لغة الضاد تئن.. فهل من منصف؟!

حجم الخط
0

إن اللغة العربية أداة التعارف بين ملايين البشر المنتشرين في آفاق الأرض، وهي ثابتة في أصولها وجذورها، متجددة بفضل ميزاتها وخصائصها. فللغة شأن كبير وقيمة عظيمة في حياة أي أمة من الأمم. وعن طريقها وبواسطتها، اتصلت الأجيال العربية جيلا بعد جيل في عصور طويلة، وهي التي حملت الإسلام وما انبثق عنه من حضارات وثقافات، وبها توحد العرب قديما، وبها يتوحدون اليوم ويؤلفون في هذا العالم رقعة من الأرض تتحدث بلسان واحد وتصوغ أفكارها وقوانينها وعواطفها في لغة واحدة، على تنائي الديار واختلاف الأقطار وتعدد الدول. إن الجانب اللغوي جانب أساسي من جوانب حياتنا، واللغة مقوم من أهم مقومات حياتنا وكياننا، وهي الحاملة لثقافتنا ورسالتنا والرابط الموحد بيننا والمكون لبنية تفكيرنا، والصلة بين أجيالنا، والصلة كذلك بيننا وبين كثير من الأمم.وأورد هنا بعض الأقوال لبعض العلماء في أهمية اللغة العربية: يقول الدكتور عبد الوهاب عزام: ‘العربية لغة كاملة محببة عجيبة، تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطرات النفوس، وتكاد تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ، كأنما كلماتها خطوات الضمير ونبضات القلوب ونبرات الحياة’. ويقول مصطفى صادق الرافعي: ‘إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به، متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكما’.ويقول الدكتور طه حسين : ‘إن المثقفين العرب الذين لم يتقنوا لغتهم ليسوا ناقصي الثقافة فحسب، بل في رجولتهم نقص كبير ومهين أيضا’. وهذا ما يدعونا إلى الفخر بأننا أبناؤها وأحفادها وأصحابها. ولكن بعضنا- وما أكثرهم- يتنكر لها، ويظهر جحودا بشأنها، ما أبشعه من جحود.إن بعضنا يسيء إلى اللغة العربية أيما إساءة، عندما يرسل أولاده إلى المدارس الأجنبية، لكي تكون لغته الأم هي اللغة الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية، وتكون اللغة العربية هي اللغة الثانية أو الثالثة، أليس هذا امتهانا للغة العربية من أهلها وفي بلدها؟كما أن بعضنا يتباهى ويفتخر بأن ابنه يدرس في مدارس أجنبية، و’يرطم’ بالإنكليزية أو بالفرنسية، ولم يخطر على بال أحد منا أن يفتخر ويتباهى بأن ابنه يدرس العربية، لغة القرآن، ليتمكن منها أولا، ثم بعد ذلك يتمكن من اللغات الأجنبية الأخرى.لست ضد تعلم اللغات الأجنبية، وليس أحد ضد ذلك بالطبع، فقد حث الرسول – صلى الله عليه وسلم- على ذلك فقال ‘ من تعلم لغة قوم أمن مكرهم’، ولكن المقصود من كل ذلك أن تكون اللغة العربية هي الأصل وهي الأساس، ولا نفتئت عليها بأن يتم تصعيد لغة أخرى على أكتافها، وأين؟ في بلدها ووسط أهلها وناسها!تمكن من لغتك الأصلية أولا، وقف على ناصيتها، وكن خبيرا بها ، كي تقول: خبير أنا ولا ينبئك مثل خبير، ثم بعد ذلك اتجه إلى اللغات الأخرى، انهل منها كما تريد، فإنك بذلك تكون قد جمعت بين الحسنيين. أكاد أجزم بأن هذا لا يحدث في أي دولة من دول العالم، تعتز بلغتها القومية وتحرص عليها من الزوال والاندثار.فالإنكليزية ملكة متوجة في بلادها التي تتحدث بها، وفي غير بلادها كذلك، وكذلك الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية… إلخ. هل يوجد في هذه البلاد مدارس لتعليم اللغة العربية كما يوجد عندنا؟ وإن وجدت، فإنها تكون لتعليم أبناء الأقلية من الجاليات العربية.وعندما تتحدث مع شخص أو تتناقش معه حول موضوع ما، يتعمد أن ينطق وسط الكلام بكلمات إنكليزية، لكي يثبت أنه مثقف. أفلا يدل على الثقافة القومية إلا كلمات من لغة أخرى وليتها سليمة ولكنها مكسرة؟ أفلا تنفع الكلمات العربية الفصيحة، وسط ركام العامية الكاسح، وسيلها الجارف، لتدل على ثقافة الواحد منا؟لك الله أيتها اللغة العظيمة، كم تتحملين منا كل هذا التنكر والجحود! ورحم الله علماء ديننا الحنيف الأوائل، فقد سموا اللغة العربية ‘علم الآلة’، أينفع النجار بشيء دون آلة النجار؟ أيستطيع الجراح البارع استئصال الآفات دون آلة الجراح؟ أيصطاد الصياد شيئا دون آلة الصيد؟ فمن ضيع علم الآلة، كان لما سواه أكثر تضييعا.حقا ما أعظم لغة الضاد، وما أرفع شأنها، وما أسمى قدرها، وإن تنكر لها أهلها ردحا من الزمن، وإن أهملها قومها حينا من الدهر. يا سادة إن اللغة تئن ألما، وتعتصر حزنا على ضياع السليقة، فهل من منصف؟صلاح غرابqmn

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية