د. صبري صيدم هكذا وببساطة ودونما وازع أخلاقي صدر حكم الإعدام واستعدت جرافات المحتل الإسرائيلي لطحن معلم من معالم القدس الأصيلة في اغتيال واضح لإرث جمع تاريخا من الإنجاز البشري القائم على احترام الإنسان والعقيدة.مأمن الله قريبا في ذمة الله.. المقبرة الإسلامية العريقة والموقع الجامع بين التاريخ والصمود والحاضن لتراث أمة وشعب والذي فيه رقد الصحابة والمناضلين منذ الفتح الإسلامي وحتى عام النكبة ومعهم كوكبة من أبناء القدس في رحلتهم الأخيرة بعد مسيرة مشرفة من العطاء يتعرض اليوم للموت. جاء الناس بنزلائه الأبطال في رحلة راحتهم الأخيرة إلى أكناف بيت المقدس حيث تقع المقبرة فلاحقتهم جرافات إسرائيل بعد قرون لتدوس عظامهم.هكذا هو الاحتلال الذي أراد في تعبيره عن التعايش والسلام أن يدنس جماجم الراقدين الصالحين من خلال تحويل تلك الرقعة التاريخية إلى مشروع متعدد الأغراض دونما وازع أو رادع أخلاقي وبحجة مضحكة يقوم أحد أركانها على الإدعاء بأن المكان سيضم متحفا للتعايش. ليصبح حديقة عامة ومهربا لتنزه الكلاب والقائمة تطول.أي تعايش ذاك الذي يدنس فيه التاريخ بهذه الصورة ويحول معلم كهذا قائم على 200 دونم من الأرض إلى مشروع إنشائي يحوي قائمة طويلة من المنشآت التي يسترق فيها الاحتلال الصمت فيسابق الزمن لتغيير طبيعة المكان، مختبئاً وراء صفائح معدنية تقيه من كاميرات الصحافيين الباحثين عن الحقيقة؟ نزلاء المقبرة هذه شكلوا إرثا مشرفا لا يميز بين البشر لا عرقاً ولا لوناً ولا دماً ولو أن أحداً منا تجرأ على تجاوز حقوق الإنسانية فيعتدي على مقابر اليهود لوجد في أخلاقيات النزلاء هؤلاء ما ينهره ويمنعه من التعرض إلى أهل الكتاب. فالمسلم من سلم الناس من لسانه ويده.التعايش الحقيقي الذي تبحث عنه إسرائيل لن تجده في الحانات والاصطبلات وبيوت الراحة التي ستبنيها في مأمن الله وإنما في إنهاء الاحتلال والإيمان بالعدالة المشروعة للشعب الفلسطيني الذي يرفض هذا الاحتلال ولا يرتضيه ولا يقبل به لا بالقوة ولا بالترغيب.مأمن الله معركة الميت مع الجائر وحرب العظام مع جنازير الجرافات. لكن التاريخ العربي يضم في ثناياه قصة لجمجمة قتلت جائراً تماماً كما هي قصة الشاعر الملقب بالشنفرى.إن الاحتلال وبقتله لمأمن الله سيكون قد أطلق النار على الإنسانية قاطبة لأن مدارس البشر الأخلاقية ترفض أن تقام ركائزها على عظام الآخرين.. فهل يستفيق العالم الحر لنجدة مأمن الله أم ننطق الشهادة من جديد.. على روح الخالدين المقتولين من جديد؟’ كاتب فلسطينيqmd