خيري منصورلم يمر من الزمن ما يكفي كي تؤسطر الذاكرة سيف بوليفار ليصبح النقيض في الدلالة والايحاء لسيف ديموقليس، فالسيف الذي علّقه ديونيسوس بشعرة حصان فوق رأس ديموقليس، كانت تكفي حركة واحدة لأن يسقط على عنقه، أما العقاب فهو على الحسد هذه المرة، وليس على سرقة سرّ النار كما فعل بروميثيوس.فالحدث يحب ان يتخطى الزمان الذي يؤطره كي يقترب من التجريد، وبالتالي يقبل الترميز، وحين شوهد الفنزويليون وهم يضعون سيف بوليفار محرر القارة ورمزها على جثمان تشافيز لا بد ان مشاهد مماثلة وثبت الى الذاكرة بدءا من الصليب الذي لولا الجذر التاريخي والميثولوجي معا لذكرى الصلب لما بلغ هذا الحدّ من التجريد الرمزي، لكن المفارقة هي تحول الحقيقة او الحدث الى رمز ينقلهما من التاريخ المتعين الى ما بعده او ما فوقه احيانا، لهذا كان الناس في الماضي يعلقون صور موتاهم على الجدران، وحين شاهدت لأول مرة صور المقدسات في فلسطين وهي تعلّق على الجدران او في قلائد من الذهب والفضة، أحسست بالفزع لأن التاريخ يؤسطر والمكان يصعد من التراب ويتخطى جاذبية الأرض الى مستوى الترميز او بمعنى آخر الأيقنة، وتلك بالطبع حكاية تطول ولها مقام آخر، والتعامل مع الاشياء سواء كانت أمكنة او أطلالا او مقتنيات موروثة لأبطال به قدر من رواسب الوثنية في اللاوعي، والفارق هو ان تلك الاشياء ممهورة ببصمات بشرية، ومقصودة لذاتها وليس باعتبارها طريقا او وسيلة للتقرب الى ما يتخطاها.وهناك مثال روائي يحضرني الآن من رباعية لورانس داريل عن الاسكندرية، فقد أضاع بطل الرواية في جزئها الأول جوستين مفتاح ساعة جيب قديمة ورثها عن جده، وحين أعلن ان من يعثر على المفتاح له مكافأة قيمة تتجاوز ثمن السّاعة بأضعاف، أثار استغراب من حوله، مما اضطره الى ان يبوح بما يشعر به وهو ان ذلك المفتاح هو للزمن كله وليس لساعة جده فقط، هنا يبلغ الترميز أقصاه بحيث يصبح سَيْف ما هو السيوف كلها وقد صهرت في واحد، تماما كما رأى الشاعر العربي الأرض كلها قبرمالك وهو يرثيه.* * * * * * *لم تكن مجرد مصادفة جغرافية ان تجتذب الرواية في امريكا اللاتينية انظار العالم اليها، خصوصا في الغرب الذي يقدم تعريفا لفن الرواية يجغرفها ويحصرها في النطاق الاوروبي، لأنها كما تعرف ملحمة البرجوازية الاوروبية.الرواية اللاتينية امتازت بمزج الواقع بما يتخطاه او بالسّحر، لهذا فهي آسرة، كأنها مشحونة بأطياف أخرى غير بشرية، لكن ليس على طريقة الرواية النصف واقعية التي سميت بها رواية غوغول الشهيرة بعنوان ‘المعطف’. ففي هذه الرواية الطازجة كما تجلت في نصوص ماركيز تحديدا يصعب فك الاشتباك بين خيوط الحرير وخيوط الخيش او القنّب في النسيج، وان كانت قصة كانكان العوام الذي مات مرتين لجورج امادو قد اجترحت هذا الافق الغسقي . وحين كتب ماركيز روايته ‘خريف البطريرك’ أحدث لدى متلقيه عدة صدمات متعاقبة من خلال توظيف المتناقضات والمزاوجة بين الاضداد، ففي القصر الباذخ الذي ترشح رائحة البخور والعطر من اعمدته المرمرية، وبين الخدم الذين يروحون ويغدون بقامات وثنية لها اداء مسرحي وللثياب البيضاء التي يرتدونها حفيف ملائكي، يتساءل الراوي عن موقع اعشاش غربان السلطة في هذا الجو المفعم بالرفاهية والفخامة، ولا بد ان فيدل كاسترو الذي فتن بالرواية ومؤلفها خطر بباله باتستا الديكتاتور الذي ثار عليه، وأذكر انه قال لسارتر في حواره الذي أجراه معه بعنوان عاصفة على العصر ان الكوبيين وحدهم يعرفون كم هو السّكر شديد المرارة في حلوقهم، تماما كما عرف العراقيون في العقدين الاخيرين ان غزارة اعواد القصب في اهوارهم هي لكي يحولوها الى نايات يعزفون عليها بزفيرهم الحانا شجية.* * * * * * * * لم يكن السيف على امتداد التاريخ مقترنا بالحروب فقط، ففي اسطورة تريستان وايزولدا التي صاغها الفرنسي ‘جوزيف بيديه’ يصبح السيف العائق بين تواصل عاشقين، لأنه ممدد بينهما، وهو المعادل المادي للعقبات التي كان يفتعلها الشاعر العربي العذري كي يحول الحرمان الى مطلب ويتلذذ به ماسوشيا، لأن الحب يموت في الوصال كما يقول جميل بثينة ‘ويحيا اذا فارقها فيعود’، وبخلاف كل ادوات الحرب، فان السيف لا طول له ولا يقاس كباقي الاشياء، وهناك حكاية طريفة عن رجل قرر ان يستخدم سيفا بطول مترين فذهب الى الحداد وطلب منه ذلك، وحين تسلم السيف قاسه فوجده اقل من مترين ببضعة سنتميرات، وطلب من الحداد ان يعيد طرقه، عندئذ سخر منه الحداد وقال له: لو تقدمت خطوة ايها الشجاع لأصبح سيفك ثلاثة امتار ولو تراجعت خطوتين فان سيفك سوف يتلاشى ….بالطبع لا قيمة ميدانية لأي سيف الآن سواء كان سيف بوليفار او سيف الايوبي، الذي اشيع انه بيع في حانوت عراقي لسائح، لكن ما بقي من هذه الاداة التي رسمت اهم تضاريس كوكبنا السياسية قبل المنجنيق هو بعدها الرمزي، ولا يوازيها في ذلك غير الراية، فهي قطعة قماش لا قيمة لها بالمعنى المادي، ومن خلال التجريد والارتقاء ومن ثم الترميز اصبحت الدلالة للسيادة والنصر والهزيمة، وهذه هي الاشياء الصغيرة العابرة من حيث جدواها الواقعية لكنها الخيوط السرية التي قال ريلكة بأنها تربط العابر بالأبدي والمحسوس بالمجرد والمتعين بالمطلق.* * * * * * *حين شاهدت لأول مرة تمثال سيمون بوليفار في احد ميادين القاهرة اندهشت قليلا ثم تبدد العجب لأنني عرفت السبب، ففي فترة ما يصفها المصابون بالنوستالجيا بالعصر الذهبي كانت هناك عولمة من طراز آخر هي عولمة حركات التحرر واتصالها ببعضها كالاواني المستطرقة، لأن العدو واحد وهو الكولونيالية التي امتصت نخاع الشعوب في قارات ثلاث، اما المرادف الاخر لهذه العولمة الايجابية فهو ما يمكن ان اسميه ‘العَوْرَبة’ قبل أن يثرثر جنرالات عن الوحدة ويمزقوا أمة باسم هذه الوحدة.تجلّت ‘العَوْرَبة’ في هدة أمثلة منها هجرة المثقفين من بلاد الشام الى مصر حيث وجدوا فيها المجال الحيوي لعدة ريادات صحفية ومسرحية وسينمائية وكذلك في استشهاد عرب من مختلف الاقطار في فلسطين ومنهم للمثال فقط عزالدين القسام. لكن سرعان ما تمددت العولمة المضادة، عولمة رأس المال المتوحش والميديا المضللة وثقافة الترانزيت، لتزحف على العولمة في بعدها التحرري، وما نعيشه هذه الايام هو بعض من احتفالات عولمة الشقاء والارتهان والتجريف بما أنجزته وبما هو قيد الانجاز.* * * * * * * * *كم كان قاسيا لكن شديد الصدق مع الذات الراحل الماغوط عندما جعل بلدا عربيا يحتجز صقر قريش في مخفر حدودي ثم يقايضه بشاحنة طحين، فالانحطاط عندما يشمل كل شيء ولا تنجو منه حتى الرموز والاطلال، ينقل الادمي من واقعية حالمة وفائقة الى واقعية زواحفية، ويحول التراجيديا الى كوميديا، لأن كائنات الضرورة التي تعيش بالخبز وحده حتى لو كان منقعا في دمها وعرقها ودمعها تسخر ممن يفتديها وينوب عنها في الحرية.من سيف ديموقليس وفوبيا الحذر والخوف من انقطاع شعرة الحصان التي يتدلى منها الى سيف بوليفار تاريخ مرصع بالاساطير التي هي من صلب واقع تم تصعيده وتجريده وبالتالي ترميزه كإرث كونيّ.qadqpt