عبد العلي حامي الدينالدبلوماسية الحزبية أصبحت مرادفة للخطاب السياسي المتداول في الساحة المغربية، وهناك الكثير من الانتظارات المتوهمة الملقاة على عاتق الفاعل الحزبي في هذا المجال، وكلما أثيرت قضية الصحراء المغربية، إلا وتهرول ‘كاميرا’ التلفزة نحو الأحزاب السياسية لأخذ تصريحات قيادييها التي تكرر عادة بعض العبارات التي سبق أن وردت في خطاب ملكي. في كثير من الأحيان يحلو لبعض الإعلاميين أن يحرجوا ضيوفهم من قيادات الأحزاب السياسية بسؤال ملغوم لا يملكون جوابا صريحا عليه: ألا وهو ماذا قدم حزبكم لخدمة القضية الوطنية، ولماذا لم تحركوا دبلوماسيتكم الحزبية للتأثير في هذا القرار أو ذاك؟والواقع أن السياسة الخارجية للدولة تصنعها مؤسسات الدولة على أعلى مستوياتها وتقوم الدبلوماسية الرسمية بتصريفها بالكامل أما العمل البرلماني والحزبي فلا يمكن له إلا أن ينخرط في السياسة العامة للدولة المعتمدة على المستوى الخارجي وذلك على أرضية المصالح الحيوية والثابتة للدولة…المشكلة في المغرب ذات طبيعة مزدوجة، ذلك أن الدبلوماسية الحزبية يكون لها دور في الأنظمة الديموقراطية التي يتمتع فيها الحزب بمكانة محترمة من الناحية المؤسساتية أما في الأنظمة التي تقوم فيها الأحزاب بأدوار هامشية ولا تتمتع بالسلطة الحقيقية حتى ولو فازت بالانتخابات وينظر فيها إلى العمل الحزبي باحتقار واضح فلا قيمة للدبلوماسية الحزبية حتى ولو اعتمدت خطابا تصعيديا كما نتابع في البرلمان المغربي بغرفتيه..في المغرب لا تشرك الأحزاب إلا عندما تقع الكارثة أما في الظروف العادية فإن المجال الدبلوماسي هو مجال محفوظ لأهله…يضاف إلى ذلك أن صورة المغرب اليوم في الخارج بدأت تتطور من صورة دولة تعتمد أسلوبا عتيقا في الحكم لم يستطع أن يطور نفسه عبر إصلاحات سياسية ومؤسساتية عميقة تعيد الاعتبار للمؤسسات التي تسمو على الشخص وتضمن كرامة المواطن المغربي وتحترم حقوقه الأساسية، إلى صورة البلد المستقر الذي استطاع أن يرسم منهجا مختلفا في كيفية التعاطي مع دينامية الربيع العربي، وأن يعتمد أسلوب الحوار والاستشارة العمومية لفرز دستور أكثر ديموقراطية من الدستور السابق، وأن ينظم انتخابات أكثر نزاهة أتت بحزب معارض إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.قبل تشكيل الحكومة الحالية، سجل العديد من المراقبين تخوفات حقيقية لدى العديد من المراقبين الدوليين من تراجعات منهجية عرفها المغرب في السنوات الأخيرة سواء على المستوى السياسي أو الإعلامي أو الاقتصادي أو الحقوقي تنبئ بهيمنة جناح داخل السلطة يؤمن بضرورة ضبط المجال السياسي والتحكم في الفضاء الإعلامي، والتحكم في الثروة الوطنية، وبأن منسوب الحرية والانفتاح الإعلامي الذي عرفه المغرب في السنوات الأخيرة بدأ بالتراجع أمام استراتيجة الضبط والتحكم التي ينهجها البعض للهيمنة على المجال السياسي.. وكانت هناك تخوفات مشروعة من أن المغرب بدأ يحذو حذو بعض الدول العربية في ضبط المجال السياسي وانتهاك حقوق الإنسان.والمشكلة الثانية أن سلوكنا الدبلوماسي في كثير من المحطات يبدو مطبوعا بالنرفزة والانفعالية ويفتقد إلى التقدير الدقيق لحجم الربح والخسارة، وهكذا أفلحت الدبلوماسية المغربية في ظرف وجيز في توتير العلاقة مع عدد من الدول المؤثرة وصلت إلى درجة جمود العلاقات مع دول صاعدة من حجم إيران وجنوب إفريقيا…كما نتابع اليوم خطابا تصعيديا تجاه إسبانيا لن يحل مشكلتنا مع هذا الجار المفروض علينا جغرافيا ولن يسهم إلا في دعم اليمين الإسباني وتسويغ مواقفه المتطرفة ضد المغرب..إن قطع العلاقات هو أسهل شيء في المجال الدبلوماسي، لكن الصعوبات تكمن في بناء العلاقات وتطويرها ورعايتها وحماية المصالح الوطنية بالدرجة الأولى، مع امتلاك القدرة على التحكم في عواطفنا وانفعالاتنا..إن نقد السياسة الخارجية المغربية اليوم، يتطلب منا أن نعبر بصراحة على ما يلاحظه الكثير من المراقبين من أن هناك تراجعا واضحا في الحضور المغربي في السياسة الدولية وتوجها غير مفهوم نحو اعتماد سياسة احترازية غير مجدية في عالم محكوم بلغة الانفتاح والاعتماد المتبادل…هذا التراجع الذي يجسده ضعف تمثيلية المغرب في أغلب القمم العربية التي نظمت في العشرية الأخيرة وفي العديد من المؤتمرات والملتقيات الدولية الهامة، وزهد المغرب في تنظيم أية قمة عربية منذ أزيد من 15 سنة إلى الآن..وهو توجه يبدو بأنه ذو طبيعة استراتيجية، لكنه للأسف الشديد لن يخدم قضايانا الوطنية وسنكتشف بعد حين بأننا مطالبون بإقناع العالم بعدالة قضيتنا في الوقت الميت..في العلاقات الدولية ليست هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة ولكن هناك مصالح دائمة، وتقدير هذه المصالح يتم من طرف كبار المسؤولين في الدولة على ضوء حجم الأرباح والخسائر التي تجنيها الدولة في علاقاتها مع غيرها من الدول، وتعمل السياسة الخارجية على حماية هذه المصالح ورعايتها وتجند لها الدول الذكية إمكانيات دبلوماسية هائلة…إن مفتاح العقدة مرة أخرى هو الديموقراطية ولا شيء غير الديموقراطية..كيف ذلك وبأية مداخل؟ ذلكم هو السؤال الحقيقي المطروح على النخبة المغربية اليوم بعدما تنتهي سمفونية الإجماع من صخبها الذي لا يشجع على التفكير الهادئ المطلوب في ساعة الأزمات.. ‘ كاتب من المغربqraqpt