كل عام وأنتم بخير.. إنتفضت الأمّة وثارت، واستطاعت أن تسقط بن علي ومبارك والقذّافي والعراق وسورية، بإصرار ومثابرة. وسواء كانت مقوّيات الثورات وفيتاميناتها، محلّية أو من منتج السوق الحرّة العالمي، فإنّ الشعب العربي قد قال كلمته للعالم، ولا شك.
لا يهمّنا أن يكون العالم قد فهم ما أردناه، أو أن نكون قد فهمنا على العالم ما يقول، وما يريد من عالمنا العربي؛ الله أكبر ولله الحمد، فإنّ الإنجازات للثورات العربيّة تفرض نفسها على أية حال، فلقد وهِبنا ديمقراطيّة الصندوق الإنتخابي، وسنُمطَر، بإذن الله، العدل بصلاة الإستسقاء وصلاة الغائب.
إنّ من أهمّ إنجازات الثورات العربيّة، هو إثباتنا للعالم كلّه على أنّنا شعب حيّ وَلود، وأنّنا علامة فارقة، كالشعرة البيضاء في جلد هذا الثور الأسود، الذي اغتصب أرضنا ودنّس مقدّساتنا، ولم يعبأ بكلّ ما قدّمناه له من المبادرات والمفاوضات والخطابة، لِيفهم ويَستيقن، أنّنا أصحاب هذه الأرض؛ ولكنّه لم يُؤمن لنا بعد! حجّتنا معنا فلا نخاف ولا نحزن، وليس للثور الأسود حُجّة.. ولم يَخش علينا رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، من الكفر بعد فتح مكّة، إلاّ الدنيا نتنافسها، بالفساد والرذيلة والجشع والخطيئة والكذب والتآمر، والحمد لله والله أكبر، فلقد مُكّن للطواف والسَعي والحج والعمرة، في مكّة المكرّمة، الأمن والأمان، بضمانات أمريكيّة حديديّة حاسمة، وبتمويل ربّانيّ من الأرض المباركة، وليس هناك ما نخشى إلاّ قليلاً من قطر، وجميع التنافس المحرّم!
إنّنا شعرة بيضاء، فهاك يا أيّها الثور الأسود آثار بابل ونينوة وحضارة ما بين النهرين، خذها خفية أو علانية، واحتفظ بها وافحصحها جيداً، فستريك آثار من هُزموا على شواطئنا، ولعلّك تتعرف بها على أنّنا أصحاب هذه الأرض، وأصحاب الملاحم والهزائم والملاحم الأخرى والهزائم التي تبعتها، فإنّك لا تستطيع أن تأخذ النهر والبحر والشاطئ، سنظلّ نُنغض أعيننا إلى أعلى وإلى أسفل، ونطأطئ برؤوسنا ونهزّها، حتّى تذهب عنّا أو تستدلّ على أنّنا أصحاب هذه الأرض؛ ولكنّه لم يؤمن لنا بعد!
لدينا الكثير لنعطي في سبيل هذه الأرض، فتراثنا عظيم ومنتشر، هاك خذ عمّوريّة والمعتصم، بل خذ معك خلافة الأمويين ومسجدهم، فلقد أثير لغط بسيط عليهم، ولكنّك لن تستطيع أن تُزهق جميع الصور لمسجد الصخرة المبنيّ في زمن مروان بن عبد الملك، ولو أنّه ما زال في قبضة أنصار خيبر. لنا الأقصى في خطّة السلام المرجوّة، ولا أقصى للثور الأسود.. ولكنّه لم يؤمن لنا بعد! الثور الأسود عنيد، لا يريد أن يقتنع أو أن يؤمن لنا، إنّنا أصحاب هذه الأرض، ولكن، منّا من قد دخل بعض اليأس عليه، فالناصريّة خسرت ‘شافيز’، فتأثّر الدعم المُقاوم من فنزويللا، وقد مات عبد الناصر ونهرو وتشاوتشيسكو؛ والليبراليّة قد خسرت بعض المقاومين، في محاكمات الهام شاهين وعادل إمام وباسم يوسف، وانسلخ عنهم فضل شاكر، فتأثر الفنّ المقاوم، وقد مات تشكوكو وشرنّو وشكرالله والعِزَبي، والشيوعيّة قد تقاسمتها الصين والهند وإفريقيا الجنوبيّة والبرازيل، وغاب عدم الإنحياز، واستُبدل بعدم الإستعباط، وتأثر معه العَون المُقاوم؛ والإسلاميّون بدورهم قد أصيبوا بدوار الترجمة الجديدة والمفاهيم المستحدثة للدين، وقرؤوه وضلّلوا مفهوم الشجرة المباركة في القرآن الكريم، لا شرقيّة ولا غربيّة، وخسرنا المدد الإلاهيّ، وشاع التكفير وسال الدم وانتشرت الرويبضة ولم يسلم إلاّ لُكع ابن لُكع وثُلّة من أهل خيبر وبعض الأصدقاء في باريس ونيويورك وبروكسل. إلاّ أنّ الثورة مستمرّة، والحضارة راسخة، وفي الدين ما نستطيع أن نُقَولبه أو نُقلّبه حسب ما يقتضيه الصندوق الإنتخابي الديمقراطي المقدّس، أو حسب ما تقتديه الإرشادات البتروليّة للحفاظ على الأمن القومي والإسلامي.
إنّه التنافس الحر، والجيوش الحرّة، في زمن الإرشاد المقدّس الباطل، لا شَرقيّ يوحّد ويؤازر، ولاغَربيّ يتّحد ويُعاون، لأمّة كان يجب عليها أن تكون حرّة، داخل الصندوق أو خارجه، وحرامٌ عليها، ونكرةٌ، أن لا تكون العلامة الفارقة المضيئة لكلّ العلامات!
طلال محمود شعبان