن، ولا ينفي نبل المقصد ولا إنكار تضحيات البعض ودوره المتميز، فالثورة وهي تعني تغيير البنى لا الأبنية، وتبديل النهج لا الشخص؛ هي نقيض كل ما كان وما هو موجود، وقوى الثورة هي وحدها القادرة على صياغة المجتمع الجديد، وتصحيح علاقة الدولة بمواطنيها، وبناء النظام السياسي الكفؤ، وكل ثورة تمر بمرحلة انتقالية ‘ثورية’، ليست كالتي مرت بها مصر منذ 11 فبراير/ 2011 حتى الآن، وكانت حسب تعبير البعض ‘مرحلة انتقامية’ حالت دون حياة أخرى متطهرة من سموم وأدران التطرف والاستبداد والتبعية والصهينة. مع ذلك فأحيانا ما يكون للتاريخ منطقه وحكمه البعيد عن الحسابات العادية، فقد يحدث لـ’جبهة الإنقاذ’ ما حدث للوفد، الذي تشكل وحصل على توكيلات الشعب للمطالبة باستقلال مصر في مؤتمر فرساي بباريس، لم يكن أي من أعضاء الوفد ثوريا، أو من دعاة الثورة؛ لكنها الأقدار وحمل توكيلات الشعب جعلت من وجهاء ذلك العصر قادة لثورة 1919. فهل يعيد التاريخ نفسه؟ إلا أن ما يقوله فلاسفة التاريخ أن التاريخ إذا أعاد نفسه مرة يأتي في شكل مأساة، واذا تكررت العودة مرة أخرى يأتي في صورة ملهاة. ولننتظر فالأيام القادمة حبلى بالمفاجآت والنكسات.’ كاتب من مصر يقيم في لندنqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية