عشر سنين عجاف، ذهبت وانقضت، وقد عاشها العراقيون آلاما وجراحا لا تندمل، وأحلاما في أحسن أحوالها لا تتحقق، والمشهد العراقي بصورته المعقدة يزداد بؤسا، والتدخل العـــــــربي والإقليمي والدولي يجد ضالته ومبتغاه في ارض الرافدين، الأرض التي ثقلت بما حـــــملت من القــــوى السياسية المتنفّذة، تلك التي تتقاسم السلطة وامتيازاتها، على أسس كئيبة وقاتمة من المحاصصة الضيقة، تحت غطاء باهت وخادع، يدّعي التعددية السياسية ومبدأ المواطنة، وينبذ دولة الطوائف والفرق والميليشيات.لقد رحل الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلى الدار الآخرة، وأصبح الرجل في جوار ربه راضيا مرضيّا، ولم ينفك تاريخه منذ طفولته، وذكراه حتى موته، قد أصبحوا كابوسا من القهر والتجبر، لمن تشدّقوا ونظّروا لعراق تعددي ديمقراطي جديد، فتكالبوا عليه، وخطّت أياديهم الخشنة عنوانا لواقع مرير، أسموه ‘جمهورية الخوف ‘، ليصفوا الخوف الذي رافق أحلام العراقيين بالحرية والتمرّد، وخوف المحكومين من القتل والاعتقال والتعذيب، ولينتقدوا التوظيف الأجوف حسب رأيهم، للاستخدام الخرافيّ للأفكار والجمل والكلمات المستقاة من التاريخ والتراث العربي والإسلامي، وليجدوا في التقدم الذي شهدته حياة المواطن العراقي، مجرد قشور وأوهام تدفع أثمانها من حساب الحريات السياسية. أما من كان له من الحظ نصيب، ومن القدر فرصة أن يعيش العراق الجديد، فقد افتقد وتحسّر على ماض قد لا يعود، لرئيس غادرهم بحسابات خاوية وجيوب فارغة وعائلة مهاجرة، لم يملك مترا مربعا من ارض العراق، وحسبه بضعة أمتار مكعبة من ثرى العراق فوق قبره، يوم كان العراقي يعيش هيبة الدولة واحترام السلطة ومهابة القانون، فيجوب البلاد آمنا على نفسه، لا يخشى إلا الله، في بلد لو ترك وشانه لعاش بألف ألف خير.في عراق اليوم، وبعد سنوات التغيير المنتظر، تناشد منظمة العفو الدولية وتستصرخ ساسة العراق الجديد، ليتخذوا خطوات جادة وحقيقية، لتحسين أوضاع حقوق الإنسان في العراق، ووضع حد للانتهاكات الخطيرة، من عمليات الإعدام وتعذيب المعتقلين، داخل ما ظهر من السجون أو استتر، ليبقى العراقي عالقا معلّقا في حلقة رهيبة من الضيم،رغم كل ما تبديه سلطته القائمة من الإنكار والرفض والتبرير.يوما ما كان العراق قدرا واسعا وملهما بكسر قاف قدره، ينهل منه العراقيون والعرب، وأصبح العراق قدرا من الخشية والشقاء بفتح قاف قدره، يبكيه الشرفاء ويفتقده الغيارى على العراق العربيّ الحيّ، وبعد عقود الحرب والدمار والحصار، ما كان العراق ديمقراطيا إلا أن قائده لم يكن نبيّا ولا ادعى ذلك، وبعد الاحتلال البغيض لم يصبح العراق ديمقراطيا، إلا أن ساسته الجدد هم اقرب ما يكونوا إلى الانغلاق الطائفيّ، وتكريس علوم التفرّد والمحاصصة والفساد، فهل أدرك المنظّرون والحالمون، أن العراقيّ لا يزال خائفا،وان نظامه الجديد لا يزال جمهوريّا! م. زيد عيسى العتوم – الاردن[email protected]