رجاء بكريّة( في ذكرى محمود درويش) انا كما انتم في هذا اليوم، اضَعُ قلبي في كفّي الواحدة، وشوقي في كفيّ الثّانية، وامدُّ الهُدبَ الى الحَبَقِ الاقربِ لتاريخِ يقظَتِهِ، فيشتَعِلُ بينَ الكفّينِ جمْرُ الوَرَقْ.
هذا ما ايقظَهُ عِطرُهُ فينَا، الجَمْرُ في بردِ الارَقْ.
لا اجِدُ اليومَ مناسبَةً للاحتِفَالِ، ولكن مُنَاسَبَةً للامتِنَانِ لِزَهْرِ الارصِفَةِ الّذي بعْثَرَ فضاءاتِنا في تلكَ الامسيَةِ البَعيدةِ، ولمّنَا على مَوْجِ فِتْنَةٍ، لا تزالُ، الى يومِنا هذا لهفَةُ انتِصارِ للمتخيَّلِ على الالمْ.
جِئتُ من كرمِلِ الياسمينِ ونوّارِ الدُّفلى الّذي احَبَّهُ محمَّلةً ببوحٍ يرشُحُ الانَ من كتِفي عَبِقا. يتلفَّتُ متسائلا عن مصيرِ امراةٍ ضيَّعَت عِشْقا خبّاتْهُ في عُبِّ لهفِها، ومُدُنٍ تَحْتَ ازْرارِ ثَوْبِهَا، وقسَمٍ تَحْتَ دفءِ قِرْطِها، ملبَّكا ذائبا تحْتَ وَهْجِ نَفَسِهِ.. رجُلُ الصّباحاتِ الماطِرة. يقُولُ لي ‘قلبي انتِ’ فَارى قُلوبَ كونٍ بعيدٍ تتكاثَر في صدرِي عناقيدِ بَلَح. يمسَحُ قلبَهُ على طيّ مرفقِي، مثل عجينة تعدّها امّي فجرا لمنقوشة الزّعتر، فاحسُّ العالمَ قلبا واحدا نامَ هناك، وانسَحَر. ينتصِرُ الطّنينُ على الهمسِ، تُغيرُ اسرابٌ من خَنَافِسَ الحظِّ على عنقي، يلمّها بسحابِ عينيه فيزداد المطلقُ انتصارا على الابد. هكذا كان، في كلّ صباح يرسِلُ الى دَرَجِي المعلَّقِ زُغْدَةً من اعوادِ القرفةِ وكمشةً من صراصيرِ اللّيلِ كي تغنّي وَاهْدا. انّها ككلِّ النِّساءِ اللّواتي اتينَ الى وَرَقِه، ورَسَمنَ دفيئاتٍ لم يطاهَا عِشقُه. لحظة تعبّاني القرنفلُ اشواقا موزّعة الحرفِ على دُرُوبِ رجوعِه، قرّرتُ الا اجعَلَ هذه الامسيَةِ حقلا جاهِزا لِرَقصِ الفَراشِ في عَيْنِ المُخمَل، ولكنْ كَرْمَ ليمونٍ جاهِزٍ لسِحْرِ النَّحْلِ، وهوَ يُجَمِّعُ في ريقِهِ عَسَلَ القلبِ الاشْهَلْ. فدرويشُ الّذي يُشْعِلُ فرَحَنَا الانَ انحازَ لِاثَرِ السِّحْرِ والنّبوءة في تَعويذاتِ الاجل. وانحَازَ للممكِنِ في جُرحِ الهَزيمةِ، وللقادِمِ في تفَاصيلِ الذّاهِبِ، وللعَوْدَةِ في وجَعِ النُّزوحِ، وللتّاريخِ في هَيْكَلَةِ الجُغْرافيا، ولِانتصارِ اللهِ على كَذِبِ الاسطورة.
لم يُقَدِّسْ لئلّا يُقَدَّسْ. لم يضع خَتْما على فَمِ الكَلمة لئلا نقولُ توقَّفَ بعدَهُ الحبرُ. ولم يترُك تاجا لئلا نختلفُ على ايٍّ يكُونُ فينَا، من بعدِهِ، المَلِكْ. لم يسطِّرْ غيرَ رؤيَا بعيدة لمعرَكَةِ الامَل، ليظلَّ يشغَلُنَا البَحْثُ بينَ شِراراتِ الغيمِ عن مَوعِدٍ غَراميَ لِنُزولِ المَطَر!
كلُّنا يَمْلِكُ ميراثا واحِدا، مِفتاحُ امَل حينَ يتوقَّفُ الوريدُ عن الدّفق!
لن يُعجِبُهُ ان نقُولَ ‘ذَهَبَ شاعِرُ الشَّفَق’، ولكن ‘حضَرَ شاعِرُ العَبَق’، فلو كانَ الابدَاعُ يُقَاسُ بِغَمْرِ ما نَجمَعُهُ من سُنبُلاتِ الحُقولِ لِنَزُفَّهَا لِبَيَادِرِ اواخِرِ النّهَارِ، لمَا سرَقَ القُندولُ من نهاراتِ الضّجرِ، وليلِ الخَفْقِ تلكَ العُصارةِ النّادرة لِدوَخانِ الرّوحِ وتيهِ المخيِّلة لكلِّ وقتٍ ولكلِّ زَمن. فحينَ يعبِقُ الحَبَقُ يَقصُرُ عُمْرُ الشَّفَق!
كلُّ هذِهِ الفِتْنَةِ ترَكَهَا لَنَا لنصنَعَ بُنّا نذوِّب بهِ قصيدَنَا، ونرشُّ بِهِ تيمُّنا عَلى حَصِيدِنَا. نسجِّلُ مُدُنا، نَبني وَطَنا على رمالٍ بحارٍ بَقيت لَنَا. نَحفِرُ نِساءً في رغوَةِ المَوْجِ، ولو على خطا هبّت عاصفةٌ، واختطفت خلاخيلَهَا وراحَتْ. فالعَواصِفُ لا تُحِبُّ اللُّجوءَ. انَّها تعُودُ لنَفهمَ انَّهَا قادِرة! * روائية وفنانة تشكيلية