تامر عفيفي في توقنا للمعاني العظيمة نتشوق للصعود، لا نلبث أن نصير أجزاء من سحب متشظية، تمارس الفناء فتصير أكثر عبقرية، يصبح التحليق في السماء مقتضيا لذوبان أكثر تألقا، وخصوصا وأنت تمارس مع ظلك تلاوة مقدسة، قادرة على الإطاحة بكل العقبات، في سبيل سماوات تؤكد لك مغامرتك، ‘تلاوة الظل’ تجربة شعرية أنيقة، روضها سيد محمود و حاك تفاصيلها في ديوان صادر عن دار العين للنشر، ليحكي لنا كيف يستحيل الشعر وهجا سابحا في عوالم نورانية لا يليق بها التخفي، ولا تحدها أطر، يمسك فيها الصوفي بإيقاعات نبيلة يحركها في الهواء، فينثر على الكلمات المزيد من براءات قصوى، وأيقونة عظيمة للسمو. أربعة أقسام تتداعى في ‘تلاوة الظل’، تسلم بعضها البعض المفتتحات والخواتيم في اشتباك سلس، وخصوصا وأن العباءة التي يرتديها راقص المولوية على غلاف الديوان بلونها الأبيض لن تدع الأشياء تسقط على الأرض، تضمها لتلقيها في الهواء فتعلن المساعدة، وتؤكد العون.’الأعمى الذي يتعثر في الضوء’ يقود القسم الأول ببراعة، فهو بكل تأكيد لم يعد يخاف، طالما تحولت كل تفاصيله الحائطة إلى كائنات قادرة جدا على الصعود في خفة، يمكنه جيدا أن يسامح الزهرة المفقودة، طالما احتفظ بروحها العظيمة في العطر، سيغتنم الفرصة، وستصعد هي الأخرى معه، تبحث الجمل الشعرية في هذا القسم عن صعود مواز تماما، ‘مثل مئذنة، أبصرها فأسمو، ألمحها نجمة، فتضيء، يارب، ساعدني لأصعد مئذنتي’، ‘توسع من حجم ابتساماتها لتصبح قوس قزح، ‘اسمعها، فهي تريد أن تغني، كطائر متروك في حقل، كراكب وحيد يهزه قطار’، تمتلئ السطور بتوق إلى تحليق آخر، حتى وإن كانت هناك نائمة في سكينة، فذلك أدعى تماما للسؤال : كيف عرف الفجر الطريق إلى أصابعي؟’.وسيحلم مثل العابر الذي يمر على باب ليقرعه ‘فتفتح الشمس’، ويعرف الطريق إلى الهواء’، النوم في هذه الحالة هو الطريق الوحيد لاختلاف السماء، تلك السماء التي استطاعت الجملة الشعرية الانبطاح فوق غشائها الرقيق وهزها لتسقط المزيد من قطرات النور.ومن ذلك الأعمى الذي يمتلك يقين الرؤية لأنه طالع المكنون، ولم يطالع الظنون، إلى انفراد ساحر بتفاصيل طبيعة أكثر سموا، في القسم الثاني ‘أنت زهرة ‘تتداخل أنوار البصيرة مع طبيعة ساحرة، فتصبح كل العلامات مقرونة بترنيمة أبدية للصعود، ‘سأحدثك عن الله، الله الذي مشى بي كل هذا العمر لأجدك مثل نهر، تغتسل فيه الملائكة، بينما طفلة وقفت تصطاد الأرواح، الأرواح، التي تسقط منهم، كلما مست أياديهم الماء ‘في هذا القسم من الديوان حديقة يمكنها الاتساع للملائكة والموسيقى، وصوت أم كلثوم، والثمار، وأسرة تمتلئ بالسكينة، تلك الأجواء التي تجعل من الفرح كرة يمكن تبادلها، ويصير ‘قلبك بالونة لا تعود إلى الأرض’، ويصير ‘صدرك على عكس ماتظنين’، في عالم سيد محمود الشعري تتبادل الأغنيات أماكن الثمار في خفة يحركها الراقص الأول، فتصير هي الشجرة والزهرة والأغنية، ويصير قلبها ابتسامة طفل، وتصير الابتسامة قطعة حلوى، وتصير الصباحات والشمس أجزاء من حبيبة أخرى هو يعرفها، كل مفردات الطبيعة تقمصت دور اللاعب السعيد في الحكاية، يجدر بالحديقة لديه التفاوض بجدية مع السماء، فتصير الشخوص أنبياء، ويصير الغناء إلها آخر، أما الحبيبة فهي ‘تعطي كأم، تمد جذورها كشجرة، ومثل نافذة مشرعة على الأمل، تبتسم في طريقي ‘وتعلم قلبه الإنصات لأنها أغنية ‘وباتت روحي مسرحا، وأنا الأوركسترا والجمهور’، هكذا تمضي الصورة الشعرية على طريقتها في الأوبرا كما يقرر ‘فضحنا الضوء، وسترتنا الموسيقى’، بين الشعر والحبيبة ربيع آخر قديم، يتجلى من تلك المقايضات الصريحة وبينما يشتري لحبيبته أقراطا يعلق قلبه فيها تمارس هي مع قلبه كل أنواع الخلق الجديد، تشتري له مشاعر جديدة أحيانا، حتى في الخيبات يظل المجد هو المعنى الوحيد المبجل ‘عضوان في نادي الخسارة، كل ليلة ندلل للهزيمة، نرى راياتها كالنخيل، نقف تحتها، نحتمي بالظلال، أنا وأنت، الدمع هو مجدنا الوحيد’.في هذا القسم يبدو الله فاعلا أنيقا في الحكاية، ليس متفرجا محيطا، فهو يطعم العصافير ابتسامة الحبيبة، ويترك حدائق التبغ للملائكة، ويمشي به كل هذا العمر ليجدها مثل النهر الذي تغتسل فيه الملائكة، ويفرد الله أيضا أمامها قلب الحبيب كقطعة قماش، تدرك جملة ‘تلاوة الظل ‘أنها لا تشيخ أبدا، لأن صاحبها ‘نام طويلا في الكتب، ظل صافيا مثل ماء الينابيع، لا يشيخ، قلبه نبوءات ترقد قرب وسادتك، وشعره منديل معطر، لا يفارق يدك’، كيف يمكن لجملة أن تشيخ بينما ‘وحدنا نعرف أن النور لا يشيب’، تتحول الحبيبة والإله والحديقة والغناء إلى طاقات نورانية محلقة في الفضاء، يستمد منها راقص المولوية براعته في الانتشاء والتحليق، يداعبها فيبدع، ويتألق في عباءة تحمل بداخلها فيلسوفا آخر يفكر في العلة، ولكن هذا لا يمنعه على الإطلاق من أن يرمي الثمار كلها في السرير، في آخر الليل.لم تشأ لوحة النور المرسومة عبر الديوان أن تجف ألوانها قبل أن تداعب البحر، بقسم ثالث يحاول استيعاب الضوء في رئته ، ويجرب الغوص المحاط تماما بدموع يذرفها الله، ‘في البدء كان البحر، دمعة ذرفها الله، ثم كانت السماء منديلا نديا يمسحها، وأنت الآن بينهما، قمر يضع نجمة في قلب لؤلؤة’، وبينما البحر دمعة، فحسرة الصيادين ضرورة، ووحدة كفافيس أمر لا يقبل التفاوض، وخصوصا وأن الصيادين مجبرون تماما في هذا البحر أن يصيدوا البكاء، هنا فقط يمكن للحبيبة أن تصير سمكة أو سماء، يتنازع عليها البحر والحبيب، ولكن ‘حسم الله الأمر، حين تحدث الصوفي الذي يرتدي الموسيقى، عن معجزة العزف’.يتطلب الأمر إذن بعد كل هذه الرحلة المليئة بإضاءات تعرف طريقها للسماء أن تقتنص الذات الشاعرة المفردات المختلفة وتحاول الانفراد بها في حجرة تمتلئ بالسكينة في قسم أخير بالديوان، ‘موسيقى الحجرة ‘تنبعث بكل تأكيد من ملامح أكثر رقيا وزهوا، تستدرج الجملة مفردات الطبيعة لتلقي بها في مقطوعة موسيقية محتملة فتكون الحجرة تماما مهيأة للنوم، ‘لتبدأ موسيقى الحجرة، الجدران جمهور، جسدك مقطوعة، وأنا عازف وتر’، وتصبح القبلات بذورا نتركها في الطرقات فتنموا أشجارا، فقبلاتها صافية كنبع، وقاطعة كنصل، يجدر بها الوجود، هكذا رسم ‘تلاوة الظل ‘اللوحة الأبدية عبر غرام يستحل النور فيحل به، ورقص يعشق السماء، ونثر العصافير في الصباح، ‘غرامنا، علامة مائية، لا يقوى الآخرون على فهمها، لوحة في متحف قديم، لا يمسها غبار، غرامنا، تلاوة الظل للشجر’. qadqpt