بعد شهرين من حربها المزعومة على الإرهاب في مالي، بدأت فرنسا تفكر بشكل جدي في سحب جيشها، وتسليم المهمة للقوات الإفريقية التي ستتحول إلى قوة أممية لحفظ السلام، في قادم الأيام. على أن يقتصر دورها فيما بعد على تدريب الجيش المالي وتقديم الدعم الاستخبارتي واللوجيستي. وبدأ الحديث في ذات الوقت عما ربحته فرنسا من هذه العملية التي كلفتها ملايين الدولارات ومقتل أربعة جنود.منذ بداية السجال السياسي بين القوى الإقليمية والدولية، لفرض مقاربة مناسبة لإخراج مالي من أزمتها السياسية والأمنية، رافعت فرنسا لعملية عسكرية شاملة تقودها جيوش افريقية، من اجل الحفاظ على الطابع المحلي الإفريقي للازمة، وإبعاد الهواجس لما يمكن أن يعتبر حنين استعماري أو خطوات تحركها أطماع اقتصادية بحتة، لكنها استطاعت بطريقة ملتوية الالتفاف على تصريحاتها، من وراء ستار الحلول العاجلة التي تطلبها السلطات الانتقالية في باماكو، فقد روجت لفكرة عدم المشاركة في العمليات الحربية، سوءا بالقوات الجوية أو البرية، وستكتفي بدعم، التصور العملياتي الذي عكف على إعداده وزراء دفاع مجموعة الايكواس ماديا ولوجيستيا، قبل أن تفاجأ العالم بإعلانها الحرب بشكل منفرد، وخارج الأطر القانونية للأمم المتحدة، متذرعة بنداء استغاثة الرئيس المالي الانتقالي ديونكوندا تراوري، الذي قيل بشأنه، أن باريس هي من أملت عليه طريقة صياغة النسخة الثانية منه، بعد أن رفضت الأولى كونها غير مضبوط بدقة ولا تحدد كيفية التدخل. وأعطت إشارة الهجوم لطائراتها الحربية، لصد زحف للجماعات الإرهابية نحو الجنوب. وانتقلت من التدخل الجوي إلى الإنزال التدريجي للقوات الخاصة إلى أن بلغ العدد 4 آلاف عسكري، يخوضون المعارك إلى جانب الجيش التشادي وجها لوجه مع الإرهابيين في الأحياء والجبال التي يتحصنون بها. مع إشادة دولية واسعة بجهودها في مكافحة الإرهاب ومساعدة مالي على استعادة كامل سيادته، وحظي الرئيس فرنسوا هولاند باستقبال تاريخي في تمبكتو وباماكو.وبعد مرور شهرين من الحرب، وبالتمعن في النتائج المسجلة على الأرض، والخطط القديمة الجديدة المطروحة على طاولة الأزمة، اتضح أن فرنسا بذلت ما بوسعها، لرعاية الأزمة المالية، والانفراد بالقرار، من منظور براغماتي محض، يضمن مصالحها، ويقوي وجودها في المنطقة على المدى البعيد، رابحة بذلك معركة النفوذ، بعد أن توصلت إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية أنهى غموض إستراتيجيتها، عقب التحفظات التي أبدتها هذه الأخيرة في بادئ الأمر،لتقوم بعد ذلك بإخلاء ساحة المعركة، وقيادة العمليات العسكرية بصفة شبه منفردة، بعد التأخر الغريب في نشر قوات الايكواس، منجزة بذلك الجزء الأكبر من المهمة، لتنال كامل الفضل، في طرد الجماعات الإرهابية من المدن الثلاثة الرئيسية بشمال مالي. هذا الأمر مكنها من ضمان ميدان المناورة السياسية أيضا، فقد التفتت السلطات المركزية المالية لضرورة مباشرة العملية السياسية وتنظيم الانتخابات، عندما اعتقدت فرنسا أن وقتها حان، وتشدد في كل مناسبة على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في جويلية القادم، ولم يعد بإمكان أي طرف أن يفرض أي اقتراح حتى فيما يتعلق بالمفاوضات مع الحركة الوطنية لتحرير ازواد، التي تتحفظ على نزع سلاحها نظرا للتنسيق الأمني الموجود بينهما.رأت فرنسا، أن هدفها الذي يفوق مكافحة الإرهاب وبسط الأمن في مالي، كلل بالنجاح، فحديثها عن الشروع في سحب القوات الشهر المقبل والإشادة بالمهمة، وهي تعلم أن الوضع في حاجة لمقاربة سياسية أكثر من عسكرية، وان استقرار الوضع الأمني لازال بعيد المنال، يؤكد أن رهانها الأكبر هو احتلال الريادة في صناعة مستقبل المنطقة، وبدرجة اقل امتصاص غضب الرأي العام الداخلي من حجم الخسائر البشرية والاقتصادية.كما حسمت قضية القواعد العسكرية، فهي باقية في إطار بعثة التدريب والتكوين بما يتماشى مع مضمون اللائحة الأممية 2085، آو في إطار الانسحاب التدريجي لسنوات، وستكون قادرة على مراقبة المنطقة وحماية منشاتها في النيجر وتوفير مناخ الاستثمار في شمال مالي. حمزة محصول – الجزائر qmn