الطاهر إبراهيم الحراك الشعبي في سورية ومنذ اليوم الأول لثورة الحرية والكرامة كان عفويا، وكان نموذجيا. كما كان رد فعل النظام متوحشا وعنيفا كما حدث في درعا منذ يوم الجمعة الأولى وحتى الآن، بينما كان تصرف المتظاهرين في الشارع منضبطا. سقط الشهداء واعتقل المتظاهرون. الشارع بقي كما هو وفي كل المدن السورية، فلم يكن أمام المتظاهرين إلا هذا السلوك، فلم تكن أجندتهم تسمح بالرد على إجرام النظام حتى لا يعطوا النظام الذريعة، ولأنهم لا يملكون السلاح فيما لو أرادوا أن يردوا على الرصاص بالرصاص.كان التظاهر السلمي هو الذي يميز تلك الفترة. وكان الجيش الحر لايشكل إلا حيزا صغيرا من المشهد. خلال تلك الفترة كان معارضو الخارج والداخل يراقبون الوضع عن كثب. كان عليهم أن يتجمعوا، لكن كانوا من مشارب شتى. كان عليهم أن يرفدوا الحراك السلمي، وكان بعضهم يبحث عن دور. في ظروف ملتبسة وبشكل منفرد أعلنت مجموعة صغيرة عن تشكيل مجلسها الوطني في15 أيلول 2011. ذهبت تفاوض بعض الطيف المعارض، واستطاعت أن تفرض رؤيتها، وأعلن عن المجلس الوطني في 2 تشرين أول 2011، الذي كان لها نصيب الأسد فيه. مع الأيام أضيف للمجلس آخرون دون أن يكون هناك أجندة تضبط الطريقة التي يتم بها إضافة هذا العضو ورفض ذاك. تضخم العدد وكثرت مؤسسات المجلس الداخلية حيث عين فيها أناس مقربون من هذه الجهة أو تلك. وعاش المجلس صراعا مكتوما حول النفوذ فيه، ما أضاع عليه ممارسة المهمة الأولى له وهي كيفية رفْد الحراك الداخلي. وربما كان تشكيل ‘الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة’ في تشرين ثاني 2012 منقذا للمجلس الوطني من ‘كشف’ حساب كان عليه أن يقدمه بعد عام، لم ينجز فيه إلا ما لا يكاد يذكر.لكي يشاركوا، أصر أعضاء المجلس الوطني أن يكون له حوالي 40′ من جسم ‘الائتلاف’، ما وضع عبئا آخر غير المهمات الوطنية الملقاة على المكون الجديد. شعر الائتلاف أن نوعا من وضع العصي في العجلات يقوم به بعض أعضاء من المجلس الوطني ممثلين في الائتلاف بعد أن شعروا أن البساط يسحب من تحت أقدامهم وأن المجتمع الدولي ما عاد يكيل في مكيالهم. كان على ‘الائتلاف الوطني’ أن يتحاشى مطبات اعترضت من قبله طريق المجلس الوطني. رئيس الائتلاف الوطني ‘أحمد معاذ الخطيب’ شعر، وآخرون معه، أن المجتمع الدولي يريد أن يفرض على ‘الائتلاف الوطني’ أجندة غير تلك التي ثار من أجلها الشعب السوري. فما هي تلك الأجندة التي لا يريدها الشعب السوري، وما هي التحديات التي تعترض طريقه؟لعل أهم تلك العقبات التي تتم بفعل دولي، هو دحرجة الصخور في طريق الثورة، ليس تجفيف موارد الأسلحة من بين أيدي الجيش الحر فحسب، بل وصرف الثوار عن العمل على إجبار بشار أسد على الرحيل، طوعا أو كرها، حيث بدأت واشنطن وموسكو تعملان لتشكيل حكومة حسب ‘وثيقة جنيف’، التي لا يعرف أحد من الثوار لمن تكون الكلمة العليا فيها.كما أن تشكيل حكومة مؤقتة أمر مطلوب، على أن تحدد مهماتها ابتداء. ليس بأن تقوم الحكومة بتعيين مندوب يشغل مقعد سورية في الجامعة العربية، ثم تضع يدها على خدها لا تدري ما هي الخطوة التالية. وهنا يصبح التساؤل مشروعا: هل أنجزت المعارضة السورية كل ما كان عليها ولم يبق إلا تشكيل الحكومة؟ ثم إن مؤتمر روما أعلن أن الائتلاف الوطني ممثل شرعي ووحيد للشعب السوري، إلا أن هناك من يعتقد أن قيام ‘الائتلاف الوطني’ بتشكيل حكومة مؤقتة سيكون افتئاتا على الشعب السوري صاحب الحق في ذلك. فلا بد أن يمهرالشعب السوري هذا الإعلان بموافقته عن طريق ممثليه الشرعيين المنتخبين عن طريق صناديق الاقتراع. إذا كان تشكيل حكومة مؤقتة له فائدة واحدة أو أكثر فإن تشكيلها له محاذير كثيرة. سوف يقف من المعارضين السوريين وهم كثر، من لا يسلم للائتلاف الوطني بتسمية هذه الحكومة المؤقتة. ثم من هو الشخص الذي يحظى باتفاق أكثر أعضاء الائتلاف الوطني، فضلا عن المعارضين السوريين على مختلف مشاربهم؟ وما الفوائد التي ستجنيها الثورة ككل؟ الخطوة الأهم في نظرنا هي تشكيل سلطة محلية في كل بقعة إدارية (منطقة أو محافظة) تتحرر بشكل كامل، كما حصل عندما تم، مؤخرا، انتخاب مجالس محلية في ريف حلب. نذكّر بأن الثورة الجزائرية العملاقة التي كسرت أنف المستعمر الفرنسي وطردته من الجزائر، انطلقت عام 1954 وبلغ عدد الشهداء فيها أكثر من مليون شهيد، ولم تقم بتشكيل حكومة مؤقتة لها إلا في عام 1958 حيث أعلنتها من القاهرة.صحيح أن جبهات القتال لم يصدر عنها اعتراض على تشكيل الائتلاف الوطني، وأن الائتلاف حصل على موافقة ‘سكوتية’ من فصائل الجيش الحر الذي لم يسمع منه اعتراض على الائتلاف. لكن الصحيح أيضا ان الائتلاف لا يضم إلا مجموعة من المعارضين، وهناك أضعافهم خارج الائتلاف. كان المتوقع أن يعتبر الائتلاف نفسه لجنةً تعمل على تحديد ضوابط وصفات أعضاء لتوسيع الائتلاف، بحيث يضم كل الكفاءات ومن كل المحافظات السورية، حتى لا يقع الائتلاف بما وقع فيه المجلس الوطني من قبل، حيث احتكر النافذون فيه حشد أنصارهم في المجلس.’ كاتب سوريqmdqpt