د. خالد شوكات لم يفلح العراق الجديد بعد عشر سنوات من سقوط حكم صدام حسين، في بناء الدولة الديمقراطية القابلة للعيش، فالجميع في العراق اليوم يعلم قبل كافة المهتمين بتجربته وشؤونه، ان النظام الديمقراطي القائم ما كان له ليستمر يوما واحدا لو انه اخرج من غرفة الإنعاش التي وضع فيها منذ أيام الحاكم ‘بريمر’ إلى يوم الناس هذا، أو قرر رعاته والمستفيدون من وجوده حتى ولو كان رجلا خائر الجسد مريضا، رفع أجهزة التنفس الاصطناعي عنه. و لا تملك إلا دول قليلة في العالم العربي، وربما العالم بأسره، هذه الرفاهية في معايشة ديمقراطية فاشلة لمدة عقد كامل من الزمان، فتكاليف الديمقراطية العراقية الفاشلة باهظة جدا ليس بمقدور أي شعب تحمل تبعاتها، وهي على سبيل المثال ليست متاحة أمام الشعب التونسي أو الشعب المصري، الذي لو قدر لديمقراطيته الفاشلة حاليا ان تستمر سنة أخرى أو سنتين لوصلت حالته إلى الخراب التام بانهيار الاقتصاد وتوقف دواليب المرافق العامة عن الدوران وعموم الفوضى التامة أرجاء البلاد. ويحق لكل من تحمس لتجربة العراق الجديد وتحمل بحب معاناة الدفاع عنها، ان يتساءل بكل براءة عن جدوى ديمقراطية ليس ثمة من ضامن لاستمرارها سوى ريع النفط وحراسة المحتل الأجنبي الذي غادر شكلا ولم يغادر حقاً، وقد يجبه أحدهم بقوله ان يمول ريع البترول الديمقراطية خير من ان يمول الديكتاتورية، وأما عن حراسة الأجنبي فقائمة في الحالتين، وما فارق العرب التبعية سواء كانوا في دائرة الظلم أو في دائرة المظلومية. غير ان هذا الحال لا يسري على بلد كالعراق، في حجم تاريخه وحضارته وإنسانه وموارده، كان يعتقد ان ما كان ينقصه لتحقيق نهضته سوى الحرية، فبدا وكانه طيلة السنوات العشر الماضية قد ضيع مشروعه النهضوي مع تحقق شرط الحرية، حتى وجدت هذه الحرية نفسها بعد معايشة العراقيين للفشل الذريع المتعاقب بلا معنى، أو بالأحرى بلا فائدة أو مصداقية، ثم ما معنى هذه الحرية العاجزة عن تحقيق الأمن وإيقاف هدر الدم ووضع حد لتفجيرات الإرهابيين التي ما انفكت تحصد رؤوس الغلابى والمساكين، ممن شكلوا وقودا لحروب الديكتاتور، ويشكلون طيلة العشر سنوات الفائتة وقودا لحروب الحالمين بإعادته. وتشكل المنطقة الخضراء العنوان الأبرز لغرفة الإنعاش التي جرى تجهيزها بأحدث الأدوات الأمريكية والأجنبية للإبقاء على رجل الديمقراطية المريض حيا، على الرغم من شلل الدماغ والقلب وباقي أطراف الجسم، إذ من الغريب حقاً ان يقبع رجال الحكم والمسؤولون المنتخبون ديمقراطيا كل هذا الوقت غير قادرين على ممارسة وظائفهم إلا من وراء بروج مشيدة وحراسات متعددة وأجهزة أمنية تكاد تشبه أجهزة الديكتاتور من حيث حصر واجبها في حماية الحاكم لا المحكوم. ولقد كان اختيار نظام الديمقراطية البرلمانية من باب الحرص على القطع مع ثقافة النظام الرئاسي الاستبدادي، غير ان انقسام النخب العراقية وفقا لكافة أنواع الانقسام التي جبل الله الناس عليها، دينية وقومية ومذهبية وطائفية وأيديولوجية وسياسية وفكرية ومناطقية وحزبية، جعل التوصل إلى بناء مؤسسات الحكم بعد كل انتخابات شبه معجزة لا تتيسر عادة إلا بتدخل العم السام وقرصات اذن من هنا وهناك، وليتها كانت مؤسسات مستقرة قادرة على المضي في تنفيذ برامج محددة تحقق للشعب بعض انتظاراته، إذ ما يبرح الراعي الرسمي يغادر لقضاء شؤون أخرى في دول ثانية، حتى يعود الساسة سريعا في بغداد والنجف واربيل والموصل وغيرها من مدن بلاد الرافدين العامرة الحائرة، إلى ألعاب شد الحبل وكسر العظم والمناورة والمداورة التي أفرغت العملية السياسية من كل معنى، وجعلت هذه النخب البائسة في غالبيتها فاقدة لأي قيمة أو مصداقية في نظر العامة. و يحضر ريع النفط، الذي ما كان في بلاد العرب إلا فيما ندر على أهله غير نقمة، ليمعن في إفساد الأخلاق وتمييع المعاني السامية للديمقراطية، حيث تتحول العملية السياسية إلى آلية لتوزيع الغنيمة الريعية، لتحل مكان قيم الشفافية والكفاءة والمهنية واحترام القانون والمحاسبة، عادات المساومة والتغطية المتبادلة على الفساد وتبادل المنافع والمحاصصة وشراء الذمم والضمائر والأصوات، تماماً كما تحولت الحرب الأهلية في بعض الدول الفاشلة إلى اقتصاد ومصدر للارتزاق واستغلال للدول المحيطة ذات المصالح في مسعاها لإيجاد موطن قدم والحفاظ على مركز تأثير. و اذكر أنني كتبت مقالا نشرته صحيفة الحياة يوم 9 نيسان/ أبريل 2003، قلت فيه حينها ان ‘أي بديل لن يكون أسوأ’، وكان قلبي معلقا حينها برغبتي العقلية والعاطفية الجائحة في ان أرى العراقيين أحرارا وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، لكنني اعتقدت في نفس الوقت ان الحرية ستفك عقال العراق فتعيده إلى دائرته أنفع وأقوى، وستجعله قاعدة لنهضة علمية وحضارية يستحقها بما يرده مثلا يحتذى في المنطقة ونموذجا ينسج على منواله، إلا انه وعلى الرغم من مضي عشر سنين، ويا لأسف الذات والمعنى، ما شكلت سيرته الراهنة إلا عبئا يثقل كاهل كل حالم بالحرية والديمقراطية، ويجبره على إعادة طرح تلك الأسئلة الكبرى عن أمة لم تنجح بعد في بناء مفهوم لها، ما تزال متأرجحة في الاختيار بين الخبز والحرية والتقدم والديمقراطية والعصر والهوية. وإذ يلوح العراق الجديد ديمقراطية فاشلة بامتياز، تهدد البلد نفسه في وجوده بالانقسام، فان تونس الجديدة ومصر الجديدة وليبيا الجديدة واليمن الجديد، جميعها أمثلة قد ترفد الحالة العراقية لكي لا تكون شاذة في المنطقة، ولتفقد الديمقراطيين العرب كل ثقة في النفس وتزلزل الأرض الفكرية والسياسية من تحت أقدامهم وتعمق حيرتهم المستمرة منذ دق نابليون نهاية القرن الثامن عشرة أبواب المحروسة.’ كاتب تونسيqmdqpt