لقد دأب التقليد الغربي الحديث للسياسة، على ربط الفعل السياسي بما هو تصور للحرية في العلاقة بالجوانب الموضوعية؛ بمعنى أن مطمح الحرية لا يتأتى الا في علاقة جدلية ‘بالواقع’، وأقصد هنا بالواقع كمتحدد سوسيوسياسي وليس الواقع بالمفهوم الطبيعي الجغرافي، ولنسمي الأمور بمسمياتها أي العلاقة بجهاز الدولة. ونصبح من هنا امام تصور يربط السلطة بهذا الجهاز، وبمعنى آخر ان الحرية لا تتأتى الا في الدخول في علاقة جدلية مع الجهاز المسمى، وذلك وبإعتبار الدولة هي السالب للحرية الفردية والجماعية، هذا النموذج نجده في الطرح الماركسي، مع ماركس الاقل ناهيك عن باقي الماركسيين الى حدود ماو تسي تونغ والذي سيحدد مفهوما جديدا للصراع والتناقض. ابتداء من القرن العشرين ومع تطور العلوم الاجتماعية والإحيائية ظهرت تحليلات جديدة للسياسة والسلطة عموما، وكيف أن السلطة لم تعد محصورة في جهاز الدولة، واصبحنا امام تصور يعطي الاهمية للعوامل الذاتية، بل انه لا يعترف بالعلاقة (ذات/موضوع). إن هذا التحديد الجديد للسلطة الذي برز في الفكر المعاصر كان بالاساس نتاج تأثيرات المنهج البنيوي على الصعيد ‘العلمي’ والاخلاقي، يظهر هذا الامر بالخصوص في ما يسميه ميشيل فوكو بالبيولوجيا السياسية، ومفهوم ميكروفزياء السلطة كما تصورها المفكر الفرنسي. وعليه نصبح كما قلنا سلفا أمام تصورات جديدة عن السلطة لم تعد تبرز فقط المتحددات الثنائية (حاكم/محكوم) (دولة /شعب)، بل اصبحت السلطة متشظية ومنتشرة، فحيث ما وجدت الحياة توجد سلطة، كالسلطة بين الاب والابن والصديق وأصدقائه بين الزوج وزوجته. وهذا المثال الاخير هو ما يعنيني بقوة في الافكار التي أنا بصدد كتباتها. ان الصراع بين الرجل والمرأة، أو التفاوت بين الرجل والمرأة، ليس تفاوتا بالمفهوم التاريخي، أقصد بالتاريخي التصور الطبقي الاجتماعي. لقد حددت الماركسية من خلال كتاب المادية التاريخية على وجه الخصوص، ان هذا التفاوت حدث في مرحلة المشاعية البدائية الثانية؛ اي عندما انتقل نمط الانتاج من قطف الثمار الى مرحلة الاستقرار والزراعة كنتيجة بالأساس إلى اكتشاف النار، هذا التطور أدى الى تحول الاسرة من الاميسية الى الابيسية. اي ان نمط الانتاج القائم على قطف الثمار من الاشجار لعبت فيه المرأة الدور الاساسي. وبعد اكتشاف النار تغير شكل الانتاج الى الحرث وتدجين المواشي وهذه المهمة أصبحت ملقاة على عاتق الرجل. ان هذا التحليل الماركسي رغم أهميته العلمية الا انه غير كافي لتحديد جوهر الصراع حول السلطة بين الرجل والمرأة . ذلك ان التفاوت الذي بين الرجل والمرأة، هو تفاوت طبيعي أكثر مما هو تمايز تاريخي ا ثقافي . قد تأخذ وضعية المرأة أشكال ثقافية أي رمزية، يظهر هذا الامر في الاديان على وجه الخصوص وبالتدقيق في التأويلات الثقافية للشرائع والمعتقدات. تأويلات تكون ذكورية بالأساس، تركز سلطة الرجل وتجسد منطق الضبط والتطويع الذي يمارسه الرجل على المرأة، هذا المنطق ليس فقط تاريخي أو ثقافي، بل هو طبيعي، أي ان من طبيعة الرجل في علاقته بالمرأة هو سعيه الدائم للسيطرة على عليها وتطويع جسدها، والتطويع هنا مرادف للطاعة أي الإخضاع اما بشكل مادي أو رمزي. من هنا كانت الاسرة الأبيسية البناء الاساس الذي كرس القمع والعنف بجميع اشكاله، ذلك ان الاسرة مع هذا النموذج أصبحت تسير من طرف الرجل سواء الاب أو الابن الاكبر. ويمتد هذا الامر حتى في العلاقة بالسلطة في شكلها البيروقراطي، نأخذ نموذج المخزن المغربي مثلا، كيف أن الظاهرة القائدية من خلال الشكل القمعي السلطوي جسدت شكلا معينا للتسلط البيروقراطي المخزني. ونجد ها النموذج القمعي يتسرب حتى الى النموذج الصوفي المغربي من خلال العلاقة بين الشيخ والمريد في الزاوية، علاقة أساسها الخضوع والتسلط الى درجة أن يتقمص المريد دور الأنثى أملا في إرضاء شيخه. ان الثقافة العربية في ابعادها الاستبدادية أسس لها الرجل بشكل جوهري، ويظهر هذا الامر في علاقة شهريار ببنات رعيته وعلاقته براوية الف ليلة وليلة شهرزاد. ان الحرية التي طمحت اليها المرأة ليست هي الاخرى تاريخية (اجتماعية)، ولا حتى رمزية بل هي طبيعية، اي انه من طبيعة الأنثى السعي الدائم للحرية، وانا هنا اتحدث عن حرية وفق منظرو أخلاقي، ولا أقصد الفهم المائع والمبتذل.فمن سيكولوجية المرأة السعي الى الحرية، ونأخذ مثال حنا أرندت في ربطها للسياسة والسلطة بالحرية فهذا الامر ليس مطلب علمي أو موضوعية فقط طمحت إليه الفيلسوفة، بل ان هذا الامر من تجليات الامتدادات السيكولوجية لرهان الحرية الذي سعت اليه المرأة بطبعها وتجسد هذه المرة في فكر حنا أرندت. حاصل القول ان الاستبداد الذكوري، هو من محددات بل من الاساسات البنيوية الي تجسد القمع الذي يطال النساء وحتى الرجال. في حين كانت المرأة تجسيد لرهان الحرية. أشير هنا كذلك بالمكانة التي حظيت بها المرأة في البنية الصحراوية، على الاقل عند فئة معينة من الصحراويين، وهذا الأمر يظهر في نظام الخؤولة في المجتمع الصحراوي، ويظهر كذلك في المثل الحساني ‘للي جاع يكيس أخوالو وللي نفكع يكيس أعمامو’. وفي الثقافة الصحراوية فقد كان الاخوال هم رمز ما يسمى بالحسانية ‘بالخصارة’ أي الدلال، كانت هذه التمثلات من الدوافع الرئيسية لعشق الانسان الصحراوي للحرية الى يومنا هذا، بل انه ولا يزال كذلك فالمرأة هي رمزالحرية، الحرية التي تنعكس حتى على الرجل نفسه.ماء العينين ماسيك[email protected]