د. أحمد سعيد نوفلتركز الحكومة الإسرائيلية على الملف النووي الإيراني باعتباره الملف الرئيسي الذي سيتم معالجته خلال زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الشرق الأوسط في العشرين من شهر آذار الحالي، وليس القضية الفلسطينية وتبعاتها من استيطان وتوقف المفلوضات وقضية اللاجئين. ويريد بنيامين نتنياهو إبعاد قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، كعامل رئيسي من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة، والإدعاء بأن الملف النووي الإيراني هو الذي يهدد إسرائيل وبعض الدول العربية في الخليج. أي أن إسرائيل تريد الهروب من استحقاقات عملية السلام مع الفلسطينيين والإنسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإظهار أولوية ملف إيران النووي على ملف القضية الفلسطينية. وإذا كان من حق الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل البحث في المواضيع التي تهمهم، إلا أنه ليس من حقهم أن يفرضوا تلك المواضيع وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، على الدول العربية لتشاركهم في تخوفاتهم من إيران، والإدعاء أن الخطر الإيراني هو الذي يهدد الدول العربية وليس إسرائيل. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فقد ضغطت بريطانيا في مطلع القرن العشرين، على العرب لكي يثوروا ضد الدولة العثمانية، مقابل قيام دولة عربية موحدة. واستندت بريطانيا في ذلك الوقت، إلى بعض الممارسات التي كانت تقوم بها تركيا بتأثير من جمعية الاتحاد والترقي، ضد العرب. وتبين فيما بعد، أن تلك الجمعية كانت مدعومة من قبل اليهود، وكانت تهدف إلى القضاء على الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية فيها، لتسهيل مرور المشروع الصهيوني في فلسطين. الدولة العثمانية كانت ــ كما هو معروف ــ دولة سنية، إلا أن بريطانيا لعبت على البعد القومي للتفريق بين القومية العربية و القومية التركية، ولم يكن باستطاعتها إثارة البعد المذهبي بين العرب والأتراك لأن كليهما ينتمي للمذهب السني. واستغلت الدول الغربية النهوض القومي التركي في مطلع القرن العشرين لإثارة العرب ضد الدولة العثمانية، على أساس التناقض بين القوميتين العربية والتركية. وفي النتيجة، كان العرب والأتراك هما الفريقان الخاسران من تلك السياسة الغربية الاستعمارية، بعكس بريطانيا وفرنسا والحركة الصهيونية. الذين خدعوا العرب في الدعوة إلى قيام دولة عربية موحدة ضد الأتراك، مقابل أن يساند العرب بريطانيا في إسقاط الخلافة الإسلامية. ولكن تلك الدولة العربية الموحدة لم تقم، بل على العكس فقد تجزأت، حسب ما جاء في اتفاقية سايكس بيكو. إلا أن بريطانيا نجحت في إقناع العرب بأن الدولة العثمانية هي بمثابة العدو الأول لهم، وهي التي تشكل خطرا عليهم وعلى وحدتهم، وليس بريطانيا ولا المشروع الصهيوني في فلسطين. وبدلا من مقاومة العرب لمخططات التجزئة البريطانية والفرنسية، والمشروع الصهيوني، اتجهوا لمحاربة الدولة العثمانية، وأدى ذلك إلى احتلال بريطانيا وفرنسا المشرق العربي، وقيام إسرائيل فيما بعد واحتلال فلسطين. الآن تحاول القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل اللعب على العامل المذهبي لتمزيق العالم الإسلامي والعربي، بحجة مقاومة المد الشيعي في المنطقة والإدعاء بأن إيران تعمل على تشييع السنة العرب. مع أن الخطر الإسرائيلي في احتلال الأراضي الفلسطينية والمسجد الأقصى، هو أكثر خطورة على الأمة العربية من الخوف المفترض من إيران على العرب. علما أنه في فترة الخمسينات والستينات، لم يكن يتحدث أحد عن الخطر الشيعي القادم من إيران، لأن شاه إيران ــ صديق الغرب وإسرائيل ـــ هو الذي كان يحكم في إيران والذي كانت كل الدول العربية باستثناء مصر في عهد الزعيم جمال عبد الناصر، تخشى من حكم الشاه الذي كان يطلق عليه شرطي الخليج، والذي كان يحصل على أحدث الأسلحة الأمريكية من مستودعات السلاح الأمريكي قبل أن يحصل عليها حلف الناتو. كما أن الولايات المتحدة قدمت في عام 1957 أول مفاعل نووي لإيران، ولم تحتج الدول العربية ولا إسرائيل في ذلك الوقت على امتلاك إيران للقدرات النووية، بينما يجدون الآن في المشروع الإيراني تهديدا لهم.ويراد الآن أن يقتنع العرب بأن إيران تشكل خطرا عليهم وليس إسرائيل، التي في الحقيقة هي التي تشكل هذا الخطر على أمنهم الوطني وما تبقى من الأمن القومي العربي. هذا لا يعني عدم وجود خلافات في وجهات النظر من العديد من القضايا بين إيران والدول العربية، ولكن لا يجوز أن تحور تلك الخلافات لكي تكون لأسباب مذهبية بين السنة والشيعة. ومثال على ذلك، توجد خلافات بين إيران وتركيا في الموقف من سوريا، ومن قضايا إقايمية ودولية أخرى، ولكن لا أحد في تركيا يبرر تلك الخلافات بين أنقرة وطهران لأسباب مذهبية بين السنة والشيعة. كما توجد خلافات عديدة بين الدول العربية نفسها، كالخلاف بين الجزائر والمغرب أكثر من الخلاف بين العرب وايران، وكلاهما ينتمي لمذهب واحد. أما التركيز على أن الخلافات بين إيران وبعض الدول العربية تعود لأسباب مذهبية، فهذه الحجج باطلة. وإيران لها مصالح قد تتناقض مع مصالح الدول العربية، ولكن لا يجوز إرجاعها لأسباب مذهبية. وحتى الموقف الإيراني في العراق لا يجوز إرجاعه لدعم إيران للشيعة في العراق، ونحن نعرف أن الدول العربية ذات الأغلبية السنية هي التي سهلت الإحتلال الأمريكي للعراق الذي سهل لإيران الدخول بقوة إلى العراق. ومن المعروف في العلاقات الدولية، أن كل الدول توظف كل إمكانياتها خدمة لمصالحها وأهدافها، وإيران قد تستفيد من أخطاء الآخرين في حماية مصالحها. والخلل ليس في الموقف الإيراني، بل في مواقف بعض الدول العربية التي ربطت قرارها السياسي بمواقف الدول الغربية على حساب مصالحها وأمنها الوطني. علما أن ما يجمع بين إيران والدول العربية من مصالح مشتركة أكثر بكثير مما يفرق بينهم. وإيران قد يكون لديها مشروع وكذلك تركيا، وهذا حق مشروع للدول ذات السيادة. ولكن المشكلة أن الدول العربية ليس لديها مشروع تدافع عنه، بل هي تعمل لصالح مشاريع خارجية ليست لصالحها وأمنها واستقرارها.ولهذا ومن أجل تحقيق مصالح القوى الرئيسية في الشرق الأوسط، وهم العرب وإيران وتركيا، يمكن البحث في تعاون مشترك قائم على أساس قومي وليس ديني فقط بين القوميات الثلاث: العربية والفارسية والتركية. لأن خلفية القوى القومية الثلاث هو الإسلام، من دون البحث عما يفرق هذه القوى، بل البحث في القواسم المشتركة التي تجمعها خدمة لمصالح الجميع. وتستطيع هذه القوميات الثلاث بناء مستقبل جديد للشرق الأوسط أفضل بكثير من المشاريع المطروحة في السابق والتي تهدف إلى إدخال إسرائيل في منظومة سياسية واقتصادية مشتركة مع العالم العربي،على حساب تعاون العرب مع إيران وتركيا. وهذا يتطلب التركيز على توحيد المصالح العربية المشتركة في نظام عربي موحد باعتبار العرب يمثلون قومية عربية واحدة، أمام قوميتين متحدتين وهما القوميتان الفارسية والتركية.وتستطيع القوميات الثلاث ذات الخلفية الدينية الواحدة، أن تفرض نظاما جديدا في الشرق الأوسط يراعي مصالحها الاستراتيجية ويزيل التناقضات فيما بينها. من المعروف أنه يوجد في الاتحاد الأوروبي قوميات مختلفة وذات خلفية دينية متشابهة، وكذلك في الشرق الأوسط، توجد ثلاثة قوميات رئيسية من الممكن أن تتعاون فيما بينها. وفي الخمسينات من القرن الماضي حاربت القوى الغربية وإسرائيل وبعض الأنظمة العربية الرجعية، القومية العربية وجميع محاولات الوحدة العربية. ونفس تلك القوى تحارب الآن أي مشروع نهضوي عربي وإسلامي يعتمد على الذات وليس على الآخرين. وما يجمع بين القوميات الثلاث أكثر بكثير مما يفرق بينها، ومن الممكن أن يتحقق تعاون كبير بينهم، إذا خلصت النوايا وحلت الثقة وليس الشكوك بينها.’ أستاذ العلوم السياسية بجامعة اليرموك الأردنيةqraqpt